مقتدى الصدر: من خارج عن القانون مطلوب حياً أو ميتاً إلى السياسي العراقي الأبرز

مقتدى الصدر في الكوفة عام 2003
مقتدى الصدر في الكوفة عام 2003 © أ ف ب

تحول رجل الدين الشيعي العراقي مقتدى الصدر من رجل خارج عن القانون، مطلوب حيا أو ميتا خلال الاحتلال الأمريكي، إلى صاحب نفوذ في المعترك السياسي قبل أن يتحول إلى أقوى شخصية في البلاد.

إعلان

لكن حتى مع نفوذه الهائل، لم يتمكن الصدر من إنهاء جمود طال أمده بشأن تشكيل الحكومة، ومن ثم استقال نواب كتلته الصدرية في البرلمان يوم الأحد بعد أن طلب منهم تقديم استقالاتهم. وقال الصدر، وهو شعبوي يبدي معارضة قوية لنفوذ كل من إيران والولايات المتحدة، إنه أقدم على هذه الخطوة "تضحية مني للبلاد والشعب لتخليصهم من المصير المجهول".

وعلى الرغم من الانسحاب، لا يزال الصدر يتمتع بنفوذ هائل في ظل وجود مئات الآلاف من أنصاره الذين يمكنهم تنظيم احتجاجات. ومن شأن تحركه أن يُزيد بشدة من المخاطر في الصراع على السلطة داخل الأغلبية الشيعية في العراق. لم يكن الصدر معروفا فعليا خارج العراق قبل الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003، لكن سرعان ما أصبح رمزا لمقاومة الاحتلال، مستمدا الكثير من نفوذه من عائلته.

والصدر هو نجل آية الله محمد صادق الصدر الذي اغتيل عام 1999 بعد انتقاده الصريح لصدام حسين رئيس العراق آنذاك. كما اغتيل أيضا ابن عم والده محمد باقر عام 1980. قالت راندا سليم الباحثة في معهد الشرق الأوسط "إرث عائلته الذي بدونه لا أعتقد أنه كان يمكن أن يكون حيث هو اليوم". وعلى الرغم من المخاطر، لم يفر الصدر قط من العراق على عكس شخصيات بارزة أخرى في حكومات ما بعد سقوط صدام كانت قد عادت من إيران ومن الغرب بعد الغزو.

التهكم من صدام بترديد اسم الصدر

أظهرت لقطات مسربة أن شهودا حضروا إعدام صدام عام 2006 بعد إدانته بقتل 148 شخصا في بلدة تقطنها أغلبية شيعية قبل 25 عاما سخروا منه بترديد اسم مقتدى الصدر لدى اقتياده إلى حبل المشنقة. كان الصدر أول من شكّل فصيل شيعي لمقاومة القوات الأمريكية. وقاد انتفاضتين على الولايات المتحدة مما دفع وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) إلى اعتبار جيشه، جيش المهدي، أكبر تهديد لأمن العراق.

وفي عام 2004، أصدرت سلطة الاحتلال الأمريكية مذكرة توقيف بحق الصدر وقالت إنه مطلوب حيا أو ميتا فيما يتعلق بقتل الزعيم الشيعي عبد المجيد الخوئي عام 2003 الذي عاد إلى العراق إبان الغزو الأمريكي وأقام في مدينة النجف المقدسة لدى الشيعة. ونفى الصدر أي دور له في مقتل الخوئي ولم توجه له تهمة قط. وصمد الصدر خلال 19 عاما من الاضطرابات منذ أن هاجم جيش المهدي القوات الأمريكية بالبنادق والقذائف الصاروخية في أزقة وشوارع بغداد والمدن الجنوبية.

كما حارب أتباعه الجيش العراقي ومقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية والفصائل الشيعية المتناحرة. وخلال الحرب الأهلية الطائفية في العراق بين عامي 2006 و2008، اتُهم جيش المهدي بتشكيل فرق اغتيال لخطف وقتل شخصيات سنية. ونفى الصدر استخدام العنف مع أبناء وطنه من العراقيين. وفي عام 2008 أمر رئيس الوزراء نوري المالكي، وهو شيعي منافس للصدر، بشن هجوم كبير سحق جيش المهدي في مدينة البصرة الجنوبية. في وقت لاحق من ذلك العام، أمر الصدر بوقف العمليات المسلحة وأعلن أن جيشه جيش المهدي سيتحول إلى منظمة ثقافية واجتماعية أطلق عليها اسم (سرايا السلام).

الصدر يعيد تقديم نفسه

قرر الصدر لاحقا التنافس في السياسة شديدة التعقيد في العراق، وبمرور الوقت اكتسب مزيدا من الشعبية بعدما تعهد بالقضاء على الفساد المستشري في الدولة. وبعمامته المميزة، بات بمقدور الصدر الذي أعلن نفسه نصيرا للفقراء والمحرومين أن يحشد مئات الآلاف من الأنصار في الشوارع متى شاء.وفي عام 2016، اقتحم أنصار الصدر البرلمان داخل المنطقة الخضراء الحصينة في بغداد بعد أن ندد بالفشل في إصلاح نظام المحاصصة السياسية الذي يُلقى باللوم عليه في الفساد المستشري نظرا لاستغلال القادة السياسيين له من أجل تعيين أنصارهم في وظائف رئيسية.

وأنذر الصدر بأنه إذا استمر المسؤولون الفاسدون واستمر نظام المحاصصة، فسيتم إسقاط الحكومة بأكملها ولن يُستثنى أحد. وأمر أنصاره بإنهاء اعتصامهم عند بوابات المنطقة الخضراء بعد أن قدم رئيس الوزراء حيدر العبادي تشكيلة وزارية جديدة تهدف إلى محاربة الفساد. أعاد الصدر تقديم نفسه قبل الانتخابات البرلمانية في 2018، وشكّل تحالفا مع الشيوعيين والعلمانيين.

وبعد تهميشه لسنوات من قبل منافسين شيعة مدعومين من إيران، خرج منتصرا في عودة قوية سيطر خلالها على وزارات ووظائف حكومية. كان الصدر قد استغل استياء الرأي العام من حليفته السابقة إيران والنخبة السياسية التي يقول العراقيون إنها تحظى بدعم طهران. وكان الصدر هو الزعيم الشيعي الوحيد الذي تحدى كلا من طهران وواشنطن، وهي معادلة بدا أنها جعلته يتمتع بشعبية لدى الملايين الذين شعروا أنهم لم يستفيدوا من علاقات حكومتهم الوثيقة بإيران أو الولايات المتحدة.

ودعا الصدر إلى رحيل القوات الأمريكية المتبقية البالغ قوامها 2500، وأبلغ طهران أنه لن يترك العراق في قبضتها. كان العراق ساحة معركة بالوكالة على النفوذ بين الولايات المتحدة وإيران منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة وأطاح بصدام ومهد الطريق إلى السلطة أمام الأغلبية الشيعية التي تقودها شخصيات تتودد إليها طهران منذ عقود.

ولا تزال معظم المؤسسات السياسية الشيعية في العراق متشككة أو حتى معادية للصدر. ومع ذلك، هيمن تنظيم الصدر السياسي، وهو التيار الصدري، على أجهزة الدولة العراقية منذ انتخابات 2018، إذ شغل مناصب عليا في وزارات الداخلية والدفاع والاتصالات. واكتسحت الحركة المسلحة السابقة الانتخابات البرلمانية في عام 2021، وحلت في المركز الأول وزاد عدد المقاعد التي يهيمن عليها الصدر في البرلمان المؤلف من 329 مقعدا إلى 73 مقعدا من 54. ووجه هذا الانتصار ضربة قاصمة للجماعات الشيعية الموالية لإيران التي انهار تمثيلها البرلماني.

وأعلن الصدر النتيجة قائلا إنها "انتصار الشعب على... الميليشيات". وعمّت البهجة بين أنصاره. قال قائد واحد على الأقل من قادة الفصائل الموالية لإيران إن الجماعات المسلحة مستعدة لاستخدام العنف إذا لزم الأمر لضمان عدم فقدان نفوذها بعد انتخابات يرونها مزورة. وقال السياسي حسين العقابي إن سياسة الصدر المتمثلة في عدم الاعتماد على الولايات المتحدة أو إيران آتت ثمارها، على عكس الأحزاب المعتمدة على القوى الإقليمية والتي "انتهى بها الأمر في الظل تقريبا".

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم