واشنطن ترد على مطالب موسكو: "ملتزمون بالدفاع عن سيادة أوكرانيا وحقّها في اختيار التحالفات"

العلمان الروسي والأمريكي خلف رقعة شطرنج
العلمان الروسي والأمريكي خلف رقعة شطرنج © رويترز

رفضت واشنطن الأربعاء 01/26 في ردّها الخطّي على موسكو التعهّد بإغلاق باب حلف شمال الأطلسي أمام أوكرانيا، ضاربة بذلك عرض الحائط بأحد الشروط الأساسية لروسيا لتخفيف التوتر مع جارتها أوكرانيا، لكنّ الإدارة الأميركية اقترحت في الوقت نفسه "مساراً دبلوماسياً" لتجنّب حرب جديدة.

إعلان

والرسالة التي طال انتظارها سلّمها السفير الأميركي في موسكو جون سالفيان إلى وزارة الخارجية الروسية وتضمّنت ردّ بلاده على لائحة المطالب الأمنية التي تقدّمت بها موسكو لحل الأزمة الأوكرانية وفي مقدّمتها انسحاب حلف شمال الأطلسي من أوروبا الشرقية.

وكانت روسيا أعلنت في كانون الأول/ديسمبر عن مقترحات لاحتواء ما تعتبره تزايداً لنفوذ الولايات المتحدة وحلف الأطلسي في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق ودول شرق أوروبا. وفي مسودة الوثائق الأمنية طلبت موسكو من الحلف الذي تقوده الولايات المتحدة، عدم ضمّ أعضاء جدد أو إقامة قواعد في جمهوريات سوفياتية سابقة.

"مسار دبلوماسي جاد"

ولم تكشف موسكو عن فحوى الردّ الأميركي، لكنّ وزير خارجية الولايات المتحدة أنتوني بلينكن أكّد أنّ الرسالة حدّدت لموسكو "مساراً دبلوماسياً جاداً" لحلّ النزاع بشأن أوكرانيا، مشدّداً على أنّ أوكرانيا حرّة في اختيار حلفائها.  وقال بلينكن للصحافيين إنّ الرسالة لن تُنشر "لأنّنا نعتقد أنّ الدبلوماسية لها أفضل حظوظ النجاح".

وأضاف "هناك مبادئ جوهرية نحن ملتزمون بالمحافظة عليها والدفاع عنها، تشمل سيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها وحقّ الدول في اختيار الترتيبات الأمنية والتحالفات الخاصة بها". كما أكّد الوزير الأميركي أنّه سيتحدّث مع نظيره الروسي سيرغي لافروف في الأيام المقبلة للحصول على ردّ موسكو على الموقف الأميركي.

وأتى تصريح الوزير الأميركي بعيد إعلان مساعدته ويندي شيرمان أنّ الولايات المتحدة لا تزال على قناعة بأن بوتين مستعد لاستخدام القوة ضد أوكرانيا بحلول منتصف شباط/فبراير، فيما حضّت السفارة الأميركية في كييف رعاياها على "التفكير في المغادرة الآن".  في الأثناء، التقى مسؤولون من فرنسا وألمانيا وروسيا وأوكرانيا في باريس الأربعاء، في اجتماع رأت فيه فرنسا بارقة أمل بشأن إمكانية تراجع حدة التوتر. 

وأكدت مساعدة وزير الخارجية الأميركي ويندي شيرمان الأربعاء أنّ الولايات المتحدة تعتقد أنّ بوتين مستعدّ لاستخدام القوة ضدّ أوكرانيا بحلول منتصف شباط/فبراير رغم الضغوط الرامية لمنع ذلك. وقالت "لا فكرة لدي بشأن إن كان اتّخذ القرار النهائي، لكننا بالتأكيد نرى أن كل مؤشر يدلّ على أنّه سيستخدم القوة العسكرية في وقت ما، ربّما (بين) الآن ومنتصف شباط/فبراير".

وأكدت أن الولايات المتحدة "تضغط من أجل الدبلوماسية" لكنّها في الوقت ذاته "تستعدّ للأسوأ"، وهو نفس التعبير الذي استخدمه الأمين العام لحلف شمال الأطلسي يانس ستولتنبرغ الذي أكّد أنّ الناتو قدّم لموسكو مقترحات من أجل حلّ دبلوماسي للأزمة الراهنة.

وقال ستولتنبرغ "نحن الآن نمدّ اليد لروسيا مرة أخرى سعياً لمسار حوار وإيجاد حلّ سياسي. لكن بالتأكيد فيما نأمل ونسعى من أجل حلّ جيد، من أجل خفض للتصعيد، فنحن أيضا مستعدون للأسوأ". من جهتها قالت شيرمان إنّ الولايات المتحدة "تستعدّ لمختلف السيناريوهات"، من "اجتياح كامل" إلى "هجمات هجينة أو تخريب أو إكراه".

وفي مؤشر آخر على تصاعد حدة المخاوف، حضّت السفارة الأميركية في أوكرانيا الأربعاء رعاياها في الجمهورية السوفياتية السابقة على "التفكير في المغادرة الآن"، محذّرة من أن الوضع "قد يتدهور دون سابق إنذار يذكر".  ويتّهم الغرب روسيا بحشد حوالى 100 ألف جندي على الحدود الأوكرانية.  وأكّد الرئيس الأميركي جو بايدن الثلاثاء أنّ أيّ هجوم عسكري روسي على أوكرانيا سيؤدي إلى "عواقب هائلة" حتى أنّه قد "يغيّر العالم". لكنّ وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا لفت الأربعاء إلى أن عدد الجنود الروس "غير كاف لهجوم واسع النطاق" لكنه يمثّل "تهديدا مباشرا" لأوكرانيا.

"مشجّع"

في الأثناء، تواصلت الجهود الدبلوماسية في باريس حيث اجتمع نائب كبير موظفي الكرملين ديمتري كوزاك بالمستشار الرفيع للرئيس الأوكراني أندريه يرماك، في لقاء حضره أيضا دبلوماسيون فرنسيون وألمان.  وقال مساعد للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون طلب عدم الكشف عن هويته إن "موافقة الروس على الدخول في هذه الصيغة الدبلوماسية مجددا يعد أمرا مشجّعا للغاية".

بدوره، كتب يرماك على تويتر أن المحادثات شكّلت "مؤشرا قويا على الاستعداد لتسوية سلمية". وحذّرت دول غربية عدّة روسيا من عواقب وخيمة في حال غزت أوكرانيا، وذهبت واشنطن أبعد من ذلك لتعلن الثلاثاء استعدادها فرض عقوبات تستهدف بوتين شخصياً. وقلّل الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف من شأن التهديدات الأميركية، مشيراً إلى أنّه يُمنع أساساً على كبار المسؤولين الروس امتلاك أصول في الخارج. 

لكنّه شدّد مع ذلك على أنّه من شأن خطوة من هذا القبيل أن تضرّ بدرجة كبيرة بالجهود الدبلوماسية الرامية لنزع فتيل التوتر حيال أوكرانيا. وقال بيسكوف للصحافيين "سياسيًا، هذا الأمر ليس مؤلمًا، إنه مدمّر". وسبق للكرملين أن أشار إلى أنّ أيّ عقوبات أميركية تستهدف بوتين شخصياً ستمثّل تجاوزاً للخط الأحمر، محذراً من أنّ مثل هكذا خطوة ستؤدي إلى انقطاع العلاقات الثنائية.

عقوبات في قطاع التكنولوجيا المتقدّمة

وتحدّث مسؤول أميركي رفيع الثلاثاء عن عقوبات اقتصادية محتملة على روسيا "تحمل عواقب هائلة" تتجاوز تلك التي فرضت عام 2014 بعدما ضمّت روسيا شبه جزيرة القرم من أوكرانيا. وقال المسؤول إنّ التدابير الجديدة ستشمل قيوداً على صادرات معدات التكنولوجيا الأميركية المتقدّمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمّية وتكنولوجيا صناعة الطيران، وهو ما "سيضرب بشدّة طموحات بوتين الاستراتيجية لتحويل اقتصاده نحو التصنيع".

واعتبر رئيس مجلس النوّاب الروسي فياتشيسلاف فولودين الأربعاء أن تهديد واشنطن تجاه بوتين يظهر أنّ الولايات المتحدة "ترغب برئيس روسي موال يمكنها السيطرة عليه".  في الأثناء، دعا الحزب الحاكم في روسيا الكرملين إلى تسليح الانفصاليين الموالين لموسكو في شرق أوكرانيا لمساعدتهم على الدفاع عن أنفسهم في وجه كييف.

وأفاد رئيس كتلة حزب "روسيا الموحدة" في مجلس الدوما فلاديمير فاسيلييف في بيان بثه التلفزيون الروسي الرسمي "نناشد قيادة بلدنا تقديم المساعدة لجمهوريتي لوغانسك ودونيتسك على شكل إمدادات من المعدات العسكرية اللازمة لردع أيّ عدوان". في المقابل، أعلنت وزارة الدفاع التشيكية الأربعاء أنّها ستقدّم لأوكرانيا خلال الأيام القليلة المقبلة هبة عسكرية قوامها 4000 قذيفة مدفعية. 

وحذّر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في خطاب أمام النواب الأربعاء من أن موسكو ستتخذ "كافة الإجراءات اللازمة" ما لم تحصل على ردود بنّاءة وإذا واصل الغرب "سياسته العدوانية" في الأثناء، أعلنت موسكو عن سلسلة تدريبات عسكرية بما في ذلك في بيلاروس وقالت الثلاثاء إنها ستجري مناورات جديدة يشارك فيها 6000 جندي قرب أوكرانيا وفي منطقة القرم.

وأكد بيان لـ"الأسطول الشمالي" أنّ سفنا حربية روسية دخلت بحر بارينتس الأربعاء في إطار تدريبات بحرية منفصلة. وتنبع المخاوف من غزو روسيا من ضم موسكو شبه جزيرة القرم عام 2014 وسيطرة انفصاليين موالين للكرملين على منطقتين وإعلانهما تأسيس جمهوريتين من طرف واحد في شرق أوكرانيا. وقتل أكثر من 13 ألف شخص في المعارك بين القوات الحكومية الأوكرانية والمتمرّدين الموالين لموسكو.

ووصلت ستّ مقاتلات أميركية إلى إستونيا الأربعاء لتعزيز بعثة حلف شمال الأطلسي في البلاد. مالياً، تراجع سعر العملة الروسية مساء الأربعاء لما دون العتبة الرمزية البالغة 80 روبلاً للدولار، في سابقة منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2020، في حين بلغ سعرها مقابل العملة الأوروبية 90 روبلاً لليورو الواحد.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم