تحت سعف النخيل... البابا في قرقوش التي لا تزال تلملم جراح الحرب

البابا فرنسيس أثناء تنصيب كرادلة جدد في الفاتيكان (رويترز 19-11-2016)

قبل سبع سنوات، هجّر منير جبرائيل من بلدته قرقوش هرباً من جهاديين بثياب سوداء دمروا مدينته وكنيسته، لكن هذا المسيحي من شمال العراق وقف اليوم في تلك الكنيسة نفسها، منتظراً رجلاً برداء أبيض، هو البابا فرنسيس.

إعلان

وأكد أستاذ الرياضيات البالغ من العمر 61 عاماً لفرانس برس أن "الوضع بات آمناً أكثر هنا. من الرائع أن نرى البابا. لم نتوقع قط أنه قد يأتي إلى قرقوش". وأضاف "ربما قد يساعد ذلك في إعادة بناء البلاد، وإحضار السلام والحب أخيراً. شكراً له".

على مداخل البلدة، وقف سكّان قرقوش على جوانب الطرق، حاملين سعف النخيل وأغصان الزيتون كتلك التي استقبل بها المسيح في أورشليم، ترحيباً بالزائر غير العادي، فيما رفع صليب عند مدخل البلدة. هم هؤلاء أنفسهم الذين اعتلوا شاحنات ومعهم فقط الثياب التي على أجسادهم هرباً من تنظيم الدولة الإسلامية في صيف العام 2014.

ملابس تقليدية 

حينها، وخلال بضعة أيام فقط، فرّ غالبية مسيحيي البلدة البالغ عددهم 55 ألفاً، ولجأ معظمهم إلى كردستان، وبينهم جبرائيل.

فرّ الرجل من قرقوش إلى أربيل لثلاث سنوات، ثمّ عاد إليها في العام 2016 بعد تحرير شمال العراق من التنظيم المتطرف، وتمكّن من إعادة بناء منزله في عام 2020.

رغم محاولة التنظيم إلغاء أي أثر للوجود المسيحي في البلدة الذي يعود تاريخها إلى قرون خلت، يبلغ اليوم عدد العائدين إليها 26 ألف مسيحي انتظر الآلاف منهم الأحد بفرح كبير البابا قرب كنيسة الطاهرة الكبرى وداخلها.

وعلى وقع الألحان السريانية وبالورود، دخل البابا كنيسة الطاهرة الكبرى. 

في الداخل، سمح فقط لحاملي دعوات خاصة بالتواجد. ومن بينهم نساء ورجال بملابسهم التقليدية، وأطفال حملوا الورود، احتفالاً بأحد استثنائي في بلدتهم.

على الرغم من أن عدداً من المشاركين لم يضعوا كمامات، تمّ اتباع بعض الإجراءات الصحية، مثل قياس درجة حرارة الداخلين إلى الكنيسة.

وعكست الفرحة الكبيرة حجم الألم الكبير الذي تعرض له أبناء قرقوش. إذ رأوا في زيارة البابا لهم وميض أمل في وقت لا تزال الذكريات الموجعة لأهوال الحرب حيّة في نفوسهم.

وهيمن الجهاديون على تفاصيل حياة قرقوش اليومية... فرضوا هنا عقوبات دامية، وإعدامات، وأنشأوا أسواق بيع رقيق وساحات جلد علني، وغيرها من الانتهاكات العنيفة والوحشية لحقوق الإنسان.

"لا تيأسوا" 

في كلمته الأحد إلى أبناء قرقوش التي يسميها أبناؤها أيضاً بغديدة والحمدانية، حاول البابا بلسمة هذه الجراح.

فقال "قد يكون طريق الشفاء الكامل ما زال طويلاً، لكنني أطلب منكم، من فضلكم، ألا تيأسوا".

وأضاف "يتطلّب الأمر القدرة على المغفرة، وفي الوقت نفسه، الشجاعة للكفاح"، في بلد لا تزال فيه التوترات الطائفية حاضرة. 

بالنسبة لأمل عزو البالغة 55 عاماً والتي تدير مدرسةً في قرقوش، فإنّ الحاجة لتلك "الشجاعة" التي دعا إليها البابا، ملحة.

وتأسف المرأة التي ارتدت الزي التقليدي المزخرف بدورها، ورغم سعادتها بزيارة البابا، لأن "الحكومة لم تساعدنا في إعادة بناء بيوتنا، بل المنظمات الدولية ساعدتنا".

ووجّه البابا في كلمته تحية خاصة الى النساء.

وقال "أودّ أن أشكر من كل قلبي كل الأمهات والنساء في هذا البلد، النساء الشجاعات اللواتي يواصلن إعطاء الحياة بالرغم من الانتهاكات التي يتعرضن لها والجراحات التي تصيبهن"، مضيفاً "فلتحترم النساء وليمنحن الحماية! ليحظين بالاهتمام ويمنحن الفرص".

ويسجل العراق واحداً من أدنى معدلات التوظيف للنساء في العالم، لكن مع ذلك، فإن منزلاً واحداً من كلّ عشرة تعيله امرأة في العراق حيث أودت الحروب بحياة آباء أو أزواج أو أبناء على مدى الأربعين سنة الماضية.

بالنسبة للأب أفرام عازار الدومينيكاني الذي كان موجوداً في كنيسة الطاهرة، فإن العراقيين يسمعون "رجلاً يقول أشياء حقيقية، بسيطة".

أما الكاردينال لويس ساكو، بطريرك الكنيسة الكلدانية الذي يحضر منذ وقت طويل لهذه الزيارة، فقال إن هذه اللحظة هي قبل كل شيء لحظة "احتفال بالعودة بعد التهجير".

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم