وزير الداخلية الفرنسي و"العلامات الشيطانية" في الانتخابات المحلية

بوستر لـ"ماريان" رمز الجمهورية الفرنسية من عام 1940
بوستر لـ"ماريان" رمز الجمهورية الفرنسية من عام 1940 © ويكيبيديا

أعلن وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانا، على حسابه في شبكة تويتر، أن انتصار اليمين المتطرف مع حزب "التجمع الوطني" بقيادة مارين لوبن في الانتخابات المحلية التي تجري يوم الأحد 20/6، سيكون "علامة شيطانية"، وأثارت كلمات وزير الداخلية جدلا في الأوساط الإعلامية والسياسية، وسخر البعض من هذا التصريح، مبدين استغرابهم من أن وزير الداخلية المسئول عن علاقة الدولة بالأديان وعن الدفاع عن العلمانية يستخدم تعبيرات آيات الله في إيران عندما يصفون الولايات المتحدة بالشيطان الأكبر.

إعلان

تصريح دارمانا، وبالرغم من تأثيره السياسي المحدود، إلا أنه يكشف عن مدى الاحتقان وعنف الحملة في هذه الانتخابات المحلية، التي لا يهتم بها الإعلام عادة، نظرا لأنها تأتي قبل عام من الانتخابات الرئاسية المقبلة، ويرى فيها الكثير من السياسيين بروفة للرئاسيات، يمكن أن تفرز المرشحين الأقوى والأوفر حظا في الفوز بمقعد الرئاسة بعد عام.

وقيام الرئيس ايمانويل ماكرون بجولة في مختلف الأقاليم الفرنسية، تكشف عن الأهمية التي يوليها لنتائج حزبه "الجمهورية إلى الأمام"، خصوصا وأن استطلاعات الرأي لا تتوقع أن يحقق حزب الرئيس أي انتصارات، وأن يواجه الهزيمة في أغلب المناطق.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون AFP - LUDOVIC MARIN

1 - أزمة أنصار الرئيس (حزب الجمهورية إلى الأمام):

  •  حزب "الجمهورية إلى الأمام" لم يتمكن من ضرب جذوره في المناطق، ونظرا لأنه حزب وليد فإنه لا يتمتع بوجود حقيقي في مجالس البلديات أو مجالس المناطق، مما يضطره للبحث عن تحالفات محلية، سواء مع اليمين التقليدي أو مع بعض أطراف اليسار، وإن كانت أغلب القوى السياسية عازفة عن التحالف معه، نظرا لتدني شعبية الرئيس.
  • تنطلق هذه الانتخابات وأكبر أزمة صحية شهدتها فرنسا والعالم لم تنته بعد، وفي ظل انتقادات كثيرة لسياسة الحكومة في مواجهة أزمة وباء كورونا، وتبعاتها الاقتصادية والاجتماعية والصحية.
  • كما تأتي هذه الانتخابات بعد أزمة اجتماعية عنيفة، مع انفجار حركة السخط، التي عبر عنها أصحاب السترات الصفراء، والتي لم تقدم حكومة ماكرون حلولا مرضية لها، ولم يبد الرئيس أي نية لتعديل سياساته التي فجرت السخط الشعبي، ويؤكد الكثير من المراقبين أن حالة الغضب التي عبرت عنها السترات الصفراء ما زالت قائمة، ويمكن ان تنفجر في أي لحظة.
  • وأدت الأزمتان المتتاليتان الاجتماعية والصحية إلى بروز حالة من مظاهر العنف في المجتمع الفرنسي، سواء من قبل قوى الأمن أو من قبل المواطنين، وخصوصا الشباب منهم.
كريستيان جاكوب زعيم حزب الجمهوريين
كريستيان جاكوب زعيم حزب الجمهوريين AFP - GEOFFROY VAN DER HASSELT

2 - أزمة اليمين التقليدي (حزب الجمهوريين):

  • منذ وصول ماكرون إلى مقعد الرئاسة، أصبح اليمين التقليدي عاجزا عن طرح برامج سياسية واقتصادية، ذلك إن الرئيس لم يكتف بسلب أفكار اليمين التقليدي، وإنما تمكن من ضم العديد من شخصياته البارزة، ذلك إن رئيسي الحكومة السابق والحالي ووزير الداخلية ووزير الاقتصاد والمالية، وغيرهم يأتون من صفوف (حزب الجمهوريين).
  • لم يتمكن اليمين التقليدي من إفراز زعيم طبيعي من نمط جاك شيراك أو نيكولا ساركوزي، وإنما تصدر المشهد عدد كبير من قادته الذين يتصارعون من أجل ترشيح الحزب لهم في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
  • وتبقى ورقة رابحة في يد اليمين التقليدي، وهي أنه يتمتع بجذور عميقة في المناطق والمحليات ويسيطر على أغلبية المجالي المحلية في فرنسا، كما انه وعلى العكس من أنصار الرئيس يتمتع ببنية حزبية وخبرة كبيرة في مجال التنظيم السياسي.
جان لوك ميلانشان زعيم حزب "فرنسا الأبية"
جان لوك ميلانشان زعيم حزب "فرنسا الأبية" AFP - FRANCOIS LO PRESTI

3 – أزمة اليسار (اشتراكيون، شيوعيون، خضر):

  • منذ فشل الرئيس الاشتراكي السابق فرانسوا هولاند، والذي منعه من مجرد خوض الانتخابات الرئاسية الماضية، تراجع نفوذ الحزب الاشتراكي بصورة كبيرة للغاية، وهو الذي كان يشكل الثقل الجماهيري الأساسي في معسكر اليسار، وأصبح عاجزا عن تقديم برنامج واضح المعالم، أو زعامة سياسية من وزن فرانسوا ميتران.
  • في الوقت ذاته يواصل الحزب الشيوعي تراجعه، خصوصا مع بروز زعيم اليسار الراديكالي جان لوك ميلانشان، الذي تمكن، مع حزبه "فرنسا الأبية" من تحقيق اختراق ونتائج مؤثرة في الانتخابات الرئاسية الماضية، ولكنه لم يحقق المصداقية السياسية الضرورية على المستوى الشعبي، حتى أثناء احتجاجات السترات الصفر.
  • الأحزاب المدافعة عن البيئة في فرنسا تعاني، تاريخيا، من التشرذم، ونجاحها في الانتخابات الأوروبية، وانتشار دعوات الدفاع عن البيئة في المجتمع، تدفعها للتصميم على قيادة معسكر اليسار في معركة الرئاسة، ويشل إمكانية وحدة هذا المعسكر.
رئيسة "التجمع الوطني" مارين لوبن -رويترز

4 - أزمة اليمين المتطرف (حزب التجمع الوطني):

  • تؤكد كافة استطلاعات الرأي أن زعيمة الحزب مارين لوبن، ستصل إلى الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية، وأن هناك احتمالا أن تنتصر فيها، ولكن تقدم اليمين المتطرف يقوم في جزء كبير منه على رفض رجل الشارع للأحزاب التقليدية، التي تولت السلطة دون أن تغير في السياسات القائمة، بينما هو لم يجرب مارين لوبن والحلول الراديكالية التي تقترحها فيما يتعلق بالسياسة الأمنية، الهجرة والموقف من الاتحاد الأوروبي.
  • في المناظرة التي جرت في الانتخابات الرئاسية السابقة بين ايمانويل ماكرون ومارين لوبن، ظهرت زعيمة اليمين المتطرف بمظهر السياسية الضعيفة الغير ملمة بالملفات الأساسية، سواء الاقتصادية أو الأوروبية او السياسية، ولم تتمكن منذ ذلك التاريخ من تعديل هذه الصورة الضعيفة لدى رجل الشارع، وخصوصا الطبقة الوسطى، التي يمكن أن تصوت، تاريخيا، لصالح اليمين المتطرف في أوقات الأزمة.
  • ينبغي على حزب (التجمع الوطني) من تحقيق اختراقات كبيرة من حيث عدد ناخبيه، لأنه يواجه دوما، في الدورة الثانية، ما يسمى بـ"الجبهة الجمهورية"، حيث يصوت ناخبو اليسار واليمين التقليدي لأي مرشح يواجه مرشح اليمين المتطرف.
الانتخابات البلدية الفرنسية - الدورة الثانية 2020
الانتخابات البلدية الفرنسية - الدورة الثانية 2020 AFP - RAYMOND ROIG

5 - أزمة الديمقراطية، ونسب الامتناع عن التصويت:

  • ترتفع نسب الامتناع عن التصويت في الانتخابات المختلفة في فرنسا بصورة منتظمة، وباستثناء الانتخابات الرئاسية، تتراوح نسب المصوتين في الانتخابات حول النصف، أي أن ما بين 44⁒ إلى أكثر من 50⁒ يمتنعون عن التصويت، ويعتبر أساتذة العلوم السياسية أنها الظاهرة الأخطر في فرنسا حاليا.
  • تؤكد أغلبية من الناخبين الذين يشاركون في التصويت، أنهم يصوتون ضد مرشح بعينه أو سياسات معينة، أكثر من أن يكون تصويتهم لتأييد برنامج أو مرشح بعينه.
  • ويرى المراقبون أن تكتيك خلط الأوراق السياسية الذي مارسه ايمانويل ماكرون بقوة، وسمح له بالوصول إلى قصر الإليزيه، أدى للمزيد من الضبابية والابهام على الساحة السياسية الفرنسية، ويدفع بأعداد متزايدة من الناخبين للامتناع عن المشاركة في العملية السياسية وفي الانتخابات المختلفة.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم