بنيامين نتانياهو: مارلين مونرو إسرائيل... يسحر الناس ولا يقول شيئاً

بنيامين نتانياهو حين كان سفيراً لإسرائيل في الأمم المتحدة عام 1987
بنيامين نتانياهو حين كان سفيراً لإسرائيل في الأمم المتحدة عام 1987 © أ ف ب

يعترف معارضو بنيامين نتانياهو على أن الرجل ترك بصمته في السياسة الإسرائيلية ليس لأنه محبوباً بل لأنه يلعب على التناقضات، فهو يتمتع بمهارات سياسية فريدة، ليصبح صاحب أطول فترة حكم في إسرائيل. فصول من حياته لا يعرفها الكثيرون.

إعلان

سطع نجم بنيامين نتانياهو(الذي اشتهر باسم الدلع بيبي) عندما اختير، وهو في الثالثة والثلاثين من العمر، ليمثل بلاده في الأمم المتحدة. وهو قد ترشح لهذا المنصب مستفيداً من سمعة عائلته "المحاربة" التي خدم جميع رجالها ونسائها في الجيش الإسرائيلي. لكن العالم، وحتى الكثيرون من الإسرائيليين، لم يكتشف نتانياهو إلا من خلال مؤتمر مدريد للسلام في نهاية تشرين الأول (أكتوبر) 1991. لقد اختارته إسرائيل متحدثاً رسمياً باسم وفدها، لسببين: الأول أنه لا يكل عن العمل ليل نهار، والثاني انه يجيد الإنكليزية اجادة تامة. مع هذا، فقد ظهرت في إسرائيل أصوات تنتقد اختيار "بيبي" لهذه المهمة. وقيل يومها انه مثل مارلين مونرو، يسحر الناس عندما يتحدث لكنه لا يقول شيئاً.

بعد انفضاض مؤتمر مدريد، اعترفت صحف تل أبيب أن الناطقة باسم الوفد الفلسطيني، حنان عشراوي، استطاعت التغلب على نتانياهو اعلامياً بالنقاط، وتعادلت معه في حب العمل واجادة الإنكليزية.

لم يعتبر "بيبي" الامر هزيمة شخصية له. فهو كان يتطلع إلى أبعد من ذلك. كان يريد ان يرث اسحق شامير، رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، أي أن يقفز إلى رأس حزب الليكود متخطياً منافسين من الوزن الثقيل، مثل ارييل شارون وديفيد ليفي وبيني بيغن ... ابن العتيد مناحيم.

يفرح "بيبي" عندما كان يقرأ في الصحف مقالات يقارنه كاتبوها بموشي دايان أو أبا إيبان. فهو قد أخذ عن الاثنين عادة إعادة الجملة التي يبدأ بها الكلام. مثل: " لن نوافق ... لن نوافق ابدا على..." فمقارنات من هذا النوع تسعده. لكن المقارنة التي تطريه فعلاًهي التي كانت تضعه مقابل شارون. شارون الملقب بـ " البلدوزر" (الجرافة) لضخامته، ونتانياهو استحق اللقب نفسه لقدرته الفائقة على العمل.

وعلى رغم الاختلاف بين شخصيتي الرجلين، إلا انهما يتشابهان في القدرة على كسب اعجاب رجل الشارع عندما يتحدثان. انهما يقدمان تفسيرات ايدولوجية لكل المشكلات لكنهما لا يصفان الحلول.

يتشابه الرجلان أيضاً في أن علاقتهما بأميركا هي علاقة حب وكراهية في آن. ويتشابهان في الطبع الوصولين فكلاهما كان يحفر دائماً تحت رئيسه المباشر لكي يزيحه ويأخذ مكانه.

ثم أن "بيبي" مثل "اريك" نجح في إقامة علاقات وطيدة مع اغنياء اليهود في انحاء العالم، وبسبب دراسته الهندسة المعمارية، فانه مولع بالخرائط مثل شارون، يحب يأخذ عصا يروح يؤشر بها على الخرائط المعلقة على الحائط. أليست العصا من أدوات القائد؟

في مؤتمر مدريد، كان يرافق نتانياهو باستمرار صديق يهودي من أصل إيراني يدعى مورد زمير، ينتمي إلى تلك المجموعة من الأثرياء المسماة "زمرة نتانياهو" والطريف انه يعترف بان درجة الصداقة التي تربطه بكل واحد من افراد الزمرة تتحدد حسب ما يملكونه من دولارات. غالبيتهم تقيم في الولايات المتحدة. لكن بينهم من يقيم في أوروبا وإسرائيل، وهم يتبرعون باستمرار لحزب الليكود.

هكذا نفهم أن "بيبي" لم يضيع وقته سدى في جلسات الأمم المتحدة عندما كان سفيراً لديها. لقد استغل وجوده في نيويورك للتعرف على "مفاتيح" المال والاعمال. وكان يخطط منذ ذلك الوقت للفوز برئاسة الليكود. وعندما خسر حزبه انتخابات الكنيست عام 1992، لصالح حزب العمل. وجد نتنياهو في هزيمة شامير فرصة لتحقيق طموحه مستغلاً الصراع بين شارون وديفيد ليفي وهذا ما حصل.

هذا العناد في الوصول الى الهدف تعلمه" بيبي" منذ الطفولة. لقد رباه ابوه بن تسيون نتانياهو على القتال والعمل الدؤوب. ويذكر رفاق "بيبي" في ثانوية "راحابيا"، أن والده كان يمنعه من الاتصال بهم طوال فترة الامتحانات النهائية فالدراسة امر مقدس ولا تهاون فيه. لذلك نشأ الولد جدياً. يتصرف وهو طفل تصرف البالغين. وقد تركت تلك التربية المتشددة أثرها فيه. اذ يشعر من يجالسه اليوم أنه متوتر باستمرار، ولا يصبر على نقاش حتى النهاية. مستعد لتغيير برنامجه اليومي في أي لحظة. لا يعرف العيش بدون صراع ويعتقد أن الصراع هو الذي يمنحه الفرصة السريعة لإثبات الوجود، إنه مولع بالتاريخ مثل والده يحفظ الأسماء والأماكن عن ظهر قلب.

هذه الصفات تدفع منافسي نتانياهو الى الحذر منه والبحث عن مواطن ضعفه حتى إذا خطر لهم شن هجوم مضاد عليه لم يجدوا أفضل من النبش في تلك الفترة الرمادية من حياته: عندما كسافر إلى الولايات المتحدة وهو في الثالثة والعشرين من العمر لدراسة الاعمال والهندسة المعمارية في جامعة " ام. أي. تي" في بوسطن.

هناك من يقول إن نتانياهو لم يلتحق بالجامعة بل بقي في مسكن والديه في فيلادلفيا، وان الدراسة كانت حجة لمغادرة إسرائيل. وبغض النظر عن هذه التقولات، فان من المؤكد ان في حياة نتانياهو ثلاث فترات "أميركية"، تبدأ الأولى من سن الخامسة عشر وحتى انضمامه إلى الجيش. والثانية منذ تسريحه من العسكرية وهو في الثالثة والعشرين حتى بلوغه حتى بلوغه التاسعة والعشرين. أما الفترة الأخيرة التي أمضاها في اميركا فهي من بلوغه الثالثة والثلاثين حتى اطلالته على الأربعين.

وهنا لا بد من إشارة سريعة إلى أن يؤنثان نتانياهو الشقيق الأكبر لبنيامين، كان قائداً في فترة من الفترات لتلك الوحدة الخاصة، وإلى حين مقتله في عام 1976 برصاصة قناص اوغندي في مطار "عنتيبي"، إثر قيام فدائيين تابعين للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين باختطاف طائرة وتدخل الكوماندوس الإسرائيلي لإفشال العملية.

اثناء خدمته العسكرية، برزت قدرة "بيبي" على العمل الدؤوب للمرة الاولى فكان يتطوع للقيام بكل الواجبات التي يتقاعس عن أدائها المجندون الاخرون. وقد أصيب في تلك الفترة برصاصة في يده انطلقت خطاً من سلاح زميل له، لكنه لم يدع اصابته تعطله عن الخدمة.

وخلال حرب الاستنزاف، تعرض نتانياهو لموت محتم عندما حاول أربعة من افراد وحدته عبور قناة السويس بقارب مطاطي وتنفيذ عملية سريعة ضد المصريين الذين ضايقوهم كثيراً. وقد نجحت الوحدة في تنفيذ العملية تحت جنح الظلام خلال الليلة الأولى للتسلل. لكن المصريين نصبوا لهم فخاً في الليلة الثانية وأمطروهم بوابل من الرصاص. فقتلوا أحد افراد الوحدة، بينما قفز "بيبي" إلى الماء وهو محمل بالمعدات العسكرية الثقيلة التي لم يعرف كيف يتخلص منها، وبدأ يغرق، لولا تدخل رفيقيه الباقيين لانقاذه وجره إلى الضفة الأخرى للقناة.

هل أصبح "بيبي" بطلاً؟

لا. هناك من يتهمه بأنه كان يتهرب من فترات خدمته وهو عقيد في الاحتياط. أما هو فيرد بالقول انه تطوع للخدمة مدة أطول من المطلوب. وأنه حال اندلاع حرب 1973، اشترى من جيبه تذكرة سفر من نيويورك وأخذ الطائرة المقلعة إلى إسرائيل ليلتحق بوحدته.

ويعلق أحد المجندين في الوحدة بالقول: " صحيح انني رايته ينزل من الطائرة... لكنني لا اذكر انني شاهدته في الوحدة بعد ذلك. وحتى في اجتياح لبنان اختفى نتانياهو من وحدته بعد ساعات من التحاقه بها. لم ترافق علامات الاستفهام مسيرة "بيبي" العسكرية فحسب، بل ارتسمت في حياته الخاصة لأيضاً.

فعلى الصعيد العائلي، تزوج ثلاث مرات. وقد هجرته زوجتاه الأوليان فتزوج من سارة بن ارتسي قبل تسلمه رئاسة الليكود عام 1993. ولم تفلح العروس التي تصغره بتسع سنوات في إقناعه بالاستقرار. إذ كشفت الصحافة الإسرائيلية أن "بيبي" على علاقة بامرأة أخرى. وأن أعداءه تمكنوا من تصوير شريط فيديو له مع صديقته في أوضاع حميمة. لكنه استطاع استباق الاحداث واعترف لزوجته بالحقيقة فسامحته.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم