تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عندما أصر الطيار الإسرائيلي إيبي ناتان على مقابلة عبد الناصر وبكى أمام مُقعدة فلسطينية

جمال عبد الناصر والإسرائيلي إيبي ناتان
جمال عبد الناصر والإسرائيلي إيبي ناتان © ويكيبيديا
نص : وهيب أبو واصل
7 دقائق

هل تغفر الضحية لجلادها؟ تجربة مؤثرة ووثيقة الم وعداء وتسامح روتها فاطمة هواري الشاهدة على قصف قريتها ترشيحا في الجليل الأعلى قبل وفاتها والتي تركتها مقعدة وهي الملقبة بعروس الجليل.

إعلان

عمل إيبي ناتان في الأربعينيات طياراً في سلاح الجو البريطاني في الهند، حيث ترعرع. ولما قامت الحرب الإسرائيلية ـ العربية في عام 1948، استدعته إسرائيل ضمن من استدعتهم لنجدتها، فوافق على الخدمة فيها لمدة ثلاثة أشهر، لكنه بقي هناك على أن توفي.

يروي ناتان وقائع مشاركته في تلك الحرب فيقول إنه فور وصوله تسلم من قادة "الهاغاناه" طائرة ركاب من نوع "داكوتا" طار بها لقصف القرى الفلسطينية في الجليل، وانه القى في احدى الغارات كمية كبيرة من القنابل على قريتي سعسع وترشيحا.

بعد دخول العصابات الصهيونية الى تلك المنطقة، ذهب برفقة زملاء له، لمشاهدة نتائج القصف الذي قاموا به على الأرض. لقد أراد أن يرى بعينيه ما لا يمكن للطيار أن يراه من الجو. وقد كان ما شاهده "مفزعاً" حسب تعبيره الخاص.

في عام 1990، التقى ايبي ناتان في واشنطن، برجل اعمال فلسطيني من ترشيحا، يدعى غسان خوري، وروى له هذا الأخير كيف هرب هو وعائلته الى لبنان في عام 1948، بعد ان تعرضت قريته لقصف الطائرات الإسرائيلية. وبرغم صعوبة الموقف، أخبر ناتان محدثه انه كان الطيار الذي قصف ترشيحا.

عقدت الدهشة لسان غسان خوري، لكنه كان يعرف دأب ناتان في العمل من أجل السلام وسمع عن المتاعب التي يتعرض لها في سبيل ذلك. فقال له إنه لا يكرهه، بل وتعانق الرجلان في آخر اللقاء.

هل كان ذلك العناق كافياً لإراحة ضمير الطيار الإسرائيلي وداعية السلام السابق؟

لا... إن الماضي لا يكف عن مطاردة القافزين فوقه. بعد ذلك بأربعين عاما اقترح التلفزيون الإسرائيلي على إيبي ناتان أن يقوم بزيارة بعض المواقع التي قصفها لكن برفقة الكاميرا هذه المرة. وعندما وصل الى ترشيحا أبلغوه فجأة أن سيدة من ضحايا القصف اسمها فاطمة هواري لا تزال على قيد الحياة فهل يريد مقابلتها؟

رفض ناتان الاقتراح في أول الأمر، ولعله اعتبره فخاً اعلامياً لتشويه صورته، لكنه أدرك أن باله لن يهدأ إذا لم يشاهد تلك المرأة. وهو قد وصف ذلك اللقاء الرهيب بقوله: "منذ أن دخلت بيتها شعرت بالاختناق، رغبت في طلب الغفران لكن الكلمات احتبست في حلقي. وعلى الرغم من انني كنت مأموراً يومها، لكنني لا أستطيع التهرب من مسؤولية المأساة التي تسببت بها لفاطمة وعائلتها.

خلفت الغارة التي قامت بها "الداكوتا" التي قادها ناتان على ترشيحا تهديم بيت أهلها ومقتل أحد عشر فرداً من عائلتها. أما فاطمة فقد اُصيبت إصابة بالغة في عمودها الفقري. كان مغميا عليها حين نقلتها سيارات جيش الإنقاذ الى مستشفى الاخوين كاظم وسعد الله الخليل في مدينة صور اللبنانية، وأجريت لها جراحة في الظهر، عادت بعدها الى قريتها، جسداً مهدماً مشلولاً يتحرك على كرسي عجلات.

يوم وافقت فاطمة هواري على لقاء ايبي ناتان، قالت: "كنت أريد أن اقطع حبل الكذب، فالإسرائيليون تحججوا عندما طلبت تعويضاً بصفتي ضحية الغارات الإسرائيلية، كانوا يصرون على أن طائرة عربية هي التي قصفت ترشيحا، أردت اظهار الحقيقة".

وهو لما دخل بيتها، بكى بصمت وهو يستمع اليها تتحدث بدون توقف عن عذابها وشبابها الذي قضته فوق الكرسي وعن القطط والكلاب التي أكلت بقايا جثث أهلها التي لم يكن من الممكن إخراجها من تحت الركام.

بعد اللقاء، قال ناتان إنه كاد يغمى عليه عندما سمع فاطمة هواري تقول إنها لا تعارض السلام الحقيقي، لكنها لا تجد ما يشير الى نوايا صادقة لتحقيقه. أما هي فقالت إن دموعه لم تعن لها شيئاَ، ولن تسامحه لأنها لن تعيد عالمها المسلوب.

تدور الأيام وتعالج ايبي ناتان على يد طبيب عربي هو الدكتور عزيز مزاريب في قسم الأعصاب بمستشفى "ايخيلوف" بعد إصابته بسكتة دماغية. عرض عليه الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الانتقال الى غزة لكنه فضل البقاء في إسرائيل حيث مات فيها.

طائرة إيبي ناتان للسلام
طائرة إيبي ناتان للسلام © ويكيبيديا

من هو؟

وُلد ايبي ناتان في مدينة "ابادان" الإيرانية لأبوين يهوديين، لكن الاسرة انتقلت الى مدينة مومباي بالهند وهو في عمر الثانية عشرة، هناك تعلم قيادة الطائرات وخدم في سلاح الجو.

في عام 1948، هاجر الى إسرائيل وتطوع لقيادة طائرة كانت مهمتها قصف القرى العربية في الداخل. وبعد انتهاء الحرب عمل مع شركة الخطوط الجوية الإسرائيلية " إل ـ عال" وقدم استقالته عام 1958، ليفتح مقهى أسماه "كاليفورنيا".

ثم قرر عام 1965 خوض غمار السياسة الإسرائيلية بعد أن تحول فجأة الى داعية سلام، يدعو الى السلام بين الدول العربية وإسرائيل، وتقدم على رأس قائمة حملت اسم "نيس" أي المعجزة لكنه فشل في اجتياز نسبة الحسم ونقصه حوالي الفي صوت فقط.

في عام 1966 طار الى مصر للقاء الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لقراءة بيان يدعو الى السلام رغم مطاردة الطيران الحربي الإسرائيلي له، واجتاز الحدود، لكنه اضطر للهبوط في مدينة بور سعيد نظراً لقلة الوقود. وصار مشهوراً يقابل أدباء وقادة العالم. 

هناك استقبله محافظ المدينة ممثلاً للرئيس المصري الراحل وعاد الى إسرائيل حيث كانت السلطات بانتظاره وتم القبض عليه بتهمة مغادرة الحدود دون إذن مسبق، لكن تم الافراج عنه بكفالة.

 في عام 1973، حصل ناتان على سفينة أطلق عليها اسم سفينة السلام التي رست قبالة شواطئ تل أبيب وبدأ يبث موسيقى ومواد تدعو للسلام، وخلال حرب تشرين الأول (أكتوبر) أبحر باتجاه بور سعيد وأطلق نداءات لوقف الحرب.

في عام 1991، أضرب ناتان عن الطعام لأكثر من 40 يوما احتجاجاً على منع السلطات الإسرائيلية اللقاءات التي تجري مع قادة منظمة التحرير الفلسطينية، وتمت محاكمته لأنه استمر في عقد اللقاءات مع الفلسطينيين وحُكم عليه بالسجن لمدة 15 شهراً.

وفي عام 1997 اُصيب داعية السلام بخلل عقلي إلى أن توفي في عام 2008 بعد 11 سنة من الصراع مع المرض. 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.