مسلّة الأقصر: معلم باريسي وتحفة أثرية أهداها محمد علي باشا إلى فرنسا

مسلة الأقصر تنتصب في ساحة الكونكورد بالعاصمة الفرنسية
مسلة الأقصر تنتصب في ساحة الكونكورد بالعاصمة الفرنسية © فليكر (Andrew and Annemarie)

تنتصب مسلة الأقصر الشهيرة في ساحة الكونكورد في وسط العاصمة الفرنسية منذ القرن التاسع عشر حين قُدمت كهدية من والي مصر محمد علي باشا إلى فرنسا. تشهد التحفة الأثرية على فترة هامة شهدت فيها الحياة الثقافية والعلمية الفرنسية ما يمكن أن يطلق عليه اسم "عشق مصر".

إعلان

يشرح الكاتب والصحفي والمؤرخ الفرنسي من أصل مصري روبير سولي في مقابلة نشرت في 22 حزيران/يونيو خصائص المسلّة وشروط نقلها من مصر ثم نصبها في باريس والظروف السياسية والدبلوماسية الداخلية والخارجية التي رافقت إهدائها إلى فرنسا.

ولد سولي في القاهرة عام 1946، لأسرة سورية، ودرس في المدرسة الفرنكوفونية قبل أن ينتقل إلى فرنسا عام 1964 ويكمل دراسته في الصحافة. عمل لمدة أربعين عاماً في صحيفة لوموند وألف سبع روايات بالإضافة إلى العديد من المقالات التاريخية حول مصر وفرنسا.

شيدت المسلة المصنوعة من قطعة واحدة ضخمة من الغرانيت، بحسب سولي، في عهد رمسيس الثاني بين 1279 و1213 قبل الميلاد ووضعت عند مدخل معبد الأقصر المكرس للإله آمون في قلب مدينة طيبة القديمة في مصر السفلى. ويعزى شكلها وطولها وارتفاعها الكبير إلى كونها وسيلة بالنسبة للمصريين القدماء للتقريب بين الأرض والسماء.

وتمجد النصوص الهيروغليفية المنقوشة على المسلة رمسيس حيث يرتسم الفرعون جالساً على ركبتيه يقدم النبيذ للإله الجالس آمون، وهي تؤكد كذلك على أن الملك قام بتجهيز مسكن آمون وأن حكام الدول الأجنبية تحت قدميه وأن جميع شعوب الأرض تخضع له.

يقول سولي إن هذه النصوص لا تحتوي على معلومات تاريخية عن المعارك التي خاضها رمسيس الثاني، بل على مديح عام بدون تفاصيل يترجم فكرة أساسية: الفرعون، الإنسان والإله، يواصل عمله ويحافظ على النظام الكوني للعالم.

في بداية القرن التاسع عشر، كان حاكم مصر محمد علي باشا يولي أهمية استثنائية لعلاقاته مع القوتين العظميين آنذاك فرنسا وإنكلترا، فقام بإهداء كل منهما مسلة فرعونية، خاصة بعد أن طلبها شامبليون لمتابعة دراسته وأبحاثه حول اللغة الهيروغليفية. لم يكن لدى محمد علي اهتمام كبير أو خاص بالآثار القديمة باستثناء كونها أداة دبلوماسية فوافق.

في صباح 25 تشرين الأول/أكتوبر 1836، تدفق حوالي 200 ألف باريسي إلى ساحة الكونكورد لحضور الحفل الذي قرره الملك لوي فيليب وكان يرجو من ورائه غسل الدماء التي تدفقت في المكان خلال الثورة الفرنسية ولمصالحة الملكيين والجمهوريين.

ويقول سولي إن فيليب لم يظهر على شرفة وزارة البحرية المطلة على الساحة وملاقاة المحتشدين حتى ظهر ذلك اليوم حين تأكد من أن المسلة قد رفعت في مكانها بنجاح لأنه كان خائفاً من أن تتحطم وينسب إليه الفشل.

ولكن العلاقة المميزة بين العلماء الفرنسيين ومصر بدأت قبل ذلك، وحتى قبل ولادة علم المصريات كتخصص علمي، حين درس المهندسون الذين رافقوا نابليون بونابرت في مصر بذهول مسلتي الأقصر وحاولوا أن يفهموا كيف استطاع المصريون القدماء بناء هذه الأحجار الهائلة.

تعتبر مسلة الكونكورد أقدم نصب تذكاري في باريس ويشهد على الشغف الفرنسي التاريخي بمصر. حتى أن المسلة أصبحت اليوم لا تنفصل عن العاصمة الفرنسية وتعتبر واحدة من معالمها البارزة التي لابد للسياح أن يزوروها.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم