"مواصلة العيش" في شرق أوكرانيا في ظل حرب استنزاف

شاحنة تنقل جنودا أوكرانيين تعبر قرب الغام مضادة للدبابات وحاجز إسمنتي كتب عليه "المجد لأوكرانيا" خارج مدينة بارفينكوف في منطقة دونباس بشرق أوكرانيا في 29 أيار/مايو 2022
شاحنة تنقل جنودا أوكرانيين تعبر قرب الغام مضادة للدبابات وحاجز إسمنتي كتب عليه "المجد لأوكرانيا" خارج مدينة بارفينكوف في منطقة دونباس بشرق أوكرانيا في 29 أيار/مايو 2022 آريس ميسينيس ا ف ب

بارفينكوفي (أوكرانيا) (أ ف ب) – تنهمك فالنتينا بريس الطبيبة المتقاعدة في اقتلاع الأعشاب البرية من حديقة منزلها في شرق أوكرانيا مرددة لنفسها حكمة تساعدها في الحفاظ على معنوياتها: الحروب تعبر والحياة ابدية.

إعلان

على غرار العديد من الأوكرانيين، حياتها مليئة بالتناقضات الأليمة. فهي تحب روسيا لكنها لم تعد تتكلم مع أقربائها في موسكو الذين لا يصدقون أن الكرملين شن هجوما عسكريا داميا على أوكرانيا دمر بلدتها بارفينكوفي الواقعة على مسافة مئة كلم غرب سيفيرودونيتسك.

وتنتمي فالنتينا بريس البالغة من العمر 71 عاما مع الجيران القلائل الذين مكثوا في البلدة رغم المعارك في محيطها، إلى جيل يتوق إلى الحياة الهادئة التي عرفها في عهد الاتحاد السوفياتي.

ويقوم جنود أوكرانيون بدوريات في شوارع حيّها شبه المقفر وسط توتر شديد إذ يعلمون أن العديد من سكان هذه المنطقة من حوض دونباس يميلون إلى روسيا.

تقع بارفينكوفي عند التقاطع بين منطقة خاركيف حيث استعاد الأوكرانيون مناطق من القوات الروسية، ومدينة سيفيرودونيتسك الإستراتيجية التي باتت موسكو تسيطر على 70% منها بحسب حاكم المنطقة سيرغي غايداي.

تقول فالنتينا بريس بدون أن تتوقف عن العمل في حديقتها "أحاول الاستمرار في العيش" مضيفة "بنظرنا، هذه الحرب عابرة، بينما الحياة أبدية".

دمار بدون تقدم

تحول الهجوم الذي شنته روسيا على أوكرانيا في 24 شباط/فبراير قبل مئة يوم إلى حرب استنزاف تلحق دمار هائلا بدون تحقيق الكثير من التقدم الميداني.

امرأة تهرب من حريق بعد قصف على ليسيتشانسك في دونباس بشرق أوكرانيا في 30 أيار/مايو 2022
امرأة تهرب من حريق بعد قصف على ليسيتشانسك في دونباس بشرق أوكرانيا في 30 أيار/مايو 2022 آريس ميسينيس ا ف ب

وأمام مقاومة أوكرانية لم تكن مرتقبة في بدء الغزو وأخطاء لوجستية وتكتيكية روسية، اضطرت قوات موسكو إلى خفض طموحاتها وإعادة تركيز هجومها على حوض دونباس، المنطقة الصناعية في شرق أوكرانيا التي تعاني بالاساس من تراجع النشاط الصناعي.

ولا تزال مدينة ليسيتشانسك المجاورة التي يفصلها نهر دونيتس عن سيفيرودونيتسك، تقاوم فيما يحاول الروس تطويقها.

وإذا نجحت القوات الروسية في السيطرة على سيفيرودونيتسك وليسيتشانسك، فسوف تنجح في إقامة رابط مع المناطق التي يسيطر عليها الروس إلى الغرب، وربما الانطلاق من هناك لشن هجوم على كراماتورسك، العاصمة الإدارية للمنطقة، برأي محللين.

هل الوقت لصالح كييف؟

بمواجهة القصف المدفعي الروسي العنيف، يطالب الجنود الأوكرانيون على الجبهة بإمدادهم بأسلحة عالية الدقة وبعيدة المدى لضرب قوات موسكو على مسافة.

دورية أوكرانية في 30 أيار/مايو 2022 في ليسيتشانسك بمنطقة دونباس في شرق أوكرانيا
دورية أوكرانية في 30 أيار/مايو 2022 في ليسيتشانسك بمنطقة دونباس في شرق أوكرانيا آريس ميسينيس ا ف ب

قال جندي عرف عن نفسه باسمه الحربي "لوجنيي" "حين تعرفون أن هناك أسلحة ثقيلة تساندكم، ترتفع معنويات الجميع. وإلا، تبقون في الخنادق تراقبون الأفق".

وإن كانت واشنطن ترفض إمداد أوكرانيا بأسلحة بعيدة المدى يمكنها استهداف الأراضي الروسية، فإن الرئيس الأميركي جو بايدن أعلن الثلاثاء أن واشنطن ستسلمها أنظمة صاروخية "أكثر تطورا ... تتيح لهم أن يصيبوا بمزيد من الدقة أهدافا أساسية في ميدان المعركة في أوكرانيا".

وأفاد مسؤول كبير في البيت الأبيض أنّ الأمر يتعلّق براجمات صواريخ من طراز "هيمارس"، وهي راجمات صواريخ تركّب على مدرّعات خفيفة وتُطلق صواريخ موجّهة ودقيقة الإصابة يصل مداها إلى 80 كلم، ما سيشكل تعزيزا كبيرا للقدرات العسكرية الأوكرانية.

وأوضح جندي آخر اسمه الحربي "مودير" لوكالة فرانس برس أن بعض هذه المنظومات قد تتطلب شهرا من التدريب، لكن "في المرحلة الراهنة، رجالنا مستعدون لإطلاق النار من أي سلاح بعد أن يلهوا به أسبوعين".

ومع بطء التقدم الروسي في دونباس وترقب تسليم أسلحة غربية أشد قوة لأوكرانيا، يتوقع المحللون أن يصب عامل الوقت لصالح كييف.

ورأى روب لي المحلل في معهد بحوث السياسة الخارجية أن "بإمكان أوكرانيا أن تسمح لنفسها بخسارة قليل من الأراضي في الوقت الحاضر في دونباس بدون أن تكون لذلك عواقب إستراتيجية خطيرة".

"نحن في الظلام"

من جانبه، يشعر إيفين أونيشتشنكو أن الوقت ليس لصالحه.

قابعا في شقته وسط انقطاع الكهرباء في الطابق الأرضي من مبنى في ليسيتشانسك، لا يسعه سوى أن يتساءل أي جيش يسيطر على شارعه.

يقول "لا نعرف شيئا"، متحدثا في باحة المبنى حيث يلتقي جيرانه لتقاسم الطعام.

ويزداد الوضع خطورة يوما بعد يوم مع اشتداد القصف على ليسيتشانسك انطلاقا من محيط سيفيرودونيتسك.

يقول "نرى سيارات تعبر رافعة أعلاما أوكرانية، فنفترض أننا ما زلنا جزءا من أوكرانيا. لكن عدا ذلك، نحن في الظلام".