المأزق: كيف سيحكم ماكرون فرنسا خلال السنوات الخمس القادمة؟

ايمانويل ماكرون ونتائج الانتخابات التشريعية 2022
ايمانويل ماكرون ونتائج الانتخابات التشريعية 2022 AFP - LUDOVIC MARIN

شكلت نتائج الانتخابات التشريعية الفرنسية زلزالا في الحياة السياسية، إذ جاءت ببرلمان لا يتمتع فيه أي طرف بأغلبية مطلقة تسمح له بالحكم منفردا، وهذا للمرة الأولى في تاريخ الجمهورية الخامسة، إذ تعود الناخبون في ظل نظام رئاسي – برلماني، يمنح الرئيس سلطات واسعة، أن يمنحوا الرئيس الذين انتخبوه للتو الأغلبية اللازمة في البرلمان، باستثناء ايمانويل ماكرون في هذه الانتخابات، وهو سابقة تاريخية في الجمهورية الخامسة.

إعلان

تكشف نظرة عامة على النتائج أن الناخبين الفرنسيين يميلون نحو اليمين هذه المرة، إذ صوت حوالي 63⁒ لكل من حزب "معا" (تيار ماكرون – يمين الوسط)، "الجبهة الوطنية" (يمين متطرف) و"الجمهوريون" (يمين تقليدي)، بينما لم تصل نسبة المصوتين لتحالف اليسار إلى 32⁒.

هزيمة تاريخية لـ"معا" – حزب ماكرون:

بعد أن كان يتمتع بأغلبية مطلقة كبيرة تتجاوز 300 مقعد في البرلمان السابق، تعرض حزب الرئيس لهزيمة انتخابية تاريخية وحصل في هذه الانتخابات على أغلبية نسبية.

ويعيد المراقبون أسباب الهزيمة لعوامل عدة، على رأسها أنه كان الحزب الحاكم الذي فرض إصلاحات اجتماعية قاسية أثارت قطاعات كبيرة من الناخبين ضد سياساته الليبرالية المتشددة، وبرز الأمر في حركة السترات الصفر، والاحتجاجات النقابية المختلفة، كما أخذت أغلبية من الناخبين على ماكرون وحزبه التعامل بفوقية مع الطبقات الشعبية، وامتناعهم عن خوض حملة انتخابية حقيقية، سواء في الانتخابات الرئاسية أو التشريعية.

بينما يفسر الكثيرون انتصار ماكرون في الانتخابات الرئاسية، برفض الأغلبية التصويت لمرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن، وليس لاختيار حر أو لاقتناع بالرئيس الحالي.

صمود نسبي لليمين التقليدي:

تمكن حزب الجمهوريين أو اليمين التقليدي من الصمود نسبيا، بالرغم من تراجع عدد نوابه، بفضل العديد من المناطق التي يتمتع بوجود سياسي تاريخي فيها، ونظرا لأن الكثير من الناخبين الديغوليين يرفضون بصورة قطعية التصويت لليمين المتطرف، وبالرغم من عدد نواب الحزب المحدود (61 نائبا) إلا أنه قادر أن يلعب دور بيضة القبان أو صانع الملوك الذي يمكن أن يميل الكفة إلى هذا الطرف أو ذاك، وتبقى العقبة الرئيسية في أن قيادة الحزب تميل إلى رفض التحالف مع الرئيس.

مارين لوبن وسط نواب التجمع الوطني المنتخبين
مارين لوبن وسط نواب التجمع الوطني المنتخبين AFP - ALAIN JOCARD

انتصار تاريخي لليمين المتطرف:

حزب "التجمع الوطني" أو "الجبهة الوطنية" سابقا، الذي لم يكن لديه سوى ثمان نواب في البرلمان السابق، حصل في هذه الانتخابات على 89 مقعدا في البرلمان الحالي، فيما يبدو تتويجا لجهود زعيمته مارين لوبن للتخلص من المواقف الصادمة والعنصرية الواضحة التي تبناها والدها جان ماري لوبن، كما أن تفاقم أزمات الهجرة والأمن، وهما الملفان الرئيسيان لهذا الحزب، أدى لأن ينجح في التقدم بصورة بطيئة ولكن مستمرة على مدى العقود السابقة، وتنبغي الإشارة إلى أن مارين لوبن تميزت ببراغماتية كبيرة – سواء في الانتخابات الرئاسية أو التشريعية – عندما وضعت تحسين مستوى المعيشة، وهو القضية الرئيسية التي تشغل ذهن الناخب الفرنسي، في مقدمة برنامجها أمام قضايا الهجرة والأمن، وتبنت بذلك مصادر القلق الرئيسية للفرنسيين، بصرف النظر عن طبيعة وفعالية الحلول التي اقترحتها.

جان لوك ميلانشان زعيم تحالف اليسار
جان لوك ميلانشان زعيم تحالف اليسار AFP - BERTRAND GUAY

انتصار بطعم الهزيمة لتحالف اليسار:

انتصر تحالف اليسار في حرمان الرئيس من أغلبية مطلقة، ولكنه لم ينجح في الحصول على هذه الأغلبية لوضع زعيمه جان لوك ميلانشان في منصب رئيس الحكومة، وإذا كان قد حقق نتيجة إيجابية بحصوله على 131 مقعدا، إلا أن هذه النتيجة تخص تحالفا انتخابيا يضم "فرنسا الأبية" – حزب ميلانشان، الاشتراكيين، الشيوعيين والمدافعين عن البيئة، وهي قوى تختلف على مجموعة من الملفات الرئيسية وبصورة جذرية، مثل الموقف من الاتحاد الأوروبي، سياسة الطاقة ومبادئ العلمانية.

وبرز هذا الخلاف في رفض الاشتراكيين والشيوعيين لتشكيل كتلة برلمانية موحدة لتحالف اليسار في البرلمان الجديد.

ويرى بعض المراقبين أن أسباب تراجع اليسار الفرنسي عموما هو رفضه الاعتراف بوجود أزمات الهجرة والأمن باعتبارها شعارات يستغلها اليمين المتطرف، بينما هذه الأزمات تتفاقم بالفعل حتى وصلت إلى مراحل خطيرة، وتخلى بذلك عن ناخبيه المتمثلين في الطبقات الشعبية محدودة الدخل، والتي تعاني من انخفاض مستوى المعيشة والبطالة والتمييز الاجتماعي، ولكنها تعاني أيضا من هاتين الأزمتين.

أضف إلى ذلك أن اليسار الجديد المتمثل في ميلانشان والمدافعين عن البيئة ظهر وكأنه يبحث عن ناخبين جدد في أوساط المهاجرين والفرنسيين من أصول أجنبية، بما تضمنه من شعارات تدافع عن خصوصية فئات أو طوائف معينة، وهو ما شكل، في نظر الناخب الفرنسي، تنازلا عن نموذج الجمهورية الفرنسية وتراجعا عن مبادئ علمانية الدولة، ولم يقدم هذا اليسار رؤية حقيقية لمواجهة أزمة الهجرة وتداعياتها المتمثلة في عزل فئات هامة من أبناء الجيل الثاني والثالث خارج المجتمع، وبدلا من مواجهة نزعات عنصرية تؤدي إلى ذلك، ظهر اليسار الجديد وكأنه يساهم في تعزيز هذه العزلة عبر حديث عن الخصوصيات الثقافية، ولم تؤد هذه المواقف لمكاسب انتخابية، حيث اتضح من دراسة تفصيلية لنسب الامتناع عن التصويت، والتي بلغت أعلى المستويات في ضواحي المهاجرين.

أيضا فيما يتعلق بالأزمة الأمنية وارتفاع نسب جرائم الاتجار في المخدرات وما تؤدي إليه من أعمال عنف، تمسك اليسار الجديد برفض البحث في تفاصيل الأزمة، مكتفيا بالحديث التقليدي والصحيح عن الأسباب الاجتماعية للانحراف نحو الجريمة دون تقديم رؤية أو حلول مدروسة، وقام بشن هجمات عنيفة ضد تجاوزات رجال الشرطة، وإذا كان محقا في ذلك، فإنه ظهر في عيون الناخبين الفرنسيين وكأنه يتخلى عنهم لصالح فئات أخرى بدلا من دمج تلك الفئات معهم، كما ظهر أنه في مواجهة تفاقم ظاهرة الجريمة يصب هجومه على رجال الشرطة.

كيف سيحكم ماكرون؟

الإجابة على هذا السؤال تنحصر في 3 سيناريوهات:

1 – إقامة ائتلاف مع تيار آخر مثل الجمهوريين أو الاشتراكيين، ولكن الأغلبية المتبقية في كل من الحزبين لا تحبذ فكرة التحالف مع ماكرون، سواء بسبب خلاف سياسي كبير أو لأنهم لا يروا الجدوى في التحالف مع رئيس يمضي فترته الرئاسية الأخيرة، وهو تحالف قد يؤثر سلبا على مرشحهم للانتخابات الرئاسية المقبلة.

2 – البحث عن أغلبية مؤقتة أو كل مرة يريد تمرير مشروع قانون، ولكن الأمر سيكون عملية شاقة، خصوصا وأن البرلمان الجديد تسوده حالة فرز قوي بين تيارات متنافرة.

3 – يسمح الدستور لرئيس الجمهورية بحل البرلمان والدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة، ولكن قرارا من هذا النوع قد يثير حفيظة الناخبين الذين سيرون فيه عدم احترام لخياراتهم في الانتخابات الأخيرة، وعموما أدت تجارب حل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة إلى نتائج عكسية بالنسبة للرئيس الذي اتخذ هذا القرار، مثال فرانسوا ميتران عام 1988 وجاك شيراك عام 1997. في كافة الأحوال فقد أعلن ايمانويل ماكرون عن رفضه لهذا الخيار، كما رفض فكرة ائتلاف، وهي، في كافة الأحوال، فكرة رفضها الجميع.

الموقف الذي أعلنه الرئيس، عشية مغادرته إلى بروكسل للمشاركة في القمة الأوروبية، ومنح في أحزاب المعارضة مهلة 48 ساعة لتقديم اقتراحات حول طرق التعاون في حكم البلاد، يؤكد النظرية القائلة بأنه لم يدرك حجم وتبعات الهزيمة التي مني بها حزبه في البرلمان، ومازال يتحدث من موقع المنتصر والقوي.

أحزاب المعارضة أكدت منذ اللحظة الأولى، أنها ستصوت على كل مشروع قانون وفقا لآرائها ومواقفها حول مصلحة الفرنسيين، وأنها لن تتخذ مواقف رافضة باستمرار، ويبقى على الرئيس الذي لم يحصل على الأغلبية المطلقة أن يقدم الحلول لهذا الوضع.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم