الحزب الجمهوري الأمريكي: من لينكولن محارب العبودية إلى ترامب المتهم بالعنصرية

ترامب ينظر إلى صورة لينكولن
ترامب ينظر إلى صورة لينكولن © أ ف ب
نص : فؤاد المطران
8 دقائق

كما كان متوقعا، لم يتمكن الحزب الديمقراطي من جذب أصوات كافية من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين ليتمكنوا من عزل رئيس الولايات المتحدة السابق دونالد ترامب. فبحسب الكثير من المراقبين، تخوف الجمهوريين من نقمة جمهور اليمين عليهم إذا صوتوا ضد ترامب. فهذه الشخصية التي لطالما اتهمت بالعنصرية والتطرف، أصبحت الأكثر شعبية لدى جماهير اليمين والحزب الجمهوري.

إعلان

لكن ما يعتبر اليوم من بديهيات السياسة الأمريكية، كان مغايرا تماما في السابق. فالتوجهات اليمينية والمحافظة، حتى حدود التطرف أحيانا، للحزب الجمهوري لا تتوافق أبدا مع بدايات هذا الحزب الذي كان أبرز مؤسسيه الرئيس الأمريكي إبراهام لينكولن المناهض الشرس للعبودية، كما أن الحزب الجمهوري استمر لوقت طويل من أبرز المدافعين عن حقوق الأمريكيين من أصل أفريقي. حتى أن الحزب الديمقراطي سابقا، كان حزبا متمسكا بالعبودية في الولايات المتحدة ومؤمنا بتفوق العرق الأبيض.

فكيف حصل هذا التحول الجذري داخل جمهور الحزب الجمهوري منذ تأسيسه عام 1854 في عز الصراع حول مسألة العبودية في الولايات المتحدة إلى حزب أصبح فيه ترامب رقما صعبا لا يمكن تخطيه بسهولة؟

مسألة العبودية

قبل تأسيس الحزب الجمهوري، تنافس في الولايات المتحدة حزبان أساسيان: الحزب الديمقراطي الذي نعرفه حاليا وحزب الويغز.

لم تكن مسألة العبودية تأخذ حيزا واسعا من النقاش في الحياة السياسية الأمريكية، إذا كان الطرفان متفقان على إبقاء العبودية في الولايات الجنوبية باعتبارها ركيزة الاقتصاد في الجنوب. لكن القضية أخذت بعدا آخرا مع التوسع الأمريكي شرقا وزيادة عدد الولايات التي ضمت إلى الولايات المتحدة.

بالطبع، رغبت الولايات الجنوبية بتمديد السماح بالعبودية إلى الولايات الجديدة، باعتبار أن ذلك سيعطيها دعما في الكونغرس. بينما توجست الولايات الشمالية من هذا الطرح لأنه سيهدد القوة العاملة للمواطنين الأمريكيين البيض وسيعطي أفضلية اقتصادية للولايات الجنوبية. إذا كان الهم الأساسي اقتصادي، بالرغم من وجود بعض الشخصيات المؤمنة بإلغاء العبودية لأسباب إنسانية ومبدئية.

هذا النقاش أدى لخلاف حاد داخل حزب الويغز وانهياره تماما. وسريعا ما ظهر حزب شمالي جديد حصد شعبية واسعة وأوصل أول رئيس له إلى سدة الرئاسة إبراهام لينكولن عام 1861، وهو الحزب الجمهوري.

مع وصول لينكولن، اندلعت الحرب الأهلية مع إعلان 11 ولاية جنوبية متمسكة بالعبودية انفصالها عن الولايات المتحدة وتأسيس دولة جديدة عرفت باسم الولايات الكونفدرالية الأمريكية. لكن الحرب ستنتهي عام 1865 لصالح الشمال مع عودة الولايات الجنوبية إلى الولايات المتحدة وإنهاء العبودية بشكل كامل على كافة الأراضي الأمريكية.

يذكر أن الجمهوريين استمروا بالنضال من أجل الحقوق المدنية للأمريكيين من أصل أفريقي، وحققوا بعض الإنجازات على هذا الصعيد، سواء من خلال تعديلات دستورية أو فرض إصلاحات على الولايات الجنوبية. فأبرز هذه التعديلات كانت بمنح الأمريكيين من أصل أفريقي حق الاقتراع عام 1866 بعد سنة على اغتيال لينكولن.

لكن فترة النضال هذه لن تطول كثيرا.

حزب الأغنياء

قبل بدايات الحرب الأهلية، كان الشمال مزدهرا على الصعيد الصناعي أكثر من الجنوب، الذي كان يتكل أكثر على الزراعة. وقد أعطت الحرب الأهلية دفعت أكبر للصناعة في الشمال بدعم من الحكومة المركزية لتلبية الاحتياجات العسكرية.

هذه السياسات الحكومية خلقت طبقة جديدة من الأغنياء الجمهوريين، الذين سيكون لهم نفوذا أكبر داخل الحزب وسيحاولون الاستفادة منه وفقا لمصالحهم الاقتصادية.

إذا باختصار، بعد العام 1870، اعتبر الشمال الأمريكي والحزب الجمهوري أنهم فعلا كل ما بوسعهما من أجل المحررين سابقا من العبودية، وإصلاحات أخرى في الولايات الجنوبية. وأصبحت الأغلبية غير متحمسة لاستمرار الضغط على الولايات الجنوبية ما قد يؤدي لأعمال عنف جديدة، خصوصا في إطار احترام خصوصيات كل ولاية وعدم تدخل الحكومة المركزية فيها بما أن العبودية قد ألغيت.

هذا التراخي سيعيد المحافظين البيض الديمقراطيين إلى السلطة في الولايات الجنوبية وستعود الإجراءات والقوانين العنصرية لتطبق مجددا. وستغيب مسألة المساواة في الحقوق بين المواطنين عن النقاش السياسي لعقود كثيرة.

الجمهوريون أصبحوا محافظين والجنوب سيصبح جمهوري

غالبا ما يردد اليوم أن الحزب الجمهوري هو حزب الانجازات الكبيرة، المتطرف للرأسمالية، والرافض لتدخل الدولة في الحياة الاقتصادية. لكن هذه المقولة أصبحت أمرا واقعا منذ بداية القرن العشرين. سيكسب الجمهوريون شعبية كبيرة في بدايات العشرينات وستلقى أفكارهم جاذبية لدى الأمريكيين بفضل الازدهار الاقتصادي.

لكن بعد العام 1929 والكارثة الاقتصادية الكبرى، سيعود الديمقراطيون للحكم مع إصلاحات تعطي الدولة دورا أكبر بهدف تحسين الاقتصاد، رغم معارضة الجمهوريين لها.

لكن ازدياد دور الحكومة المركزية على حساب الولايات سيزيد من مخاوف الديمقراطيين التقليديين في الجنوب الذين يتوجسون تاريخيا من تدخل الحكومة المركزية في شؤونهم. وهنا سيبدأ حزب الجمهوري بالالتقاء على نقاط عدة مع الديمقراطيين التقليديين في الجنوب.

حركة الحقوق المدنية والتحول الجذري

لم تكن قضايا الحقوق المدنية مسألة اختلاف على أساس حزبي في الولايات المتحدة، بل أخذت طابعا جغرافيا. فقد كان معظم مناصري الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الجنوب معارضين لمنح حقوق أكثر للأمريكيين من أصل أفريقي، بينما كان مناصري الحزبين في الشمال داعمين لها.

عام 1964، ستشهد الساحة الأمريكية تحولا جذريا. فبعد حوالي عقدين من النضال من قبل الأمريكيين من أصل أفريقي، سيقوم الرئيس الديمقراطي ليندن جونسون بتوقيع قانون الحقوق المدنية، الذي سيحظر التمييز على أساس العرق أو اللون أو الدين أو الجنس أو الأصل القومي. كما سيمنع أي شكل من اللامساواة لتسجيل الناخبين، والفصل العنصري في المدارس، والتوظيف، وأماكن الإقامة.

وبينما وقع هذا القانون رئيس ديمقراطي، سيرفضه زعيم الجمهوريين حينها معتبرا أنه تدخلا بشؤون الولايات الخاصة.

سيتحول معظم الأمريكيين من أصل أفريقي للتصويت للديمقراطيين، بينما سيتجه الديمقراطيين البيض في الجنوب إلى الحزب الجمهوري، لتصبح الولايات الجنوبية معقلا للحزب الجمهوري. ووصل دونالد ريغن الجمهوري إلى الحكم سيعزز وضع حزبه في الجنوب من خلال تركيزه على تشجيع الأعمال وخفض الضرائب وتبنيه سياسات اجتماعية محافظة.

الهجرة من أمريكا الجنوبية

مع وصول موجات كبيرة من الهجرة من دول أمريكا الجنوبية بين عامي 1980 و2011، سيسعى الحزب الديمقراطي إلى تعديل قوانين الهجرة مما يساهم بمنح الجنسية الأمريكية لملايين المهاجرين، بينما سيركز الحزب الجمهوري على الأعباء التي سببتها موجات الهجرة هذه على المجتمع الأمريكي.

وقد أتت الصفعة القوية للحزب الجمهوري عام 2012 مع خسارة ميت رومني الجمهوري أمام باراك أوباما الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية بدعم كبير من الأقليات المهاجرة. وقد بدا واضحا للحزب الجمهوري أنه لن يصل إلى الحكم مجددا إذا لم ينل رضى المهاجرين من أصول أمريكية جنوبية.

سيحاول قادة من الجمهوريين التعاون مع الديمقراطيين في سعيهم لتعديل سياسات الهجرة، كما فعل على سبيل المثال ماركو روبيو. لكن هذه الخطوات ستخلق نقمة أكبر ضد قادة الحزب الجمهوري، وسيشعر مناصريه بخيبة أمل وخيانة.

فقدان الثقة بالقادة الجمهوريين، وشعور البيض بأنهم يفقدون بلادهم، مهد الطريق في السباق الرئاسي عام 2015 لوصول شخصية مثل ترامب إلى سدة الرئاسة. شخصية اعتبرت نفسها غير تقليدية وغير منبثقة من "المؤسسة الرسمية" الأمريكية، بخطابات عنصرية تجذب البيض المحافظين وتدفعهم للقيام بتحركات مشابهة لما فعلوه أثناء اقتحام الكابيتول.

فهل ستترسخ حالة ترامب في المجتمع الأمريكي أو سيتمكن الحزب الجمهوري من إعادة كسب ثقة جمهوره؟

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم