واشنطن تريد التربع على عرش العلم مجددا

مركبة فضائية أمريكية ( أرشيف)
مركبة فضائية أمريكية ( أرشيف) AFP - HANDOUT

يحيط الرئيس الأمريكي الجديد نفسه بفريق عالي المستوى من الخبراء والمستشارين، بينهم علماء كبار، في محاولةٍ للعمل على جميع المجالات حتى العلمية منها. وعبّر جو بايدن عن رغبته في أن تحتل الولايات المتحدة مجددا صدارة التقدم العلمي والتكنولوجي، وهو ما أبلغه لـ "إريك لاندر"، الأستاذ في معهد ماساتشوتس للتكنولوجيا التابع لجامعة، والذي أصبح مستشاره الجديد للعلوم والتكنولوجيا.

إعلان

مؤخرا، انتشر في صفحات مؤيدي بايدن على موقع "تويتر" هاشتاغ #scienceisback "عودة العلم"، طاغيا على مسألة منع دونالد ترامب وتغريداته المثيرة للجدل. وكان الهاشتاغ بمثابة الإعلان عن بدء معركة جو بايدن لاستعادة المكانة الأمريكية.

في الواقع، دقت جائحة كورونا ناقوس الخطر للأمريكيين محذرة إياهم، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز"، من أن "الاستقطاب السياسي ورفض العلم"، أعاقا قدرة الولايات المتحدة على احتواء أزمة الـ "كوفيد-"19 الذي حصد مئات الآلاف من أرواح مواطنيها وأنهك اقتصادها. ففي مقال حمل عنوان "عام واحد، 400 ألف وفاة بسبب كوفيد-19، كيف أثبتت الولايات المتحدة فشلها الذاتي"، ذكّرت الصحيفة بالخلاف الذي نشب بين دونالد ترامب وكبار العلماء حول جدّية التعامل مع الوباء، وكيف ترك الرئيس السابق للمسؤولين المحليين مسؤولية التعامل مع الأزمة، ما أدّى إلى تهميش خبراء الصحة.

ليست الولايات المتحدة الأمريكية وحدها من توصّل إلى هذه النتيجة، فالزلزال الذي سببه الوباء جعل العالم يعيد توجيه بوصلة أولوياته نحو العلم والبحث العلمي. ففي بريطانيا مثلا، عنونت "المجلة الطبية البريطانية the bmj " افتتاحيتها بـ "كوفيد-19 التسييس والإفساد وكبح العلوم"، لتذكّر قراءها بأن كبح العلم الجيد بالمُجمّع العلمي السياسي يؤدي إلى موت البشر" وأن وعود السياسيين بتوفير أدوات التشخيص والعلاج ودعم الابتكار يمكن أن تندرج في إطار المظاهر الخدّاعة وليس بالضرورة دليلا على استراتيجية قائمة على العلم الصحيح.

في ضوء هذه الحقائق، تتنافس الدول الكبرى على الصدارة في المجالات العلمية. لكن الولايات المتحدة الأمريكية لم تتمكن من الحفاظ على لقب الرائدة، وتلقّت ضربة من الصين التي سبقتها بخطوات إلى الريادة. فبحسب مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية بلغ معدل نمو الأبحاث العلمية في الصين، عام 2020، ضعف المتوسط العالمي، وبعد أن قادت الولايات المتحدة الطريق في عام 2008، جاءت الصين للتربع على عرش البحث العلمي منذ عام 2018.

فلا عجب أن يهتم الرئيس الأمريكي الجديد بالعلم اليوم، ويمشي على خُطى فرانكلين دي روزفلت الذي طلب من فانيفار بوش، في عام 1944، تحديد الخطوط العريضة لما يجب القيام به في مجال العلوم والتكنولوجيا لضمان "الصحة والازدهار الاقتصادي والأمن القومي لعقود قادمة". فمنذ الحرب العالمية الثانية، استقطب الأمريكيون الأدمغة النابغة من جميع أنحاء العالم، وجعلوها تهاجر لتحقيق أحلامها وترجمة أفكارها إلى مشاريع حقيقية تفيد البشرية وتعود بالنفع على الاقتصاد الأمريكي. وبفضل تلك الأدمغة المهاجرة، احتلت الولايات المتحدة قمة التصنيف العالمي بأفضل المراكز والجامعات ومعاهد البحث العلمي، من أمثال هارفارد وستانفورد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وبيركلي وهوبكنز وسكريبس ولورانس ليفرمور وغيرهم.

كلُّ شيء تغيّر اليوم، فالتصنيفات والترتيبات التي اعتاد الأمريكيون على احتكارها ذهبت لـ "شنغهاي" وأخواتها، ما دفع بـ "جو بايدن" إلى اعتبار "تحديث الاستراتيجية الوطنية للعلوم والتكنولوجيا" ضرورة حتمية واحتياجا عاجلا. ففي أحد خطاباته تحدث عن المحتوى الفعلي للعلوم والتكنولوجيا المرغوبة، وفصّل سبب تركيزه على هذه النقطة وكيفية تحقيق هكذا هدف. وسيكون على مستشاره العلمي تقديم توصيات بشأن "الاستراتيجيات العامة والإجراءات المحددة والهياكل الجديدة" التي ينبغي تصميمها.

كان لزاماً على الأمريكيين، بغض النظر عن هوية الرئيس وتوجهاته، التفكير في رد اعتبارهم، لاسيما بعد أن اهتزت هيمنتهم أمام الصينيين في مجال تكنولوجيا المعلومات ولم تستطع الشركات الأمريكية الحفاظ على زخم الريادة في في صناعات الهواتف المحمولة وتطبيقات وخدمات الإنترنت والحوسبة السحابية، والتجارة الإلكترونية، والتمويل الافتراضي. فالمنافسة أصبحت شرسة في مجالات حديثة مثل الذكاء الاصطناعي الموجه نحو المستقبل والمجالات الناشئة كـ "البيانات الضخمة".

يتبقى على واشنطن رصد أفضل الميزانيات من أجل انتزاع الصدارة مجددا، والحفاظ عليها وحمايتها من صعود نجم بيكين، وتقدمها النوعي كمنافس في مجال البحث والتطوير والتكنولوجيا. قد يتطلب ذلك عشرات المليارات، لكن التكلفة الحقيقية سيقدرها المستشار العلمي إيريك لاندر العالم البارز في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. وإذا تحقق هدف بايدن بوضع الولايات المتحدة على الطريق المعهود واستعادة مكانتها العلمية السابقة، سيكون ذلك المعنى الحقيقي لشعار "اجعل أمريكا عظيمة مرّة أخرى".

 

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم