الراحل هشام جعيط ... أحد كبار المتخصصين في فلسفة التاريخ الإسلامي

المؤرخ التونسي هشام جعيط
المؤرخ التونسي هشام جعيط © ويكيبيديا

من السهل جدا في البلدان العربية إطلاق لقب "المفكر" على هذا الشخص أو ذاك من المتخصصين في قراءات مرجعيات الفكر الإسلامي والحضارة العربية الإسلامية.

إعلان

وكثير من الذين مُنحوا هذا اللقب لا يستأهلونه. ولو كان الأمر عكس ذلك لعمدوا إلى رفض هذا اللقب لأنه لا يُمنح بسهولة لأن المفكر لديه مواصفات وأدوات. ومع ذلك فإن التونسي هشام جعيط الذي رحل في 01 يونيو-حزيران عام 2021، عن سن السادسة والثمانين، جدير فعلا بعد رحيله بأن يوصف بـ" المفكر" لأنه سعى طوال مساره الأكاديمي إلى أن يكون بحق أحد المتخصصين في التاريخ الإسلامي انطلاقا من منهجية تستمد شرعيتها وأدواتها من فلسفة التاريخ، أي من فرع من فروع الفلسفة يتميز بدراسة التاريخ انطلاقا من قراءة تقوم على الشمولية ودراسة الوقائع التاريخية استنادا إلى أسسها النظرية ومن سياقاتها الاجتماعية والثقافية والسياسية وعلاقتها بوقائع تاريخية تلتقي معها جزئيا أو كليا في فترات قصيرة أو طويلة.

هذه القراءة التاريخية اعتمدها هشام جعيط في أبحاثه وإصداراته حول تاريخ الإسلام. والملاحظ أن كثيرا من المراجع التاريخية المتصلة بظهور الحضارة العربية الإسلامية وانتشارها في شبه الجزيرة العربية وفي منطقتي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ومناطق أخرى في العالم صيغت انطلاقا من قراءات تقدم شروحا وإضاءات خاصة بالنص القرآني والأحاديث النبوية وروايات تتعلق بوقائع تاريخية تنقصها القراءة المتعددة انطلاقا من أدوات يتم الاحتكام فيها إلى العقل والمساءلة والمقارنة والتوقف عند الجزئيات وربطها بالسياقات العامة والخاصة.

الحقيقة أن هشام جعيط حرص على السير على هدي هذه المنهجية التعددية في  قراءة التاريخ الإسلامي. وكان مهيأ لذلك عبر دراسته الجامعية. فبعد حصوله على شهادة الباكالوريا من المعهد الصادقي، أحد المعاهد الثانوية الكبرى في تونس، والتي كان لها الفضل في إرسال تلاميذ إلى الجامعة على نحو يجعلهم مؤهلين بحق ليكونوا جزءا من النخبة التونسية. وفي عام 1962 حصل في جامعة السوربون على شهادة التبريز في التاريخ. وحرص بعد ذلك على الاهتمام بقراءة تاريخ الحضارة العربية الإسلامية ومساهمة السياقات والحضارات الأخرى في إثرائها عبر التاريخ دون أن يكون متحاملا أو مجاملا، أي أنه استخدم الأدوات التي اكتسبها من دراسة التاريخ بشكل عام للتوقف عبرها عند الوقائع التاريخية الإسلامية.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن كثيرا من المؤرخين يكتبون كتبا ومقالات بعد الحصول على شهادة الدكتوراه، ولكن جزءا من فكر هشام جعيط وتعاطيه مع سيرورة التاريخ الإسلامي اكتسبه الراحل قبل عام 1981 أي قبل السنة التي حصل فيها على شهادة الدكتوراه في جامعة السوربون الفرنسية. وهذا ما جعله أستاذا جامعيا يُقبل الطلاب وغير الطلاب على الاستماع إليه في الجامعات التونسية والفرنسية والكندية والأمريكية. بل إن حرص هشام جعيط على أن يظل متمسكا بأدوات فلسفة التاريخ الإسلامي عرضه إلى انتقادات كثيرة من قبل أصحاب القراءات الأحادية لتاريخ الحضارة العربية الإسلامية، أي تلك التي لا تأنس كثيرا إلى إحكام العقل وإلى المنهجيات المتعددة الأطراف، والتي لجأ إليها هشام جعيط في أبحاثه وإصداراته ومداخلاته. وبدا ذلك واضحا بشكل اختزل مساره البحثي في كتابه الأخير الذي وضعه قبل رحيله والصادر في شهر مارس آذار عام 2021 عن دار "سيريس" التونسية وعنوانه " التفكير في التاريخ، التفكير في الإسلام". 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم