هل تنجح مبادرة "بيلين - الحسيني" لاتحاد كونفدرالي بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟

مواجهات بين فلسطينيين ومستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية
مواجهات بين فلسطينيين ومستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية © أ ف ب

بعد ثلاثة عقود من اجتماع القادة الإسرائيليين والفلسطينيين في حديقة البيت الأبيض للتوقيع على اتفاقيات أوسلو، وإطلاق عملية السلام، صاغت شخصيات عامة إسرائيلية وفلسطينية مبادرة اتحاد كونفدرالي قائم على دولتين على أمل أن يقدم طريقا إلى الأمام بعد الجمود بالمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، وتضمن للفلسطينيين حلا واقعيا ينشدون التوصل إليه، حسب ما نقلت كل من صحيفة جوروزاليم بوست ووكالة أسوشيتد برس.

إعلان

ويقف وراء المبادرة أساتذة إسرائيليون وفلسطينيون واثنين من الجنرالات الإسرائيليين المتقاعدين، وأسماء شخصيات عامة ومفاوضون سابقون، أبرز هؤلاء من الجانب الإسرائيلي يوسي بيلين المسؤول الكبير السابق ومفاوض السلام، بينما تقف وراءها من الجانب الفلسطيني هبة الحسيني المستشارة القانونية السابقة لفريق التفاوض الفلسطيني.  

دولتان مستقلتان بتنسيق فوق العادة تحت سقف كونفيدرالية  

تدعو المبادرة إلى إقامة دولة فلسطين المستقلة في معظم أنحاء الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية، وهي الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب عام 1967، بينما سيكون لإسرائيل وفلسطين حكومتان منفصلتان، ولكنهما سوف تنسقان على مستوى عالٍ للغاية بشأن الأمن والبنية التحتية والقضايا الأخرى المؤثرة على كلا الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي. 

وسيتم منح المستوطنين الذين يعيشون في عمق الضفة الغربية خيار الانتقال إلى داخل إسرائيل، أو أن يصبحوا مقيمين دائمين في دولة فلسطين، وسيتم السماح لنفس العدد من الفلسطينيين اللاجئين المحتملين بعد حرب عام 1948 بالانتقال إلى إسرائيل كمواطنين فلسطينيين مع إقامة دائمة في إسرائيل، كما سيتم الإبقاء على 500 ألف مستوطن يهودي في الضفة الغربية المحتلة، مع ضم المستوطنات القريبة من حدود إسرائيل، على أن تعطي إسرائيل أراضي جديدة بنفس المساحة للدولة الفلسطينية الوليدة.

لماذا تبادر "المقدسية" هبة الحسيني؟ 

الشخصية الفلسطينية الرئيسية وراء هذه المبادرة هبة الحسيني، والتي تنحدر من عائلة مقدسية بارزة تقر بأن الاقتراح المتعلق بالمستوطنين "مثير للجدل للغاية" لكنها ترى في نفس الوقت أن هذه الخطة بإمكانها تلبية تطلعات الفلسطينيين الأساسية في إقامة دولة خاصة بهم.

وتتابع: "إنه لا بد للفلسطينيين من تقديم تنازلات لتحقيق إقامة الدولة وتحقيق الحق المنشود في تقرير المصير الذي نعمل عليه - منذ عام 1948، حقًا - علينا تقديم بعض التنازلات".

المستوطنون الذين يعيشون في عمق الضفة الغربية - والذين من المحتمل أن ينتهي بهم الأمر داخل حدود دولة فلسطينية مستقبلية - هم من بين المستوطنين الأكثر تطرفاً ويميلون إلى معارضة أي تقسيم للأراضي "الإسرائيلية"، وبهذا الصدد يقول بيلين: "نعتقد أنه إذا لم يكن هناك تهديد بالمواجهات مع المستوطنين فسيكون ذلك أسهل بكثير لأولئك الذين يريدون حل الدولتين، والاتحاد الكونفدرالي سيجعلها أكثر جدوى.

المبادرة نسخة "مطورة" من اتفاقية جنيف عام 2003    

فشلت عدة جولات من المحادثات بين الفلسطينيين والإسرائيليين على مر السنين، بل إن بعض المحادثات تخللتها أعمال عنف، ولطالما حالت دون التوصل إلى اتفاق نهائي، بينما لم تكن هناك مفاوضات جادة أو موضوعية منذ أكثر من عقد.

لا ينكر القائمون على الخطة أنها عبارة عن نسخة مطورة من اتفاقية جنيف للسلام التي وضعها إسرائيليون وفلسطينيون عام 2003، والتي تقع في مئة صفحة، وتتضمن عدة مقترحات مثيرة للجدل. 

وقد تكون القضايا الشائكة مثل المطالبات المتضاربة بالقدس والحدود النهائية ومصير اللاجئين الفلسطينيين أسهل في معالجتها من قبل دولتين في سياق كونفدرالية، بدلاً من النهج التقليدي لمحاولة العمل على جميع التفاصيل قبل التوصل إلى اتفاق نهائي.

يرى يوسي بيلين وهو من شارك بتأسيس مبادرة جنيف، إنه من خلال إلغاء الإجلاء الجماعي للمستوطنين، يمكن أن تكون الخطة أكثر ملاءمة لهم، فهم يهيمنون على النظام السياسي في إسرائيل، ذلك الذي يرى في الضفة الغربية جزء لا يتجزأ من إسرائيل، بينما ينظر الفلسطينيون إلى المستوطنات على أنها العقبة الرئيسية أمام السلام، ويعتبرها معظم المجتمع الدولي غير شرعي.

المبادرة قد تتسبب بحملات تخوين ورفض في الجانب الفلسطيني

يقول مراقبون إن هذه الخطة قد لا تجد قبولا لدى المسؤولين في الجهتين في الظرف الحالي، وعلى الجانب الفلسطيني قد تواجه المبادرة الجديدة هجمات تخوين واتهامات في ظل عدم استعداد طرفيْ السلطة المقسمة لخسارة مواقعهما ومصالحهما، فالرئيس عباس يتخوف من أن تقود المبادرة الجديدة إلى تنحيته عن الواجهة والبحث عن شخصية مقبولة من الجهتين، ولدى الرئيس الفلسطيني عقدة تجاه كل تغيير أو ترتيبات جديدة خاصة بعد أن انتهت ولايته الرئاسية منذ 2009 وتراجعت شعبيته بشدة بما في ذلك داخل حركة فتح التي يقودها.

في مقابل ذلك تواجه حركة حماس الإسلامية أي مبادرات سلام جديدة بزعم أنها تفريط بالأرض، لكن مراقبين فلسطينيين يقولون إن الحركة تتخوف من خسارة نفوذها في قطاع غزة، حيث بنت نواة لدولة حزبية دينية وجيش خاص من الصعب أن تتولى تسريحه أو القبول بوضع سلاحه تحت الرقابة.

المعادلة السابقة تتغير من وجهة نظر الفلسطينيين -وخاصة الشباب- الذين يريدون البحث عن وضع مستقر للعيش كبقية الدول بعد أن خبروا مختلف الشعارات والوعود والتحالفات، ووجدوا أن الحل لا بد أن يتحرر من الماضي ويعالج أزمات الحاضر.

فاستمرار الصراع والتعقيدات الحالية قد يساهمان في تعبيد الطريق أمامها خاصة أن الفلسطينيين ملوا من استمرار الصراع الداخلي بين السلطة وحماس، ما أعاق وجود جبهة فلسطينية قوية قادرة على تقديم خيارات مقبولة للسلام تحرج إسرائيل.

لا بد من "مصالحة" و"إصلاح" فلسطينيين ثم انتظار "يائير"!

ورغم أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي، نفتالي بينيت، وهو مستوطن سابق يعارض إقامة الدولة الفلسطينية، لكن وزير الخارجية يائير لابيد، الذي من المقرر أن يتولى منصب رئيس الوزراء في عام 2023 بموجب اتفاق التناوب، يدعم حل الدولتين في نهاية المطاف.

وبهذا الإطار يرى الباحث الإسرائيلي في قضايا الأمن والشرق الأوسط يوني بن مناحيم أن على السلطة الفلسطينية أن تقوم بإصلاحات جذرية ريثما تذهب الحكومة اليمينية الحالية بقيادة بينيت التي لا تملك نية للدخول في مفاوضات سلام، ثم لا بد من مجيء حكومة إسرائيلية تتحلى بالجرأة، لتقدم على خطوة تساعد في رؤية هذه المبادرة للنور.

وتتغير الأرضية بشكل مستمر لا سيما بين الشباب الفلسطينيين، الذين ينظرون بشكل متزايد إلى الصراع على أنه نضال من أجل حقوق متساوية في ظل ما يسمونه نظام فصل عنصري، وتؤيدهم بهذه التسمية مؤسسات حقوقية كهيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية.

وترفض إسرائيل بشدة هذه المزاعم، معتبرة إياها هجوماً معادياً للسامية على حقها في الوجود، لكن بالحديث عن يائير لابيد فقد اعتبر هذا الأخير أن إحياء العملية السياسية مع الفلسطينيين سيساعد إسرائيل على مقاومة أي جهود لوصمها بأنها دولة فصل عنصري.

وفي مقابل ذلك ترى شخصيات إسرائيلية أن الفرصة مواتية للبحث عن سلام مقبول بعد مغادرة رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو. 

المبادرة عرضت على الجانبين وستعرض على غوتيرش والإدارة الأمريكية

رغم أن كل من وزارتي الخارجية الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية امتنعتا عن التعليق حول هذا المبادرة، وقالت وزارة الخارجية الفلسطينية لمونتي كارلو الدولية إنها لا تعلق على مبادرات شخصية، إلا أن القائمين على الخطة يهمون بعرضها -هذا الأسبوع- على الأمين العام للأم المتحدة والإدارة الأمريكية، ويعتقدون أنها ستساعد في استعادة النقاش حول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

وفي الأسبوع المقبل سيقدم بيلين والحسيني مبادرتهما إلى نائبة وزير الخارجية الأميركي ويندي شيرمان ويقول بيلين إنهم بالفعل شاركوا المسؤولين الإسرائيليين والفلسطينيين المسوّدات المتعلقة بهذا الشأن.

وذكر بيلين أنه أرسل المبادرة إلى أشخاص يعلم أنهم لن يرفضوها بشكل قاطع، ولم يرفضها أحد، ولكن هذا لا يعني أنهم سيقبلونها، وأضاف مازحا “لم أرسلها إلى حماس… لا أعرف عنوانها.

وكانت فكرة حل الدولتين هي إعطاء الفلسطينيين دولة مستقلة، مع السماح لإسرائيل بالوجود كديمقراطية ذات أغلبية يهودية قوية، لكن التوسع الإسرائيلي المستمر في المستوطنات، وغياب أي عملية سلام، وجولات العنف المتكررة، أعاقت إلى حد كبير الآمال في تقسيم الأرض.

ولا يزال المجتمع الدولي ينظر إلى حل الدولتين باعتباره الطريقة الواقعية الوحيدة لحل النزاع.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

ابق على اطلاع دائم بالأخبار الدولية أينما كنت. حمل تطبيق مونت كارلو الدولية