مع اختفاء سلالة الأسماء الفرنسية الكبرى في مجال الفلسفة والعلوم الإنسانية من ميشال فوكو إلى جاك ديريدا مرورا بسارتر وجيل دولوز ورولان بارت انحسر تأثير المثقفين على السياسة وباتت الساحة الإعلامية تغص بأشباه المثقفين وصغارهم من أولئك الذين يبحثون عن التألق الإعلامي ويتخصصون في كل كبيرة وصغيرة لإخفاء عجزهم عن إبداع أعمال وأطروحات أصيلة تضعهم في خانة الكبار. ولحسن الحظ هناك بعض الحالات النادرة جدا ما تزال تشتغل بصمت على مشاريعها الفكرية من دون أن تستسلم لإغراء الثرثرة الإعلامية وبريق الكاميرات التلفزيونية مع الاحتفاظ في ذات الوقت على القدرة على الضرب على الطاولة بقوة من حين لآخر لفرض فكرة ما أو التنبيه إلى خلل معين في المجتمع أو في السياسة. ومن بين هؤلاء، المفكر والفيلسوف الفرنسي الشاب نسبيا ميشال أونفريMichel Onfray الذي، رغم أنه لم يتجاوز الـ 46 عاما، برهن منذ عقدين من الزمن على أنه سليل حقيقي لكبار الفلاسفة الذين صنعوا مجد فرنسا وتألقها الفكري. بل إنه واحد من الفلاسفة القلائل الذي نجح في بيع أكبر عدد من كتبه وهو ما يزال على قيد الحياة خاصة أن كتب الفلسفة الجدية والرصينة، التي تتطلب درجة معينة من المعرفة والنضج لدى القراء، نادرا جدا ما تنجح تجاريا. وهذا ما حصل حين باع أكثر من 200 ألف نسخة من كتابه "دراسة في الإلحاد" وأكثر من 80 ألف نسخة من دراسته: "سياسة المتمرد: دراسة في المقاومة وعدم الاستسلام". كما أن كتابه "تاريخ مضاد للفلسفة" الذي صدرت منه أربعة أجزاء عرف نجاحا لا بأس به. وأونفري فيلسوف غزير الإنتاج وقد نشر أكثر من عشرين عنوانا آخرها كتاب في غاية الإمتاع عنوانه: "قوة الوجود" يحكي فيه مساره الفكري والشخصي.
لكن ما هي ميزة هذا الفيلسوف؟ وما هي طبيعة مشروعه الفلسفي؟ لنقل بإيجاز إن الرجل فيلسوف حسي ومُتعي (من المتعة طبعا) وكما يقال بالفرنسية: Hédoniste من نزعة يسارية يشتغل تحت راية الفيلسوفين الأساسين فريديريك نيتشه وجيل دولوز وهذا ما يظهر جليا في دراسات لافتة لا تخلو من الطرافة منها "بطون الفلاسفة أو نقد العقل الغذائي" و"فن اللذة: من أجل مادية حسية" و"نظرية الجسد العاشق: من أجل شهوانية مُشمسة" و"الرغبة في التحول إلى بركان". هذه الدراسات وغيرها مزيج ذكي من التفكير المرح الذي يستعين بالفلسفة وبأدوات العلوم الإنسانية والأدب ليمجد الرغبة والذوق والجمال. كما أن أونفريي أسس مؤخرا الجامعة الشعبية بمدينة كان Caen شمال فرنسا وهي جامعة يقدم فيها أونفري إلى جانب ثلة من أصدقائه دروسا بالمجان للطلاب في ميادين شتى كالفلسفة وعلم الاجتماع والتحليل النفسي والأدب والعمارة والموسيقى إلخ... لكن لماذا كل هذا الحديث عن الرجل؟ لأنه ببساطة صنع الحدث " حين نشر مؤخرا رسالة مفتوحة سماها "واحد من أجل ستة، ستة من أجل واحد" دعا فيها بصرامة زعامات اليسار المناهض لليبرالية إلى تفادي الغرق في دوامة التشرذم والتفرقة والنرجسية السياسية وانتهاز فرصة الانتخابات الرئاسية لتقديم مرشح واحد كفيل بإعلاء راية اليسار الأصيل وتقديم برنامج سياسي واجتماعي ضد الليبرالية بشقيها اليميني والاشتراكي ويستقطب أصوات الناخبين يمينا ويسارا من أولئك الذين صوتوا خلال الاستفتاء الأخير ضد الوحدة الأوربية. وبالنسبة للفيلسوف فإن السياق الحالي فرصة تاريخية لليسار كي يبلور هوية جديدة تُجمِّع في طياتها التيارات المدافعة عن البيئة والنساء والعلمانية والأقليات خاصة وأن ما يجمعها أكثر مما يفرقها.
لم ينتظر زعماء اليسار المناهض لليبرالية طويلا لأنهم أحسوا بالوقع القوي لرسالة أونفري وتأثيرها على المتعاطفين والمناضلين فردوا في اليوم الموالي في نفس صحيفة التي أفردت لهم غلافها وصفحاتها الأولى. لكن الردود وإن هي رحبت بفكرة الوحدة لم تتحمس كثيرا لمسألة المرشح الواحد وبدا واضحا أنهم لا زالوا سجناء مصالحهم الشخصية أو الحزبية الضيقة.
عبدالإله الصالحي