تعويم الجنيه السوداني بين تفاؤل الحكومة ومخاوف الشارع

موظف بنك في السودان
موظف بنك في السودان AFP - ASHRAF SHAZLY

رغم تماشي قرار البنك المركزي، بتوحيد أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الجنيه السوداني، مع برنامج صندوق النقد الدولي، إلا أنه قد يفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها الحكومة الانتقالية على الأقل خلال المدييْن القصير والمتوسط. فالقرار يُخفي وراءه مخاطر محدقة بالاقتصاد السوداني، على رأسها التضخم الذي تجاوز معدّله 300% خلال يناير/كانون الثاني الماضي.

إعلان

القرار الذي دافع وزير المالية والتخطيط السوداني جبريل إبراهيم، يشمل تعليمات جديدة للبنوك بتوحيد سعر الصرف الرسمي والموازي، بشكلٍ يندرج في إطار التعويم المُدار أو الموجّه، بمعنى أن يتولى البنك المركزي مهمة توجيه الدفة لتقليص الفارق بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق السوداء.

وتوقّع جبريل إبراهيم أن يساهم سعر الصرف المرِن والمُدار في تحسين سعر العملة الوطنية واستقطاب تحويلات المغتربين وجذب الاستثمار الأجنبي وتحفيز الصادرات والحد من تهريب السلع والعملات وانسياب الدعم والقروض الخارجية.

إلا أن التعويم المُدار أو الموجّه يحتاج إلى توافر غطاء كافٍ من الاحتياطيات بالعملات الأجنبية لدى البنك المركزي من أجل مواجهة قفزات سعر الصرف. والحكومة السودانية ترى الفرص متاحة أمامها اليوم أمام بعد رفع اسم الخرطوم من قائمة الدول الراعية للإرهاب ما يساعدها في الانفتاح على النظام المالي الدولي، كما أنها أبرمت اتفاقيات عدة، بينها منحة أصدقاء السودان المقدرة بـ 1.7 مليار دولار، واتفاقية وزارة الخزانة الأمريكية بمبلغ 1.2 مليار دولار، واتفاقية أخرى مع بنك التصدير والاستيراد الأمريكي بمبلغ مليار دولار ما يفتح الباب لدخول استثمارات أجنبية ضخمة.

لكن الأمر ليس بهذه البساطة، فلا يمكن التعويل في توفير الغطاء النقدي على وعود مالية من جهات مانحة أو مُقرضة فقط، لاسيما وسط المؤشرات الاقتصادية الحالية للسودان الذي يعاني كغيره من الدول من تبعات جائحة كورونا.

من المؤكد أن دولا أخرى حول العالم وحّدت سعر الصرف لإنعاش اقتصاداتها، بينها اوغندا التي تلقت دعما كبيرا مطلع التسعينات، مكّن بنكها المركزي ووزارة المالية من التحوّل إلى "بائع صافي" للعملة الأجنبية في إطار سياسة الانسياب النقدي، فوحّدت سعر الصرف الأوغندي خلال عام واحد فقط وقضت على السوق الموازية وحققت معدلات نمو ناهزت 7% على مدى 15 عاما.

الأمر مختلف في السودان حيث تم اختبار سياسة "سعر الصرف المُدار" حتى تحت نظام عمر البشير، ففي سبتمبر/أيلول عام 2016، رفض حزب المؤتمر الحاكم تطبيق التعويم الكامل، واختار عوضا عن ذلك التدرج في توحيد سعر الصرف، ثم تم تعويم الجنيه السوداني جزئيا مرِنا عام 2017، ليرفع سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الجنيه بنسبة 131% فتقفز العملة الخضراء مسجلة 18 جنيها. وانعكست تلك السياسة حينها على الأسعار التي ارتفعت بشكلٍ جنوني بمعدل تضخم بلغت نسبته أكثر من 18% فيما ارتفعت أسعار الدواء بنحو 300% وتذاكر الطيران بـ 165% وسعر صرف الجنيه انخفض بالفعل بأكثر من 90% منذ عام 2014.

كما قامت لاحقا حكومة معتز موسى بتطبيق سياسة التعويم المُدار في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2018، وأطلقت عليها "آلية صُنّاع السوق" التي أدت إلى تحريك سعر الصرف من 18 جنيها للدولار إلى 47 جنيها رسميا مقابل 45 جنيه في السوق الموازية.

وهذه المرة، في 2021، وبمجرد إعلان البنك المركزي عن سياسة تعويم جديدة، تحرّك السعر الرسمي للجنيه السوداني الجنيه السوداني من 55 جنيها للدولار الأمريكي إلى 375 جنيها للدولار الواحد، مقابل 365 جنيها في السوق السوداء قبل أن ترتفع هذه الأخيرة مسجلة نحو 400 جنيه.

ويخشى المتحفظون على قرار الحكومة السودانية مواجهة خطر غياب غطاء نقدي كافي يجعل من البنك المركزي بائعا صافيا للعملة في جميع التعاملات، وغياب حزمة من السياسات المالية تحد من عشوائية الكتلة النقدية. فالحكومة السودانية لم تعط تفاصيل حول هاذين الشرطين الواجب توافرهما لإنجاح سياسة التعويم.

المشكلة تكمن في أن ارتفاع الدولار يرفع تكلفة ديون السودان البالغة 60 مليار دولار، حتى وإن كان هناك توجه لإلغاء خدمة الدين البالعة 42 مليارا. وارتفاع التكلفة سينعكس حتما على السلع والخدمات ويضغط سلبا على الطلب ما يدفع الإنتاج نحو التراجع فتنخفض معدلات التوظيف وترتفع نسب البطالة وترتفع الواردات مقابل تراجع الصادرات، فتتراجع الاحتياطيات الأجنبية ويزداد التضخم ويتشوّه مناخ الاستثمار الأجنبي وكمحصّلة يتدنى مستوى معيشة المواطن السوداني. وأمام هذه المعضلات، لا تقدم الحكومة أية إيضاحات لكيفية تلافيها، على الرغم من الوعود التي أطلقتها فيما يخص توفير الدعم النقدي للأسر السودانية وبرنامج إعادة تأهيل قطاع المواصلات القومية وبرنامج سلعتي وبرنامج توظيف الشباب ومواصلة الدعم للقمح والدواء وغاز الطهي والكهرباء.

الحكومة تواجه هذا العام موازنة تضخمية تتجاوز الترليون جنيه سوداني، تم وضعها على أساس سعر صرف رسمي في حدود 55 جنيها للدولار، فيما تشير التوقعات الرسمية المتفائلة إلى عجز نسبته 1,4% من اجمالي الناتج المحلي، بشرط توفير إيرادات عامة تتحطى 938 مليون جنيه من دون إعطاء تفاصيل عن مصادر هذه الإيرادات التي لم تتجاوز 268 مليون جنيه في موازنة 2020، ما يعني أن العجز مرجّح للارتفاع وقد تضطر الحكومة إلى الاستدانة من النظام المصرفي عبر طباعة العملة، وهو ما سيؤدي إلى زيادة معدلات التضخم ويقوّض أهداف الحكومة الرامية إلى الوصول معدل تضخم عند 95% بنهاية هذا العام. وتخصص موازنة هذا العام مبالغ مقدرة للمعاشات والحماية الاجتماعية بنحو 260 مليار جنيه و54 مليار جنيه على التوالي، بالإضافة إلى ميزانية التنمية خاصة بالأقاليم المهمشة والأقل نموا. وتحتاج الحكومة لنحو لخمسة مليارات دولار لبرنامج الإصلاح الاقتصادي. لكن حتى هذه اللحظة لا توجد معلومات كافية حول مصادر تمويل كل تلك البرامج والخطط الطموحة في بلدٍ لم يحل مشكلة الفساد بعد ومرّ خلال الفترة الماضية بعدد من الكوارث الطبيعية مثل الفيضانات والسيول، وأضُيفت له أزمات جديدة، مثل جائحة كورونا، ويفتقر للنقد الأجنبي، ويعاني من تراجع حجم صادراته مثلما حدث في قطاع الثروة الحيوانية حيث تراجعت الصادرات من مليار دولار في العام إلى ما يقارب 300 مليون دولار فقط.

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم