نظام أوروبي موحّد للاجئين يتعثّر بين الشد والجذب والمصير المجهول

اللاجئون السوريون يجلسون في حقل بين الحدود اليونانية التركية
اللاجئون السوريون يجلسون في حقل بين الحدود اليونانية التركية © رويترز

مجدداً، لا يزال مشروع نظام اللجوء الأوروبي الموحد متعثراً ومجهول المصير على الرغم من مرور أكثر من خمسة عشر عاما على بدء القادة الأوروبيين بالحديث عنه والتفكير فيه. فالعديد من دول الاتحاد مازالت تتحفظ على مبادئه وتتخوف من انعكاسه على سياساتها الداخلية المتعلقة بالهجرة واللجوء. وكنتيجة لذلك، لم يتمكن الاتحاد الأوروبي من الالتزام بتعهداته واعتماد النظام الموحد قبل العام 2020، حتى تحت الرئاسة الألمانية القوية.

إعلان

مع ترؤس البرتغال للاتحاد الأوروبي خلال النصف الأول من 2021 لتخلفها سلوفينيا في النصف الثاني، تبدو حظوظ المشروع الأوروبي المشترك وكأنها تتضاءل، على الأقل فيما يخص العام الجاري. فالقيادة البرتغالية لا تُدرج ملف إصلاح اللجوء في أوروبا على قائمة أولويات فترتها الرئاسية، بل تعتزم طرح مقترحات لتسوية جديدة بشأن مسألة توزيع حصص اللاجئين خلال قمة وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي، المنتظرة في مارس/آذار المقبل. أما بالنسبة لسلوفينيا، محطة العبور من البلقان نحو الاتحاد الأوروبي، فمن غير المتوقّع أن يكون تأثيرها أقوى من البرتغال، لا سيما مع الاتهامات الموجهة لها بسبب قيامها بترحيل 90% من طالبي اللجوء وفق قانون صادق عليه برلمانها، وفي صيف عام 2019، حال السلوفينيون، مع الإيطاليين، دون توصل وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي إلى التوصل لاتفاق حول إنقاذ مهاجرين. وكانت آخر حلقات مسلسل الإدانات التي طالت سلوفينيا، قرار محكمة روما، في يناير/كانون الماضي، حول عدم قانونية الإعادة القسرية لطالبي اللجوء والمهاجرين على الحدود الإيطالية السلوفينية.

وبما أن باريس وبرلين وحدهما من تطالب منذ عام 2015 بتعامل موحد مع أزمة اللاجئين ووضع نظام موحد بشأن حق اللجوء، قد يتعيّن على الأوروبيين الانتظار إلى حين تولي الفرنسيين زمام الأمور الأوروبية في عام 2022، من أجل استئناف العمل على ملف إصلاحات نظام الهجرة واللجوء. لكن، في ظل مواصلة الرئيس إيمانويل ماكرون، الترويج لـ "شنغن جديد"، مع تشديد الرقابة على الهجرة، قد لا تمتلك باريس عصا سحرية قادرة على اقناع الجميع والخروج بموقفٍ أوروبي مشترك. فالمعضلة ستظل قائمة ومتمحورة حول الصراع بين دول جنوب أوروبا التي تطالب بإعادة توزيع أكبر عدد ممكن من الوافدين إليها، ودول الشرق والشمال التي تريد استقبال أقل عدد ممكن، وهو ما تسبب، منذ تعديل "اتفاقية دبلن" وحتى الآن، في فشل الاتحاد الأوروبي في اعتماد سياسة أوروبية موحدة بخصوص طالبي اللجوء.

مقترح الإصلاح بين الخلافات الداخلية والانتقادات الخارجية

الأوروبيون مقتنعون بأن نظام اللجوء الموحّد هو الأصلح للتغلب على اختلاف مواقف الدول الأعضاء في معالجتها لأزمة اللجوء منذ عام 2015. ففي حين تستقبل دول مثل ألمانيا والسويد أعدادا كبيرة من طالبي اللجوء، توجد على الطرف الآخر دول أوروبية مثل إيطاليا وهنغاريا وبعض بلدان أوروبا الشرقية مثل بولونيا، وجمهورية الشيك، وسلوفاكيا، جميعها اتخذ مواقف متطرفة ورافضة لتطبيق مبدأ اللجوء وحماية اللاجئين.

على هذا الأساس، بدأ العمل الفعلي على مقترح النظام المشترك في صيف عام 2020، بعد نداءات أطلقتها منظمات حقوق الإنسان مطالبة باستجابة أوروبية موحدة ومنسقة وعاجلة وإجراء إصلاح جذري لنظام اللجوء الأوروبي الذي وصفته منظمة العفو الدولية بـ "العاجز".

حينها، دعا رئيس البرلمان الألماني فولفغانغ شويبله إلى إنشاء "مراكز إنقاذ ولجوء خارج الاتحاد الأوروبي" تحت عباءة الأمم المتحدة وسن قانون لجوء أوروبي مشترك بمعايير موحدة وإجراءات اعتراف قابلة للتطبيق.

وفي سبتمبر/أيلول من نفس العام، بعد الحريق الذي التهم مخيم اللاجئين في جزيرة ليسبوس اليونانية، أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية، الألمانية الجنسية، أورسولا فون دير لاين، سعيَ الاتحاد الأوروبي لطرح اتفاق جديد بشأن الهجرة، عبر إدخال تعديل جديد على اتفاق "دبلن" الذي تم اعتماده عام 1990، ودخل حيز النفاذ عام 1997، وتم تعديله عام 2003 ليصبح اسمه "اتفاقية دبلن 2"، وتعديله مجددا عام 2013 ليصبح اسمه "اتفاقية دبلن 3".

وطالب الاتحاد الأوروبي بالفعل بفرض ضوابط أكثر صرامة على حدوده، من خلال تكثيف عمليات إعادة المهاجرين غير الشرعيين وتقييد منح التأشيرات لمواطني الدول التي ترفض استعادة مواطنيها، بالإضافة إلى توحيد الإجراءات الأوروبية لترحيل طالبي اللجوء المرفوضين، واستقبال طلب اللجوء مباشرة على الحدود الخارجية للاتحاد، على أن يتم تمويل كل تلك الإجراءات من ميزانية الاتحاد الأوروبي. وقامت حينها عدة دول أوروبية على رأسها مجموعة "فيشغراد" التي تضم بولونيا، وجمهورية التشيك، وسلوفاكيا، وهنغاريا، برفض تلك الإجراءات التي لم تجدها صارمة بما يكفي.

تلك الإجراءات أثارت حفيظة أحزاب أوروبية ومنظمات حقوقية وغير حكومية حول العالم مثل "العفو الدولية" و"أوكسفام" و"هيومن رايتس ووتش" و"سي ووتش" الألمانية، التي اعتبرت الإعلان الأوروبي بمثابة تنازل للحكومات المناهضة للهجرة، وتعزيز للحواجز وتهديد للحماية الفردية عبر إجراء سريع على الحدود، ما يمكن أن يزيد من تعقيدات التنقل غير القانوني من دول الوصول الجنوبية إلى دول المقصد الشمالية. فدول المتوسط سيكون عليها تقبّل احتضان المراكز الأوروبية الخاصة بإجراءات اللجوء، ما يعني استقبال عدد أكبر من الوافدين، لكنها في المقابل ستحصل على توزيع حصص اللاجئين الذي طالبت به. ودول الشرق والشمال الأوروبي، ستضطر إلى فتح أراضيها لمجموعات أكبر من اللاجئين القادمين من الجنوب، لكن في المقابل وبفضل دراسة طلبات اللجوء في المراكز الحدودية ستقبل عددا أقل بكثير من طالبي اللجوء بشكل عام، ما سيؤدي في نهاية المطاف إلى الحد من الهجرة غير الشرعية على المدى المتوسط، بحسب الآمال الأوروبية المعلّقة على هذا المشروع.

وعلى الرغم من أن المفهوم يبدو مقنعًا، إلا أن العديد من الدول تشكك بنجاعته وتتحفظ عليه. فدول جنوب أوروبا غير واثقة في أن النظام الموحّد يضمن عودة اللاجئين المرفوضين إلى بلدهم الأصلي ويخشون الاضطرار إلى توطينهم بشكل دائم. ودول الشرق والشمال، تتخوف من استمرار الهجرة غير الشرعية وزيادة حجم الحصص المطلوب استقبالها من الوافدين الجدد. ولا يزال لدى الأوروبيين الشرقيين انطباع "بأنهم من خلال استقبال اللاجئين، يتكبدون تكاليف تضاف إلى مشاكلهم الداخلية ولا يحصلون على أي شيء في المقابل. وفي هذا الإطار، رفض وزير الداخلية النمساوي كارل نيهمر رفضا قاطعا "التوزيع القسري لطالبي اللجوء في جميع دول الاتحاد الأوروبي وكذلك إنشاء حصص إلزامية للاجئين عن طريق الباب الخلفي". أما وزيرة الداخلية في الحكومة الإيطالية المستقيلة لوتشانا لامورغيزي فعبّرت، في نهاية يناير/كانون الثاني، عن شجبها لـ "التضامن الإجباري"، مشيرة إلى أن "أوروبا لا يمكنها في الواقع التخلي عن بعض أشكال التضامن، وبالتالي تلك الملموسة والفعالة، لضمان إدارة الوافدين وإعادة توزيع المهاجرين الذين يتم استقبالهم".

وسواء دخل نظام اللجوء الأوروبي حيز التنفيذ أو تم التخلي عنه، تظل النقطة الوحيدة التي يتوافق عليها جميع الأوروبيين شمالا وجنوبا، هي ضرورة أن يكون الاتحاد الأوروبي، على المدى المتوسط ​​، قادرا على إعادة المهاجرين غير الشرعيين واللاجئين إلى الحدود بمجرد رفض طلباتهم.  وأبرز المؤشرات على هذا التوافق، ترحيب جميع الدول الأعضاء بإبرام اتفاقات إعادة اللاجئين مع بلدان العبور والمنشأ. فمنذ عام 2004، تم إبرام 18 اتفاقية من هذا القبيل، لا سيما مع تركيا وباكستان، فيما تعتزم المفوضية الأوروبية تعيين "منسق للعودة إلى الوطن" في منتصف هذا العام، بعد أن كانت وكالة حماية الحدود "فرونتكس" تساهم في دعم الدول في تنسيق وتنظيم عمليات الإعادة إلى الوطن. كما تقوم المديرية العامة للهجرة والشؤون الداخلية في الاتحاد الأوروبي وكذلك وزارات الداخلية في الدول الأعضاء بتنظيم عمليات الإعادة إلى الوطن، والتفاوض مع بلدان المنشأ وتحسين الإجراءات الخاصة بذلك.

لكن المنظمات الحقوقية تواصل انتقادها للضغوط التي تمارسها أوروبا على الدول الإفريقية لاستعادة المهاجرين القادمين منها مقابل مساعدات مرتبطة بالتنمية، وشددت على ضرورة أن تتم الاستعاضة عن الترحيل بالبحث عن طرق لتوفير الحماية لطالبي اللجوء والمهاجرين القادمين من الدول التي تعيش أوضاعاً صعبة.

إعادة اللاجئين إلى أوطانهم حلّ سحري أم جزء من المعضلة؟

تشير أرقام مكتب الإحصاء الأوروبي "يوروستات" إلى تزايد عدد من يتوجب عليهم مغادرة دول المقصد مثل ألمانيا وفرنسا، في حين يتراجع عدد من يغادرون إلى أوطانهم بشكلٍ فعلي. فعدد المُطالَبين بمغادرة ألمانيا بلغ 281 ألفا، فيما انخفض عدد العائدين بالفعل إلى نحو 25 ألفا فقط، منذ عام 2016 حتى نهاية عام 2019، فيما تراجع هذا العدد بشكل حاد بعد أزمة كورونا. كذلك هو الحال في فرنسا مع 16000 إعادة ومغادرة طوعية إلى خارج الاتحاد الأوروبي في عام 2019، بينما سجلت إسبانيا واليونان وإيطاليا 12000، 9000 و6000 حالة فقط على التوالي.

ورغم ضآلة عدد من تتم إعادتهم إلى دول المنشأ، إلا أن المنظمات الدولية والحقوقية تندد بعدم مراعاة الأوروبيين لظروف جائحة فيروس كورونا التي لم تمنع بعض دول الاتحاد الأوروبي من إرسال المهاجرين إلى العديد من البلدان الإفريقية، بما في ذلك موريتانيا وتونس وأفغانستان وكذلك إثيوبيا التي تعاني بالأساس من صراعات داخلية دامية، ما دفع بجمعية الأمم المتحدة، للدعوة إلى وقف عمليات العودة على الأقل حتى انتهاء أزمة الوباء.

فقد أصبح من الواضح أن الاتحاد الأوروبي يراهن بشكل كبير، في ميثاقه الموحّد المنشود للجوء، على دول شمال إفريقيا، ودول ما وراء الصحراء من أجل تنفيذ مشروعه على أرض الواقع. فالميثاق، المتعثر حتى الآن، يقوم على عسكرة الحدود الخارجية الأوروبية من خلال نشر 10 ألف عنصر أمن أوروبي، وتوقيع المزيد من الاتفاقيات الديبلوماسية بهذا الخصوص مع دول شمال إفريقيا، مع تقديم المزيد من الدعم للبلدان المغاربية لحراسة حدودها والقضاء على أسباب الهجرة.

كما يستوجب ميثاق اللجوء الموحّد "إيجاد توازن جديد بين المسؤولية والتضامن" مع الدول التي توجد في الخط الأول لاستقبال المهاجرين، على حد قول وزير الدولة الفرنسي للشؤون الأوروبية كليمنت بون الذي وأوضح أن "على كل دولة أن تتولى نصيبها من التضامن واستقبال أشخاص لهم حق اللجوء. في حال رفضت دولة استقبالهم، يجب وضع ترتيبات أخرى"، عبر دعمها في تنظيم عمليات الإعادة وحماية حدودها عبر الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل "فرونتكس"، وتقديم دعم بالتجهيزات لمراكز اللاجئين، إلخ". كما دعا كليمنت بون إلى إضفاء مزيد من الفعالية على عمليات الإعادة، عبر ممارسة "ضغط أكبر أحيانا" على دول الأصل حتى تعيد مواطنيها الذين وصلوا أوروبا بشكل غير نظامي" معتبرا أنه "في حال عجزت أوروبا على أن تكون أكثر استقلالية وأكثر حزما ووحدة، فإنها لن تكون فعّالة، لأن سياسة الهجرة هي النموذج المثالي لذلك".

لكن حتى الآن، يصعب تفسير فشل الاتحاد الأوروبي في إقناع دول المنشأ، التي تعتمد غالبًا على أوروبا، لاستعادة مواطنيها، وفقًا للقانون الدولي، سوى بضعف الأولوية الممنوحة لقضايا السياسة الخارجية، بحسب إيلفا جوهانسون، المفوضة الأوروبية للشؤون الداخلية المسؤولة عن إصلاح نظام الهجرة الموحّد التي قالت عن العودة إلى الوطن إنها "ليست علمًا دقيقًا"، و"يعتمد نجاحها على الأولوية المعطاة لهذه القضية في الاتصالات الدبلوماسية مع البلدان الشريكة". فمن غير المقبول، وفق جوهانسون، أن يشترط العديد من دول المنشأ استقبال طائرة واحدة في الأسبوع، على متنها 25 شخصًا كحد أقصى، من الاتحاد الأوروبي".

بالنسبة للكثيرين داخل الاتحاد الأوروبي، مشروع نظام اللجوء الموحد والإصلاحات المنشودة لنظام الهجرة تمر عبر معالجة مسألة الإعادة إلى الوطن الأصلي، والمهم أن تتوفر الإرادة الحقيقية لإنجاز ذلك. فقد كان الاتحاد الأوروبي في مقدمة الدول التي أحرزت إنجازات كبيرة في قانون اللاجئين وطوّرت على مدى عقود نظاما إقليميا للجوء، عززه تأسيس مكتب دعم اللجوء الأوروبي.

اليوم، هناك بلا شك أزمة تتعلق باللجوء واللاجئين وأوضاعهم وحقوقهم وطرق حمايتهم في دول الاتحاد الأوروبي، وهي أزمة إنسانية بامتياز، وتشكل تحديا جديدا واختبارا صعبا بالنسبة للاتحاد كمنظمة أوروبية إقليمية، ولهيئاته ومؤسساته المختلفة.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم