من الربيع العربي إلى كورونا... فضاء شنغن يواصل انحساره

الشرطة الفرنسية على الحدود مع إسبانيا
الشرطة الفرنسية على الحدود مع إسبانيا © الشرطة الفرنسية على الحدود مع إسبانيا (أ ف ب)

مع الإجراءات الحدودية المشددة لعدد من الدول الأوروبية، في مقدمتها اليونان وإيطاليا، تراجعت بنسبة كبيرة حركة نزوح المهاجرين غير القانونيين إلى دول الاتحاد الأوروبي، وزاد من تشديد هذه الإجراءات الكمُ الكبير لعدد المهاجرين الذين وصلوا بحراً بشكل خاص إلى الشاطئين الإيطالي واليوناني ( 20 ألف تونسي و8 آلاف ليبي في بداية الربيع العربي عام 2011). 

إعلان

ومن بين ما يستثنى في هذا التشدد الترحابُ الإنساني بالمهاجرين القادمين إلى ألمانيا الذي عبرت عنه المستشارة الألماني أنغيلا ميركل وإن كلفها هذا لاحقاً تراجعاً في نسبة شعبيتها.

كان مصدر الخوف من وصول هذه الأعداد الكبيرة للمهاجرين اقتصاديا واجتماعياً مع طرح السؤال كيف يمكن لبلد كإيطاليا عدد سكانه نحو ستين مليون نسمة أن يتحمل موجات الهجرة الواسعة هذه، وكذلك الأمر بالنسبة إلى اليونان، إلى أن أحكمت إيطاليا حدودها البحرية في الآونة الأخيرة ما تسبب بمشكلة كبيرة بينها وبين فرنسا التي انتقدت من منطلق "إنساني" هذا الإحكام.

حقيقة القول إن ما سمم موضوع الهجرة إلى البلدان الأوروبية ليس العدد الكبير للمهاجرين الواصلين بل من وصل معهم مخترقاً صفوفهم من متشددين ارتكبوا لاحقاً أعمالاً إرهابية إن كان ذلك بتخطيط مسبق في البلد الذي قدموا منه أو لاحقاً على الأرض الجديدة التي وصلوها، ما حمل السلطات في عدة بلدان أوروبية بشكل خاص فرنسا وبلجيكا وإيطاليا واليونان على تشديد المراقبة على حدودها الأرضية ومطاراتها إضافة إلى الشواطئ الإيطالية والفرنسية واليونانية. هنا، بدأ انحسار فضاء شنغن وكان التشديد أكثر وأكثر على منح تأشيرات الدخول إلى بلدان هذا الفضاء ما يمكن أن يتأتى عنه إضعاف لتحرك الزائرين سُياحاً أو تجاراً أو طلاباً، لكن هذا لم يَطَل دولة عربية كان لها التميّز وهي دولة الإمارات العربية المتحدة التي مُنح مواطنوها بموجب اتفاق بروكسل في السادس من أيار مايو عام 2015 حرية الدخول والتجول في بلدان فضاء شنغن بدون تأشيرة لإقامة قصيرة لمدة 90 يوماً، وكانت الإمارات بالتالي أول بلد عربي يستفيد من هذا الاتفاق وإلى اليوم.

تراجعت إذن فكرة فضاء شنغن في التنقل بحرية بين 22 بلداً من البلدان الـ 27 أعضاء الاتحاد الأوروبي إضافة إلى أربعة بلدان أخرى غير أعضاء في الاتحاد هي سويسرا النروج وإيسلندا وسويسرا ولختنشتاين، وهي إمارة بين سويسرا والنمسا.  

ومع الإجراءات المشددة التي فرملت إلى حد ولو ضعيف تطبيق اتفاق شنغن تراجعت حركة الهجرة غير القانونية إلى دول الاتحاد الأوروبي وإن بقي خطر الإرهاب موجوداً، ما سمح بالاعتقاد بإمكانية تخفيف هذه الإجراءات الحدودية الجديدة بين بعض دول الاتحاد، اعتقاد لم يدُم طويلاً بسبب جائحة كورونا. فالتنقل اليوم بين بعض دول الاتحاد الأوروبي بات أصعب ليس لسبب أمني أو قانوني وإنما لسبب صحي. ومن بين الأشد في صعوباته هو التنقل اليوم بين فرنسا وألمانيا، إذ إن على القادم من فرنسا إلى ألمانيا اليوم أن يكون مزوداً بشهادة صحية تثبت عدم إصابته بفيروس كورونا على أن لا يتجاوز تاريخها الـ 48 ساعة ويكون عليه أن يمضي عشرة أيام في الحجر يمكن اختصارها إلى خمسة أيام في حال إجراء فحص مخبري آخر يثبت عدم الإصابة، وإجراء مماثل تقريباً في بلجيكا ومثله أيضاً وإن كان أخف تشدداً في إسبانيا للواصلين في رحلات جوية.

فضاء شنغن الذي أثيرت أسئلة حول جدواه مع موجات الهجرات إلى أوروبا وكذلك العمليات الإرهابية التي استهدفت عدداً من الدول الأوروبية هو اليوم شبه معطل عن غير قصد لأسباب صحية، لكن لا شيء يوحي رغم كل هذه الظروف الثلاثة (الهجرة والإرهاب والأزمة الصحية) بنية أي بلد من البلدان الأوروبية أعضاء فضاء شنغن بالتخلي عن هذا الفضاء الذي يبقى واحداً من الأعمدة الرئيسية للبناء الأوروبي الموحد.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم