الحركة الإسلامية في إسرائيل: كيف نشأت وكيف تتعامل مع انتخابات الكنيست؟

القائمة العربية الموحدة في الانتخابات الإسرائيلية برئاسة عباس منصور (يسار)
القائمة العربية الموحدة في الانتخابات الإسرائيلية برئاسة عباس منصور (يسار) © أ ف ب

انسحبت الحركة الإسلامية التي تخوض انتخابات الكنيست بكتلة منفردة تحت اسم القائمة العربية الموحدة برئاسة الدكتور عباس منصور من القائمة العربية المشتركة التي تضم حالياً الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والتجمع الوطني الديمقراطي والحركة العربية للتغيير التي أعلنت الإبقاء على تحالفها بمركباتها الثلاث وحفاظهم على المشتركة.

إعلان

بدأ الشرخ في القائمة العربية المشتركة عندما تغيب أعضاء الحركة الإسلامية عن جلسة التصويت على مشروع قانون يقضي بتمديد المصادقة على الموازنة وبالتالي بقاء بنيامين نتنياهو رئيساً للحكومة في الوقت الذي صوت فيه بقية الأعضاء العرب على عدم التمديد وإسقاط نتنياهو وإجراء انتخابات جديدة وهو ما حصل فعلاً.

وكان عباس منصور قد صرح أيضاً انه على استعداد للتقارب مع نتنياهو إذا كان ذلك يصب في مصلحة العرب، مثل وقف العنف ووقف هدم البيوت، وزيادة ميزانيات البلديات العربية.

ويأخذ زعيم الحركة الإسلامية في الكنيست على أعضاء المشتركة أنهم صوتوا على قانون يمنع تعذيب المثليين، وقاموا بتأييد شركة الأرز ومقرها مدينة الناصرة التي تصنع الطحينة من السمسم الأصلي والتي دعمت منظمة "الاغودا" التي تمثل المثليين، وهو ما اعتبره عباس يتناقض مع الشريعة الإسلامية.

وتخوض الحركة الإسلامية ـ التيار الجنوبي- الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية منذ عام 1996، ومنذ ذلك الوقت وهي ممثلة في الكنيست.

 كيف نشأت الحركة الإسلامية في إسرائيل؟

عندما يتطرق الحديث عن الحركات الإسلامية في الداخل الفلسطيني، لا بد أن يتوقف المرء عند اسم يتكرر في كل مناسبة: الشيخ عبد الله نمر درويش. وهو ابن النكبة ولد عام 1948 في قرية كفر قاسم ، وشهد وهو طفل ابن ثماني سنوات، المجزرة التي ارتكبها الإسرائيليون في قريته عشية العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، كان في شبابه أحد نشطاء الحزب الشيوعي الإسرائيلي "راكح" في منطقته، واستقال من الحزب في عام 1966 بعد ان اكتشف، حسب قوله، أن رفاقه ملحدون لا يؤمنون بالله.

بعد حرب عام 1967 بعامين انتسب الشيخ درويش الى المعهد الإسلامي في نابلس، ومثله أبناء الخط الأخضر ممن تابعوا دراستهم في مؤسسات دينية فاعلة مثل كلية الشريعة في نابلس والجامعة الإسلامية في غزة والمعهد الديني في نابلس ايضاً كانوا يحفظون استمرارية البعد الديني في التفكير الفلسطيني العام. وهو الأمر الذي سمح في ما بعد، بحصول قفزة نوعية في الاتجاه الإسلامي، تمثلت في المشاركة الفاعلة في الانتفاضة، قبل أن تنبتها حركات إسلامية أكثر راديكالية مثل الجهاد الإسلامي وحزب الله في الداخل الفلسطيني.

وهذا ما حدث مع الشيخ درويش الذي تحول بعد تخرجه الى واعظ في المساجد يستوحي أفكار مواعظه في الغالب من فكر الاخوان المسلمين، ومن مفكرين مثل جمال الدين الافغاني ومحمد عبده والشيخ عمر التلمساني. وبدأ نشر كتيبات تحمل أفكاره ويوزعها على أهالي القرى العربية وراح يدعو في خطبه وأحاديثه الى العودة الى الإسلام باعتباره "عقيدة وشريعة ونظام حياة". وفي العام التالي أسس أول نواة لما كان يُعرف باسم " الحركة الإسلامية" في بلدة كفر قاسم.. وقبل حلول العام 1979، كانت الحركة الإسلامية الوليدة قد انتشرت في القرى المجاورة مثل جلجولية والطيبة والطيرة والى مناطق أبعد مثل أم الفحم والناصرة وقرى الجليل والنقب. إلا أن الفكرة العامة السائدة في كل فروع الحركة، حتى ذلك الوقت، كانت تقوم على "نشر الدعوة وحث الناس على التقوى". ولم تكن توجد بين هذه التجمعات أي بلورة عقائدية أو تنظيمية، تدل على حركة سياسية، ذات أطر وطروحات سياسية.

وطوال السبعينيات، واصل المد الإسلامي في إسرائيل تقدمه، وكان العام 1979 قمة التقدم في الأسلوب والعمل في آن. وكان صعود الخميني في إيران له مفعول السحر في دفع عجلة الحركة الإسلامية، بحيث بدأ بعض أعضاء الحركة من الراديكاليين بمزيد من التحرك، أي بالانتقال من مرحلة التثقيف الديني لنشر الدعوة، الى تشكيل تنظيم يقوم على الجهاد. وهكذا بادر فريد أبو مخ من بلدة باقة الغربية الى تنظيم "اسرة الجهاد" أواخر عام 1979، وهي منظمة سرية هدفها تحرير فلسطين بالجهاد المسلح، وشن حرب اقتصادية ضد المؤسسات الإسرائيلية وضد الممتلكات اليهودية.

لقد أحدث المد الديني في منطقة الشرق الأوسط، تغييراً عميقاً في تفكير الجماهير العربية داخل إسرائيل التي كانت قد تعاطفت مع الحركة الإسلامية. أي ان الأرضية كانت جاهزة من أجل تقبل أي طرح سياسي مستمد من الدين الإسلامي.

وفريد أبو مخ كان عاملا بسيطاً يتوجه الى تل بيب مثله مثل آلاف الفلسطينيين الذين ينتقلون يومياً من قراهم العربية الى المدن اليهودية للعمل فيها، لافتقار قراهم الى مصانع أو فرص عمل تستوعبهم جميعاً.

وفي تل أبيب، المدينة المنفلتة، انغمس أبو مخ في كل ما هو محظور ديناً، من خمر ونساء ومخدرات. لكن حياته اتخذت وجهة أخرى بعد لقائه بشيخ نصحه بالاتجاه الى الله لكي يحقق له دعاءه بإنجاب طفل ذكر بعد أن انجبت له زوجته العديد من البنات. ويقول أبو مخ إن المعجزة حدثت فعلاً، فوفى نذره بعد ولادة الابن المنتظر، وتحول الى الدين كلية.

ومما لا شك فيه  أن فريد أبو مخ قد تأثر بملكة الخطاب وقوة الإقناع لدى الشيخ عبد الله نمر درويش، لكنه ذهب أبعد من ذلك حين اختار أن يضع إيمانه الديني في قالب سياسي معتبراً أن فلسطين عربية إسلامية، وأن الجهاد هو الطريق الوحيد لإعادتها كذلك.

وفعلاً بدأ أبو مخ والمجموعة التي نظمها، ومعظمهم على شاكلته من الخطأة "التائبين"، القيام بأعمال ضد ممتلكات الدولة، فأضرموا النار في الغابات، خصوصاً في منطقة وادي عارة، واقتلعوا العديد من الأشجار واشتروا السلاح من الجنود الإسرائيليين حيث نفذوا أكثر من أربعين عملية. لكن سرعان ما نجحت السلطات الإسرائيلية في كشف جميع أعضاء التنظيم ومؤيديه بعد أشهر على تلك العمليات، وذلك بسبب خلافات بين فريد أبو مخ وأحد مساعديه.

واعتقل الإسرائيليون مئة شخص، على رأسهم قائد التنظيم فريد أبو مخ، وحكموا عليه بالسجن 15 عاماً. كما اعتقلوا الشيخ درويش ووجهوا اليه تهمة التستر على ذلك التنظيم السري بصفته الزعيم الروحي للحركة الإسلامية في إسرائيل بكل فروعها، وصدر عليه حكم بالسجن الفعلي ثلاث سنوات، ومثلها مع وقف التنفيذ.

وقع نبأ اعتقال عناصر الشبكة ومؤيديهم كالصاعقة على عرب الداخل، فتوقفت جميع النشاطات الدينية في جميع القرى العربية، حتى الملتحون غير المنتمين إلى "أسرة الجهاد" قاموا بحلق لحاهم وارتدوا ملابس عادية دفعاً للشبهات.

وكان لا بد للحركة الإسلامية من التعامل بذكاء لتطويق الحادثة. وهكذا سارع قادتها الى إدانة العمليات بانتظار خروج الشيخ نمر درويش من السجن، بل انهم قاموا بعملية مقايضة ذات مغزى، وأدلوا بتصريحات يُفهم منها استعدادهم لخوض انتخابات الكنيست وتخليهم عن مقاطعتهم التقليدية للحياة الرسمية في إسرائيل.

هنا حصل تطور ثان في نشاط الحركات الإسلامية في فلسطين. إذ إن المعتقلين الذين خرجوا من السجون الإسرائيلية، استفادوا من هذه التجربة المرة فشكلوا لهم خطاً سياسياً جديداً، فقد تم التخلي نهائياً عن التفكير في العمل المسلح، ودعت هذه الحركات الى العمل من خلال القانون الإسرائيلي، والى نشر الدعوة والحفاظ على الهوية الفلسطينية عبر تأسيس عشرات الجمعيات والروابط الإسلامية تقوم بتقديم المساعدات المالية للمواطنين وإقامة الحضانات للأطفال والعيادات والمكتبات والمساجد، ومخيمات صيفية ودوري لكرة القدم، وظهر أن الحركة الإسلامية الجديدة صارت مستعدة للحلول محل الإدارة المحلية والبلديات الإسرائيلية على أكثر من صعيد.

هذا العمل السياسي طويل الأمد أزعج السلطات الإسرائيلية الى اقصى الحدود، وقال نائب من الليكود إن الهدف النهائي للحركة الإسلامية هو زعزعة أسس الدولة من خلال استغلال الوسائل والأدوات الديمقراطية التي تضعها الدولة نفسها.

الحركة الإسلامية وانتخابات الكنيست

وجاءت انتخابات الكنيست عام 1992، وعلى الرغم من أن الحركة الإسلامية لم تخض الانتخابات إلا أنها أجازت التصويت للقوائم العربية، في المقابل خاضت الانتخابات البلدية وحققت انتصارات عديدة في القرى العربية.

كان لا بد من ترجمة المكاسب المحلية الى انتصار على مستوى البلاد. وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا عبر انتخابات الكنيست.

استغلت الحركة تقديم موعد انتخابات "الكنيست الرابع عشر" عام 1996 إثر مقتل اسحق رابين وقررت، بفارق صوتين اثنين فقط في التصويت الذي جرى في مجلس الشورى الإسلامي، خوض الانتخابات.

لكن الديمقراطية التي التزمت بها الحركة الإسلامية في اتخاذ قراراتها لم تفعل مفعولها تلك المرة، فكان أن انقسمت الى تيارين: الأول القسم الجنوبي وهو معتدل تزعمه الشيخ درويش ودعمه الشيخ عاطف خطيب، وهو تيار مؤيد لخوض الانتخابات. أما التيار الثاني، القسم الشمالي فتزعمه الشيخ رائد صلاح الذي كان يشغل منصب رئيس بلدية أم الفحم، وهو يرفض المشاركة في انتخابات الكنيست مدعوماً من الشيخ كمال الخطيب.

وسارعت الحكومة الإسرائيلية الى حظر نشاط القسم الشمالي واعتقال أعضائه، وصار الشيخ رائد صلاح ينتقل من سجن الى آخر كلما تم الإفراج عنه، بتهم مختلفة مثل الارتباط بمنظمات محظورة أو تلقي المساعدات من حماس والتحريض على الإرهاب، وهو يُعد من أشهر الشخصيات السياسية في مواجهة السياسات الإسرائيلية. وقد ركز الشيخ رائد على الاهتمام بالأماكن الإسلامية المقدسة من مقابر ومساجد، وقام بإعمار المسجد الأقصى، ومن يومها يُلقب بشيخ الأقصى، وهو أول من كشف عن الحفريات الإسرائيلية تحت المسجد الأقصى، كما شارك في أسطول الحرية لفك الحصار عن غزة، وحاز على جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم