الوزير السعودي أحمد زكي يماني: رمز بزوغ قوة النفط العربي في السبعينات

وزير البترول السعودي الأسبق أحمد زكي يماني في فيينا عام 1982
وزير البترول السعودي الأسبق أحمد زكي يماني في فيينا عام 1982 © أ ف ب

غيب الموت أحمد زكي يماني الذي أصبح رمزا يجسد بزوغ قوة النفط العربي ووجها يمثل الحظر النفطي العربي الذي دفع الغرب لتقديم تنازلات في العام 1973.

إعلان

كان يماني شاهدا عام 1975 على اغتيال العاهل السعودي الملك فيصل بن عبد العزيز الذي اختاره وهو شخصية مغمورة من خارج الأسرة الحاكمة ليشغل منصب وزير البترول. وفي وقت لاحق من العام نفسه تعرض يماني للخطف خلال اجتماع لمنظمة أوبك على يدي إيليتش راميريز سانشيز الملقب بكارلوس الثعلب. واليوم الثلاثاء قالت وسائل الإعلام الرسمية السعودية إن يماني توفي في لندن عن 91 عاما. اشتهر يماني بكياسته وباللحية الصغيرة التي أصبحت سمة من سماته. وجعلت منه السنوات الأربع والعشرين التي أدار خلالها شؤون النفط في أكبر دول العالم إنتاجا شخصية عالمية خلال "الصدمتين النفطيتين" بما تسببتا فيه من تضخم خلال عقد السبعينيات.

وانتهت تلك الحقبة بعزله المفاجيء في 1986 بعد محاولة باهظة الثمن لرفع أسعار النفط في استراتيجية لم يكتب لها النجاح ألقت بظلالها على السياسة النفطية السعودية حتى يومنا هذا. وفي ديسمبر كانون الأول 1975 حضر يماني اجتماع أوبك (منظمة البلدان المصدرة للبترول) الذي انتهى في فيينا بوابل من الرصاص أطلقه كارلوس الفنزويلي الجنسية وخمسة من أعوانه على السقف، بينهم اللبناني أنيس النقاش الذي توفي في دمشق الاثنين 22 شباط 2021. وسقط ثلاثة قتلى من الموجودين في المكان. كان كارلوس قد استهدف يماني في إطار مناصرة القضية الفلسطينية باعتباره أثمن رهينة، وقال له أكثر من مرة إن الحكم قد صدر بإعدامه. واحتجز الوزراء لمدة يومين في غرفة ملغمة بالديناميت قبل السماح للخاطفين بالسفر من النمسا على متن طائرة مع رهائنهم.

ومضت 43 ساعة أخرى مروعة على متن الطائرة التي توجهت إلى الجزائر ثم إلى ليبيا قبل أن تعود إلى الجزائر وخلق ذلك نوعا من الألفة بين المخطوفين والخاطفين. فقد قال يماني لجيفري روبنسون كاتب سيرته "كان أمرا غريبا لكن بدا الأمر، ونحن جالسون معا نتحاور، وكأننا قد أصبحنا أصدقاء. أفاض في الحديث معي علما منه أني سأموت". وتم التوصل إلى اتفاق في الجزائر واختفى كارلوس إلى أن تم القبض عليه في العام 1994. وقبل ذلك بشهور كان يماني إلى جوار الملك فيصل في الرياض في استقبال وفد زائر عندما أخرج أمير سعودي ساخط مسدسه وأطلق النار على الملك فأرداه قتيلا.

فرد من عامة الشعب بين الأمراء

كانت حياة يماني العملية في ذلك الوقت استثنائية باعتباره فردا من عامة الشعب في مجتمع تهيمن عليه العائلة الحاكمة. ولد يماني في 30 يونيو 1930 لأحد فقهاء الدين الإسلامي كان يعمل قاضيا في مكة وكان من المتوقع أن يقتدي الابن بوالده وجده في سلك التعليم. وبعد دراسة القانون في القاهرة سافر يماني إلى جامعتي نيويورك وهارفارد. وعندما عاد إلى السعودية أسس مكتبا للمحاماة وتولىأعمالا حكومية مما لفت انتباه الأمير فيصل له قبل أن يصبح ملكا. وتولى  يماني منصب وزير النفط في 1962.

وأصبح يماني شخصية قيادية في تطوير منظمة أوبك التي تأسست في العام 1960. واستطاع انتزاع صناعة النفط السعودية من قبضة الشركات الأمريكية في سلسلة من الخطوات التي أسفرت عن اتفاق على ملكية البلاد لشركة أرامكو السعودية في 1976. ولا تزال أرامكو واحدة من أغنى شركات العالم من حيث الأصول. وفي سنوات يماني الأولى في إدارة وزارة النفط كانت نعرة القومية العربية في صعود وكانت قوة النفط عنصرا رئيسيا في جوهرها. وعندما قامت الحرب العربية الإسرائيلية عام 1967 كانت الرياض مستعدة لاستعراض عضلاتها الاقتصادية. وأعلن يماني حظر إمدادات النفط للدول الصديقة لإسرائيل. لكن الحظر لم يكن مؤلما. فقد ساهم في سد العجز ضخامة المخزونات في الغرب وزيادة الإمدادات من فنزويلا ومن إيران قبل قيام الثورة الإسلامية.

وفي 1973 دفعت الحرب العربية الإسرائيلية الرابعة يماني إلى إعلان حظر نفطي آخر. وأفلح الحظر هذه المرة فارتفع سعر النفط لأربعة أمثاله لتتبلور بذلك سطوة منظمة أوبك ودفع ذلك الدول الغربية إلى ركود اقتصادي وارتفاع شديد في التضخم فيما أصبح يعرف باسم صدمة النفط الأولى.

سادة النفط

لخص يماني تلك اللحظة التي أمسك فيها منتجو النفط بالزمام. فقد قال "حانت اللحظة. نحن سادة سلعتنا". وبانتهاء الحرب والحظر توصلت السعودية إلى وفاق مع الولايات المتحدة. وأصبح يماني الآن من المعتدلين فيما يتعلق بالأسعار ونصيرا للرأي القائل إن الأسعار المرتفعة ستدمر الطلب في نهاية الأمر وتشجع الإنتاج من الاستكشافات الجديدة في مناطق مثل بحر الشمال. وعندما أطلقت الثورة الإيرانية عام 1979 شرارة صدمة النفط الثانية في الغرب رفع أغلب أعضاء أوبك أسعار النفط وأصدرت الرياض التي أصبحت تربطها الآن بواشنطن صلة وثيقة قرار يماني بالإبقاء على الأسعار السعودية عند الأسعار الرسمية للتخفيف من معاناة المستوردين.

وكان للاعتدال الجديد في الأسعار ثمنه الذي اضطر يماني لدفعه. فقد أفضت وفرة المعروض خلال الركود الذي أصاب الغرب في أوائل الثمانينيات إلى تراجع الطلب على الوقود. وطالب الملك فهد يماني بالعمل على حماية نصيب المملكة من سوق النفط ورفع الأسعار. وبدلا من ذلك خفض يماني الإنتاج السعودي إلى أدنى مستوياته في 20 عاما ليصل إلى مليوني برميل فقط في اليوم في محاولة لرفع الأسعار. ولم تكن الدول الأعضاء في أوبك على نفس الدرجة من الالتزام بالإنتاج وتعرض يماني لانتقادات في الداخل حين زادت دول أخرى حصصها في السوق على حساب الرياض. ومع تزايد وفرة المعروض انهارت أسعار النفط لأقل من عشرة دولارات للبرميل.

ودفع يماني الثمن بعد أن خالف أوامر الملك فهد وفشل في تحقيق المطلوب. وفي أكتوبر تشرين الأول 1986 علم بعزله من منصبه من خلال التلفزيون السعودي فيما بدا إنها خطوة لإحراجه. انسحب يماني إلى حياته الخاصة وأصبح رئيسا شرفيا لمؤسسة استشارية هي مركز دراسات الطاقة العالمي. وعند إطلاق المؤسسة في لندن في 1989 حين كان سعر النفط الخام لايزال 20 دولارا للبرميل تنبأ يماني بأن الأسعار ستتجاوز في يوم من الأيام 100 دولار للبرميل وهو ما حدث في الألفية الثالثة.

وأجرت رويترز مقابلة مع يماني في سبتمبر أيلول عام 2000 بمناسبة مرور 40 عاما على إنشاء أوبك. وكان النفط الصخري غير معروف في ذلك الوقت وكانت وسائل الطاقة المتجددة في مهدها. غير أن يماني توقع أن تضر التكنولوجيا بمنتجي النفط. قال "التكنولوجيا عدو حقيقي لأوبك. التكنولوجيا ستقلل الاستهلاك وتزيد الإنتاج من مناطق خارج أوبك. وستكون الضحية الحقيقية هي السعودية باحتياطيات هائلة لا يمكن أن تفعل شيئا بها". وأضاف "العصر الحجري لم ينته لأن الحجارة نفدت من العالم، والعصر النفطي سينتهي قبل فترة طويلة من نفاد النفط من العالم".

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم