الإكستازي.. تحقيق على خطى الـ"موركو مافيا" من هولندا إلى المغرب

مافيا
مافيا © القبض على المافيا

كما اعتاد كل يوم، أخذ كمال مكانه وسط حي سكني قيد البناء بمدينة الدروة المتاخمة للدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للمغرب، محملا بكيس بلاستيكي يحوي حبيبات ملونة مرسوم عليها رموز مختلفة، وكأنها علك أو حلويات أطفال، وجد في انتظاره حوالي سبعة أشخاص ينتظرون كلهم شبان، "هؤلاء من الزبائن المخلصين" يقول ياسين أو "القبطان" كما يلقبه محيطه ومقربوه، قبل أن يشرع في بيعهم "حبة السعادة"، هكذا أريد لهم أن يعرفوها تلطيفا لشناعة تأثيرها وضمانا لإقبال أكثر. 

إعلان

الحقيقة أن ما يصطف شباب يافع من أجل اقتنائه، هو مخدر يسر الناظرين، لكنه يلبسهم ثوب معاناة طويلة ولو بعد حين! واعتبارا لكونه من أحدث المخدرات ظهورا في المغرب، فبالكاد يتعرف المرء على "الاكستازي" عبر اسمه العلمي "الميثيلين ديوكسي ميتامفيتامين" ‏Ethylene Dioxin Math Amphetamine

لأنه عادة ما يطلق عليه "حبوب النشوة" أو "حبة الفرح" في حين يعرف داخل أوساط الأثرياء باسم "ايفوريا هايبر"، وتنقسم طرائق تعاطيه إلى ثلاث؛ إما أن يكون على شكل أقراص فيبلع أو مسحوق فيستنشق أو كبسولة تحقن، لكن الغالب المنتشر في أوساط المغاربة كما يؤكد ذلك "القبطان" هي الحبوب ليسر تهريبها وإدخالها إلى المغرب ولتحصيل ربح أكبر.

اليوم، بات "الإكستازي" ينافس الحشيش على رأس قائمة أكثر المخدرات استهلاكا في المغرب.

نشوة مكلفة

 "الكبسولات تباع للأثرياء في العلب الليلية بثمن مضاعف" يقول جمال البالغ من العمر 23 سنة؛ قبل أن يضيف " أذكر جيدا أو مرة استعملت فيها المخدر؛ كانت خلال حفلة صاخبة رفقة أصدقائي بالحي الجامعي بالدار البيضاء حيث أمضيت سنتين اثنتين طالبا بكلية الاداب والعلوم الانسانية عين الشق، لم أنم مدة 24 ساعة وشرعت في تقليد أصوات الحيوانات والتفوه بكلام غريب، أحسست بالفزع، وكذلك من كان معي من الأصدقاء.

جمال بات الآن مدمنا على "الإكستا" كما يقول، بل يؤكد أن مجرد التفكير في الإقلاع عنه يشعره بالخوف. يقربنا أكثر من أعراضه وتأثيره فيضيف "بعد مرور أقل من عشر دقائق على تناولي القرص تجحظ عيناي وتزدادان بياضا فتتسع حدقتهما، ثم أحس برعشة قوية، لذا أحرص عند تناوله على ارتداء ملابس دافئة لمحاصرة مفعوله داخل جسدي، إلى جانب ذلك، وجب الاستماع بالضرورة إلى الموسيقى فذلك يعطي حافزا لقوة تأثير المخدر، لابد أيضا من مضغ العلك باستمرار حتى أتجنب رعشة وتحجر الفم، وفوق ذلك كله يتحتم علي شرب حوالي لتر واحد من الماء، فبدونه قد يقضى علي في أي لحظة لأن الإكستازي يتسبب في جفاف مهول لأعضاء الجسم، كما أحرص على تحريك أطراف جسمي" مفسرا ذلك بانعدام قدرته على استشعارها فضلا عن معاناته من العجز الجنسي.

ما ذكره جمال، أكده عبد الحق؛ شاب ثلاثيني دأب على الاتجار في المخدر منذ سنتين، وزاد عليه " أشعر بالحب تجاه جميع الناس بمن فيهم من كنت عدوا له بالأمس، بل حتى الجماد يستأثر بكفل من هذا الاحساس المؤقت" يسترسل مبتسما؛ "على الأقل عندما أتناول المخدر أنفق بسخاء غير معهود وأمسي عند حسن ظني والدي بعد أن قضيت الصباح عاقا"!

