الغزل بين القاهرة وأنقرة ... كيف بدأ ولماذا الآن؟

حقل غاز لوثيان قبالة سواحل إسرائيل في البحر المتوسط
حقل غاز لوثيان قبالة سواحل إسرائيل في البحر المتوسط / رويترز

أثارت التعليمات التي أصدرتها السلطات التركية للقنوات الفضائية المصرية المعارضة التي تبث من إستانبول، بوقف البرامج السياسية والامتناع عن توجيه الانتقادات للنظام المصري وللرئيس عبد الفتاح السيسي، الكثير من الضجة في مصر، وقبل ذلك تبارى مقدمو البرامج الحوارية على القنوات الخاصة المصرية في إبداء شيئا من السخرية وإملاء الشروط، ردا على التصريحات التركية التي أدلى بها أردوغان ووزرائه بشأن المصالحة مع مصر وعودة العلاقات الطبيعية بين البلدين.

إعلان

المسؤولون المصريون امتنعوا عن التعليق في الحالتين، إلا أن القاهرة لم تنكر وجود اتصالات ومفاوضات على مستوى استخباراتي مع أنقرة، وسربت بعض المصادر أن هذه المفاوضات تتعلق بملفات الحدود البحرية والطاقة.

المؤكد هو أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يشعر بتزايد عزلته سواء على المستوى الأوروبي أو الشرق أوسطي، وحتى على المستوى الداخلي، رأى في وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض جرس إنذار خطير، يدفعه لتخفيف حدة التوتر الذي يحيط به في المنطقة وتصفية صراعات لم تعد تأت بنتيجة، سواء مع السعودية أو مع مصر، وبدأ، بالتالي، في توجيه رسائل ضمنية تشير إلى تحولات في سياساته الإقليمية، ولكن الأتراك لا يعتبرون، بالرغم من ذلك، أنهم أصحاب الرسالة الأولى المحددة، وإنما يعتبرون أن المناقصة المصرية للتنقيب عن الغاز في البحر المتوسط، كانت رسالة واضحة للتقارب من القاهرة، عندما احترمت الجرف التركي، وفق رؤية أنقرة لحدودها البحرية.

الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي لم يغفر لأردوغان احتضانه للإخوان المسلمين، كان قد قدم دعما سياسيا قويا لليونان في خلافها مع تركيا، وذهب حتى تحدي وإغضاب تركيا من خلال اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التي عقدتها القاهرة مع أثينا في أغسطس / آب 2020، وهي الاتفاقية التي تتناقض بصورة كبيرة مع الرؤية التركية لهذه الحدود، وعلق السيسي آمالا كبيرة على تحالف إقليمي مع دول شمال المتوسط، وخصوصا، اليونان وقبرص وإيطاليا.

ولكن اليونان وقعت في 1 مارس / آذار 2021 اتفاقا ثلاثيا للربط الكهربائي، مع إسرائيل وقبرص، لمد أطول وأعمق كابل كهرباء تحت الماء سيقطع قاع البحر المتوسط بتكلفة نحو 900 مليون دولار، ويربط الشبكات الكهربائية للدول الثلاث، وستبلغ قدرة الكابل ما بين ألف وألفي ميغاوات، وسيغطي المشروع 3 قطاعات من البحر المتوسط: نحو 310 كيلومترات بين إسرائيل وقبرص، ونحو 900 كيلومتر بين قبرص وجزيرة كريت، ونحو 310 كيلومترات إضافية بين جزيرة كريت والبر الرئيسي لليونان، ولم تدع مصر للمشاركة في هذا المشروع الكبير.

واتفاق الربط الكهربائي، قد يعيد إلى أذهان المسؤولين المصريين ذكريات ما قبل 3 أعوام، عندما اعتبر الرئيس المصري أن بلاده ستصبح مركزا إقليميا لصناعة الغاز، بين اتفاق عقدته شركات مصرية خاصة لاستيراد الغاز الإسرائيلي ومعالجته في محطات التسييل المصرية، ولكن البلدان الثلاثة التي ارتبطت كهربائيا، كانت قد وقعت اتفاقية كبيرة في بداية 2020، لإنشاء خط الأنابيب "ميد ايست" لنقل الغاز إلى أوروبا، مما يجعل الدور المصري قاصرا على عملية تسييل الغاز، ويقضي على فرص ما اعتبرته القاهرة هدفا استراتيجيا يمكن ان ينقذ الاقتصاد المصري.

ويبدو أن الرئيس المصري رأى في اتفاق الربط الكهربائي الأخير امتدادا لاتفاق خط أنابيب الغاز "ميد ايست"، مما يضع الكثير من علامات الاستفهام حول التحالف، الذي كان يعتبر أنه نجح في بنائه، مع اليونان وقبرص من خلال اتفاقية ترسيم الحدود البحرية في المتوسط.

ومن المؤكد ان الكثير من العوامل الأخرى، وعلى رأسها التغييرات في البيت الأبيض، تعيد رسم خريطة التحالفات والتوازنات الإقليمية، ولكن المؤكد أن المصالحة التركية المصرية المحتملة، ليست وليدة الصدف.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم