الأزمة المزمنة في دارفور لم تعد تهدد الأمن والاستقرار في الإقليم وحسب بل أصبحت تهدد الدولتين الجارتين تشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى.
فإقليم دارفور يشهد منذ عام ألفين وثلاثة حرباً أهلية طاحنة أدت إلى مقتل أكثر من مائتي ألف شخص ونزوح أكثر من مليونين ونصف مليون بسبب انتفاضة حركات التمرد على سلطات الخرطوم. ومنذ التوقيع على اتفاق أبوجا للسلام في أيار/ مايو الماضي بين الحكومة السودانية وجماعة التمرد الرئيسية وهي حركة تحرير السودان برئاسة ميني ميناوي، لم يهدأ الوضع. وحركة العدالة والمساواة بزعامة خليل ابراهيم أكدت استعدادها للتفاوض مع حكومة الخرطوم مطالبة بمنح الحكم الذاتي للإقليم.
وفي الحادي والثلاثين من آب/ أغسطس الماضي قرر مجلس الامن الدولي إرسال قوة تابعة للأمم المتحدة يصل عديدها إلى سبعة عشر ألف جندي وثلاثة آلاف شرطي لتحل مكان قوة الاتحاد الإفريقي المنتشرة هناك، والتي تعاني من مصاعب في التمويل والتجهيز. إلاّ أنّ الرئيس السوداني عمر البشير رفض على نحو قاطع استبدال قوة الاتحاد الإفريقي بقوة من الأمم المتحدة وشدد على تقديم الدعم المالي والعسكري للقوة الإفريقية مؤكدا ان الاتفاقية الموقعة مع اطراف النزاع في دارفور لا تنص على قوات اممية وانما على قوات اقليمية أي افريقية.
واشنطن أوفدت مبعوثين عدة إلى الخرطوم دون أن تنجح بإقناع الحكومة السودانية بتغيير موقفها.
وقد امتد النزاع بسرعة إلى شرق التشاد حيث لجأ عشرات الآلاف من السودانيين وحيث استأنف المتمردون التشاديون المنتمون إلى اتحاد القوى من أجل الديمقراطية والتنمية الهجمات على القوات المسلحة الحكومية التشادية، الأمر الذي يهدد النظام التشادي برئاسة ادريس ديبي الذي اتهم الخرطوم بدعم المتمردين.
هذا التوتر القائم منذ فترة طويلة بين الخرطوم وانجامينا امتدّ أيضاً إلى جمهورية إفريقيا الوسطى حيث استولى مقاتلو اتحاد القوى الديمقراطية من أجل التجمع في نهاية تشرين الأول/ أكتوبر الفائت على مدينة بيراو في شمال شرق إفريقيا الوسطى المحاذية للتشاد والسودان قبل أن يتقدموا باتجاه الجنوب الغربي من البلاد.
رئيس إفريقيا الوسطى وهو حليف الرئيس التشادي اتهم بدوره السلطات السودانية بدعم المتمردين في بلاده.
وانطلاقاً من امتداد النزاع في دارفور إلى هذين البلدين المجاورين، أصبح الحل يرتبط بالدول الثلاث. وهذا الحل الذي طرحته أنجامينا وبانغي وأيدته فرنسا على لسان وزير الخارجية فيليب دوست بلازي الذي زار القاهرة والخرطوم واقترح نشر قوات مختلفطة افريقية واممية في دارفور وعلى تقاطع حدود الدول الثلاث، الأمر الذي لم تقبله صراحة الخرطوم.
وفي ظل هذه التعقيدات وتشابك النزاعات في الدول الثلاث، كان لا بدّ أن تتضافر جهود القوى الدولية والإفريقية والعربية لإيجاد حلٍ ينهي النزاع في دارفور. فوجهت الأمم المتحدة مع الاتحاد الإفريقي دعوة إلى الدول الخمس الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن والجامعة العربية ومصر والكونغو والغابون للاجتماع في أديس أبابا لبحث النزاع. فهل سيفضي هذا الاجتماع إلى إيجاد بداية حلٍ لمشكلة دارفور ؟ وجهة نظر الخرطوم لم يطرأ عليها تغيير كبير والمجتمعون في أديس أبابا يسعون للتوصل إلى قاسم مشترك من أجل إحلال السلام والاستقرار في الدول الثلاث. ولكن تنبغي الإشارة إلى ضرورة عدم الإفراط بالتفاؤل.
غسان المعلوف.