تم تصنيع المخدر لأول مرة سنة 1912 من قبل مختبرات "ميرك" الألمانية لغرض عسكري لأنه كان يجب العثور على عقار أقوى من الأمفيتامينات للحصول على ترخيص تسويقي. ‫محمد لحبابي، رئيس كونفدرالية نقابات صيادلة المغرب يوضح لـ"مونت كارلو" أن عقار الإكستاسي  ليس مشتقًا من مادة طبيعية بل هو منتج صناعي عادة ما تضاف إليه منتجات أخرى مثل "L.S.D" والكافيين والكيتامين والإيفيدرين، ومن أبرز تأثيراته تدمير الخلايا العصبية كما بينت ذلك  تجارب أجريت على القردة وذلك عند استخدامه بجرعات عالية و متكررة. علما أن الجهاز العصبي غير قادر على التجدد لدى البالغين‫، مضيفا أنه يعمل  من خلال منع ناقلات الدوبامين والسيروتونين باعتباره مسؤولا عن إعادة امتصاص هذه الناقلات العصبية، مشيرا إلى أن هذا الأمر يؤدي إلى زيادة فورية وهامة وعابرة من الدوبامين والسيروتونين في الشقوق المتشابكة من المشابك العصبية المقابلة وفرط النشاط اللاحق لمستقبلات الدوبامين والسيروتونين في الجهاز العصبي المركزي والمحيطي. ونتيجة لذلك كله يقول الأخصائي النفسي جواد مبروكي "مثل جميع المواد ذات التأثير الذهني يدخل المستهلك في حالة الإدمان.

وحول الآثار النفسية والاجتماعية لتعاطي المخدر، يقول الدكتور لحبابي "نعيش مخلفات هذا الإدمان داخل الصيدليات كل يوم، فغالبا ما يقدم إلينا الشاب المستعمل للعقار ويكون غير واع ثم يطلب أدوية لعلاج الأمراض النفسية خارج الترخيص الطبي، وهذا يخلق مشاكل كثيرة ويطرح حرجا كبيرا، ذلك أنه لا يمكننا صرف تلك الأدوية دون وصفة طبية، بل مؤخرا قدمت إلي أم حاملة معها قرصا من "الاكستازي"،  قالت إنها وجدته داخل ملابس ابنها الذي لم تتجاوز سنه الـ13 سنة، فأخبرتها بماهيته وخطورته ثم أشرت عليها بإحضار ابنها إلي وعدم  تعنيفه، وبعد تحسيسه وتوعيته بخطورة ما يتعاطى اقتنع بالإقلاع عنه، وهنا لا بد أن أشير إلى أمر مهم هو أن العلاج من إدمان "الإكستازي" نفسي تماما وليس دوائيا كما يعتقد كثير من الناس".

قتلها الاكستازي

مآسي "عقار النشوة" لا تنتهي، ولعلها تتضاعف وتستقوي بسبب قلة حملات التوعية إلى جانب تكتم الأسر خوفا من الوقوع في الحرج والمشقة، أحد تجليات ذلك قصة محزنة حُرص على ألا تتجاوز حدود مدينة "سيدي حجاج" الصغيرة، حيث لقيت شابة في مقتبل العمر حتفها إثر تناولها جرعة مفرطة من "الإكستا" تجاوزعت خمسة أقراص، وذلك راجع إلى جهلها بماهية المادة التي تستعمل أو حتى بالإجراءات الاحترازية التي يتحتم اتخاذها، الأسرة حاولت دفن القصة خشية "العار" وكذلك السلطات المحلية أخفت السبب الحقيقي تجنبا لتحمل المسؤولية المعنوية، وهذا كله يخالف ما جاء في تقرير التشريح الطبي وعلى لسان أصدقاء المتوفاة ممن تحدثت إليهم "مونت كارلو" وكانوا شهودا على الحادث.

لقيت شابة حتفها إثر تناولها جرعة مفرطة من "الإكستازي" تجاوزت خمسة أقراص، الأسرة حاولت طمر الأمر خشية "العار".

 

 

بالقرب من "سيدي حجاج"، مثل تلك المأساة كادت أن تتكرر بمدينة بن أحمد، مع شابين اثنين يبلغ أحدهما 18 سنة ويصغره الثاني بسنة، تناولا حوالي 4 حبات من "الاكستازي" في آن واحد، لكل واحد منهما، فكادا أن يقضيا، ويحكي أحدهما أنه سقط أرضا وصديقه الذي يدرس في ثانوية المدينة التأهيلية، وأصابتهما رعشة غريبة، أخذا يهذيان حتى ظن من حولهما أنهما قد جنا! ثم استمرا في فرز لعابا أبيض، قبل أن يسارع صديق مشترك إلى جلب لتر من الحليب ناوله إياهما وظل معهما لفترة من الزمن حتى استرجعا وعيهما.

الدكتور مبروكي، ونظرا لاحتكاكه المستمر بنماذج لمتعاطي هذا المخدر، يلاحظ غياب التوعية بمخاطر المخدرات وكذا انعدام الاهتمام بالمراهق بصفة عامة. ويقول موضحا " خلال مزاولة عملي لاحظت أن الشباب يستخفون بآثار "الاكستازي" باعتباره منشطا دون خطورة، إلى جانب ذلك يلاحظ غياب المرافقة وكثرة الفراغ الأمر الذي يضاعف إمكانية الإدمان.

مافيا دولية

بالعودة إلى عبد الحق المقيم  في مدينة الدار البيضاء فقد حكى أنه قدم قبل أسبوعين فقط من مدينة تطوان، ومعه 100 قرص من "الإكستازي"، اعتاد أن يجدها محفوظة كلما نودي عليه لدى شخص تحفظ عن كشف هويته؛ يعَرِّفه بـ"الزعيم"، يقول إنه صاحب مقهى ويتردد كثيرا على دولة هولندا.

وحتى يصل المخدر إلى الشباب المستهلك بالتقسيط يمر بثلاث محطات يروي المتحدث تفاصيلها؛ أولها إدخال المخدر إلى المغرب، والذي يتم، في معظم الأحيان، بحرا إما عبر القوارب المطاطية أو بواسطة شركات النقل الدولي، ويكون ثمنه حينها ما بين  10دراهم  و20 درهما حسب الظروف والفصل السنوي، ففي فصل الصيف يكون ثمنه أغلى اعتبارا لخصوصية الفترة وما يتخللها من أنشطة تشجع على الاستهلاك، بعد ذلك يتم شراء المنتج من قبل "البزناسة" أي باعة المخدر بالتقسيط بما لا يقل عن 25 درهما إلى 30درهما، ومن ثم تباع إلى المستهلكين بثمن يتجاوز الخمسين درهما.

على غرار مافيا جنوب إيطاليا، استطاع أبناء مهاجري مغاربة هولندا وبلجيكا وإسبانيا من الجيل الأول والثاني أن يخلقوا مافيا نافذة تقود  الجريمة المنظمة وتتحكم في تجارة المخدرات داخل دول نشأتها

 

يقول عبد الحق الذي لم يمض على خروجه من السجن سوى ستة أشهر" الشباب هم الزبون الوحيد لدي، طلبة وتلاميذ وغير متعلمين، أخاطر بنفسي من أجل لقمة العيش، لا سبيل آخر لدي، فانعدام حصولي على مستوى تعليمي أو على حرفة ما دفعني لسلك هذه الطريق على علاتها ورغم حقارتها".

لماذا هولندا بالضبط؟ وما علاقتها بانتشار استهلاك مادة"الاكستازي" داخل المغرب؟ تساؤلان حاولنا الإجابة عنهما من خلال اقتفاء المسار الذي يسلكه المخدر دوليا.

على غرار مافيا جنوب إيطاليا، استطاع أبناء مهاجري هولندا وبلجيكا وإسبانيا من الجيل الأول والثاني أن يخلقوا مافيا نافذة ترعى الجريمة المنظمة وتتحكم في تجارة المخدرات داخل دول نشأتها، وتهريبها إلى بلدان أخرى يعد المغرب على رأس قائمتها، اعتبارا لـ"يسر إدخالها وشبكة العلاقات وكونه سوقا مربحة" يقول أحد مغاربة مدينة "أنفيرس" البلجيكية، وهو عضو في عصابة تجارة المخدرات مضيفا "أكثر مادة تغرينا هي الإكستازي وهي في مقدمة المخدرات تدخل التي المغرب مؤخرا، فالتكلفة الانتاجية للقرص الواحد في المختبرات السرية أقل من ربع يورو"، شبكات الجريمة التي يديرها المغاربة في الدول المذكورة تعرف باسم "موكرو مافيا"، بدأت كعصابات شوارع خاصة في مدينتي "أمستردام" وأنتويرب" كما يبين ذلك الهولندي المتخصص في علم الإجراء Marjin Schrijver ضمن مؤلفه المنشور سنة 2014 تحت عنوان "Borgerokko Maffia" لتتطور بعد ذلك وتمتد إلى مدن أخرى كبرى، في حين تم منتصف سنة 2010 الإعلان عن تواجدها رسميا جنوب إسبانيا من خلال مدينة "كوستا دي صول".

في مدينة ماستريخت التي تقع جنوب شرق هولندا، ما بين بلجيكا وألمانيا يقطن ربيع، "اسم مستعار"، جاء إلى بلجيكا قادما من المغرب وسنه لا تتجاوز الـ18 سنة، مكث فيها خمس سنين قبل أن ينتقل إلى  هولندا ويتخذها مستقرا له، هو حاصل الآن على الجنسية الهولندية وأب لولدين. ربيع كان سباقا لتقدير قيمة مخدر "الاكستازي" الربحية، ولعل احتكاكه بجنسيات مختلفة عرفه بهذا المنتج ودفعه لاقتحام عالمه، "أعتذر لإخفائي هويتي، فمن أشتغل معهم لا يرحمون" يتحدث الشاب هنا عن "مافيا" معظم أعضائها مغاربة  ولدوا في أوربا، يديرون رفقة شباب من شرق أوربا، خاصة "ألبانيا ورومانيا وأرمينيا" مختبرات سرية تنتج كميات ضحمة من عقار الاكستازي يصل جزء كبير منها إلى المغرب بحرا عبر بضائع متلاعب بأسماء أصحابها ترسل من خلال حافلات شركات النقل الدولي، ويتقاضى مستلموها مبلغا لا بأس به، ثم يشرعون في توزيها على "البزناسة".

هؤلاء يمتلكون أيضا علبا ليلية في دول النشأة وكذا شمال المغرب تستهدف الشباب باختصاصها في موسيقى الرقص الإلكترونية «الهاوس والتكنو" وتوفير أجواء تعاطي المخدر الذي يباع داخلها.

حسب كلام ربيع فإن معايير اختيار "البروفايلات" المغربية التي يمكنها التعامل مع المخدر، سواء اتجارا أو تهريبا أو مساعدة في ذلك ليست عبثية ولكنها دقيقة جدا، أهمها توفر الشخص على جنسية هولندية تيسيرا لكثير من المشاكل ودفعا للريبة ورفعا لمنسوب الثقة فيهم لدى عناصر الجمارك والأمن. هذا الأمر حسب مصدر أمني رفيع بميناء طنجة المتوسط بات "تقليديا ومكشوفا بل إن هؤلاء الأشخاص هم الأكثر مدعاة للشك"، يقول المتحدث قبل أن يوضح، "الأصل ألا نفرق بين الحاملين للجنسيات المختلفة، الكل يخضع لجميع الإجراءات دون استثناء، وإذا تبدى لنا أي شيء مثير للريبة فإننا نباشر الخطوات التي يستدعيها الموقف".

منحى تصاعدي

 رواج المخدر في المغرب يتخذ منحى تصاعديا وتطورا مضطردا، الأمر الذي تؤكده معطيات رسمية صادرة عن المديرية العامة للأمن الوطني، إذ لم يتجاوز محجوز "الاكستازي" سنة 2010، 200 قرص، في حين قفز إلى أكثر من 481 ألف قرص سنة 2016 ليتضاعف هذا العدد سنة 2018 فيبلغ أزيد من مليون قرص ضبط من قبل المصالح الأمنية، ويبقى أعلى قدر محجوز هو ما ضبط أثناء آخر عملية أجهضتها عناصر الأمن الوطني بميناء طنجة المتوسط، قبل مدة يسيرة، بتنسيق مع مصالح المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، والتي مكنت من حجز كميات كبيرة من مخدر الإكستازي كانت مخبأة على متن شاحنة للنقل الدولي قادمة من أوروبا. إجراءات التفتيش المنجزة بواسطة الكلاب المدربة للشرطة أسفرت عن حجز 568 ألف قرص من المخدر، كانت مخبأة بعناية داخل العجلات الاحتياطية لشاحنة للنقل الدولي مسجلة بالمغرب، كانت قادمة من ميناء الجزيرة الخضراء بإسبانيا.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم