بوتين – بايدن: طبول الحرب الظاهرية، والعودة لستينيات القرن الماضي ... ولكن افتراضيا

الرئيس الأمريكي جو بايدن يلتقي نظيره الروسي فلاديمير بوتين في قمة في جنيف، يوم الأربعاء 16 يونيو 2021
الرئيس الأمريكي جو بايدن يلتقي نظيره الروسي فلاديمير بوتين في قمة في جنيف، يوم الأربعاء 16 يونيو 2021 © أ ف ب

بدأت روسيا مناورات ضخمة في البحر الأسود بانطلاق نحو 30 سفينة من أسطول البحر الأسود الروسي، وتعتبر هذه المناورات جزء من مناورات بحرية شاملة أعلنت عنها موسكو في يناير / كانون الثاني، على مدى شهري يناير / كانون الثاني وفبراير / شباط.

إعلان

وكانت السلطات الروسية قد أوضحت أن هذه المناورات ستشمل المحيط الأطلسي والقطب الشمالي والمحيط الهادئ والبحر الأبيض المتوسط، بالإضافة إلى المياه والبحار المتاخمة للأراضي الروسية، وأن حجم المشاركة في هذه المناورات سيبلغ أكثر من 140 سفينة حربية وسفينة دعم وأكثر من 60 طائرة وألف قطعة من المعدات العسكرية وحوالي 10 آلاف جندي.

أضف إلى ذلك الحشود العسكرية الروسية على حدودها وحدود بيلاروسيا مع أوكرانيا والتي يصل تعدادها إلى 130 ألف جندي.

استعراض هائل للقوة، وربما لم يسبق له مثيل، يثير قلقا ومخاوفا كبيرة لدى الولايات المتحدة وفي أوروبا، مما يدفع البيت الأبيض لتصعيد كبير في التصريحات والتحذير من حرب وشيكة وغزو روسي محتمل للأراضي الأوكرانية، وبدأت واشنطن في نشر حوالي 3 آلاف جندي أمريكي في أوروبا الشرقية، وطلبت من مواطنيها مغادرة أوكرانيا.

وتقترب حالة التوتر بين روسيا والولايات المتحدة ما عاشه العالم في بداية الستينيات مع أزمة الصواريخ الكوبية، عندما قامت موسكو ببناء قواعد لصواريخ متوسطة المدى في كوبا، يشمل مداها كافة الأراضي الأمريكية، بعد محاولة الأمريكيين قلب نظام فيدل كاسترو، وقيامهم بنشر صواريخ في بريطانيا وإيطاليا وتركيا، تسمح بضرب موسكو بأكثر من 100 صاروخ، وانتهت الأزمة باتفاق بين كينيدي وخروتشوف وبرعاية الأمم المتحدة.

الاستعراضات المتبادلة للقوة التي تشهدها أوروبا، اليوم، تدفعنا لرصد المواقف السياسية المحددة وملامح الواقع وقدرات أطراف الأزمة.

أهم مواقف الطرفين يبرز في تأكيدات كل من الرئيس الأمريكي ونظيره الروسي أنهما لن يسمحا بمواجهات عسكرية بين جنود البلدين على أراضي أوروبا، والتي هي الطرف الثالث في لعبة استعادة الحرب الباردة هذه، وهي طرف منقسم بشدة حول كيفية مواجهة هذه الأزمة بدء من بريطانيا التي تتطابق مواقفها – كما هو الحال تاريخيا – مع الولايات المتحدة ومرورا بفرنسا التي ترى ضرورة توفير ضمانات أمنية لطرفي الأزمة وحتى ألمانيا التي ترى أن إمداداتها بالغاز ستصبح مهددة بصورة كبيرة في حال مواجهة غربية مع روسيا، دون نسيان بلدان أوروبا الشرقية الذين يعيشون حالة تخوف دائم من سلطات الكرملين.

كما أن موسكو تؤكد يوميا، وعلى أعلى المستويات أنها لن تغزو أوكرانيا، وأن مخاوفها الأمنية تتجاوز الأزمة الأوكرانية وتتمثل في وصول الحلف الأطلسي إلى حدودها الغربية، بينما تعلن الإدارة الأمريكية صراحة أن جنودها لن يخوضوا أي حرب في أوكرانيا.

عندما وقعت أزمة الصواريخ الكوبية في ستينيات القرن الماضي، كان العالم يقع تحت سيطرة القوتين العظميين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وقوات كل من البلدين كانت منتشرة في الكثير من بقاع العالم، وكانت موسكو وواشنطن تبسطان نفوذا اقتصاديا وسياسيا طاغيا على البلدان الأخرى.

اليوم، تغيرت الصورة كثيرا، مع استراتيجية أمريكية جديدة، بدأت مع أوباما واستمرت مع ترامب وبايدن، وتقضي بانسحاب القوات الأمريكية من مواقع انتشارها في الخارج، حتى وإن كان انسحابا كارثيا كما حدث في أفغانستان، كما تغيرت الصورة على الضفة الأخرى واختفى الاتحاد السوفييتي، وظلت روسيا التي استنزفت الكثير من مواردها في سوريا والقرم وتعاني من مصاعب اقتصادية حقيقية في الداخل.

العالم تغير جذريا، ولكن بايدن وبوتين ما زالا، على ما يبدو، مقتنعين بأنهما يقودان القوتين العظميين، ويطلقان التحديات ويستعرض كل منهما قوته، المشكلة أن هذه القوة غائبة، وأن القائمين على أرض المعركة المحتملة في أوروبا يرفضون ذلك.

يبقى أن الأصوات العالية والتصعيد، وإن جاء ممن لا يتمتع بالإمكانيات اللازمة لخوض حرب عالمية، فإنه يطلق شررا، والكثير من النيران تشتعل بسبب شرارة غير مقصودة.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم