هل يعيق إغلاق الجزائر مجالها الجوي أمام الطائرات العسكرية الفرنسية محاربة الإرهاب؟

مقاتلة فرنسية من طراز "رافال" تحلق بالقرب من جزيرة قبرص
مقاتلة فرنسية من طراز "رافال" تحلق بالقرب من جزيرة قبرص © أ ف ب

بمجرد ما أعلنت الجزائر عن حظر التحليق فوق أراضيها على الطائرات العسكرية الفرنسية، عقب انتقاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الجزائر، تكاثرت الأسئلة والتوقعات بخصوص علاقة فرنسية جزائرية يطفو على سطحها التشنج أساسا على خلفية ملف الاستعمار الفرنسي السابق للجزائر، ويؤكد خبراء أن عمقها استراتيجي على أكثر من مستوى وإن أظهرت تصريحات المسؤولين غير ذلك. فهل سيكون لقرار الجزائر تأثير حقيقي على عمليات برخان المناهضة للجهاديين في مالي؟ أم أنه ليس سوى رد فعل فرضته طبيعة التصريحات التي نسبت للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون؟

إعلان

يؤكد مجيد بودن، المحلل السياسي ورئيس جمعية المحامين في القانون الدولي بباريس أن الأزمة بين فرنسا والجزائر تستند إلى ثلاثة عناصر أساسية، أولاها قرار فرنسا تشديد شروط منح تأشيرات الدخول إلى مواطني المغرب والجزائر وتونس، وذلك لرفض هذه الدول إصدار تصاريح قنصلية لاستعادة مواطنيها الذين يوجدون في فرنسا بشكل غير قانوني.

وثانيها تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نسبتها صحيفة "لوموند" الفرنسية إلى الرئيس الفرنسي، ولم يكذبها قصر الإليزيه، والتي جاء فيها أن ماكرون تحدث عن "تاريخ رسمي" للجزائر "أعيدت كتابته بالكامل"، "وهو لا يستند إلى حقائق" وإنما يعتمد على "خطاب يرتكز على كراهية فرنسا". كما طعن ماكرون أثناء استقباله أحفاد عدد من الشخصيات التي كان لها دور في حرب استقلال الجزائر، في وجود أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي للبلاد عام 1830، وتساءل مستنكرا "هل كانت هناك أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي؟". واعتبر الرئيس الفرنسي أن الجزائر كانت تحت استعمار آخر قبل الاستعمار الفرنسي، في إشارة إلى الحقبة العثمانية بين عامي 1514 و1830. وقال "أنا مفتون برؤية قدرة تركيا على جعل الناس ينسون تماما الدور الذي لعبته في الجزائر والهيمنة التي مارستها والقول إن الفرنسيين هم المستعمرون الوحيدون وهو أمر يصدقه الجزائريون".

أما العنصر الثالث فيتجلى، حسب مجيد بودن، في رد فعل الحكومة الجزائرية على تلك التصريحات، عبر حظر التحليق فوق أراضيها على الطائرات العسكرية الفرنسية. وهو قرار تلا تعميم الرئاسة الجزائرية بيانا جاء فيه أنه "على خلفية التصريحات غير المكذبة لعدد من المصادر الفرنسية المنسوبة للرئيس الفرنسي، ترفض الجزائر رفضا قاطعا أي تدخل في شؤونها الداخلية كما ورد في تلك التصريحات". وأضاف البيان "أمام هذه التصريحات اللامسؤولة، قرر رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون الاستدعاء الفوري لسفير الجزائر بفرنسا محمد عنتر داود للتشاور". كما اعتبر البيان أن تصريحات ماكرون تمثل "مساسا غير مقبول بذاكرة 5 ملايين و630 ألف شهيد ضحوا بأنفسهم عبر مقاومة شجاعة ضد الاستعمار الفرنسي" بين عامي 1830 و1962.

مجيد بودن المحلل السياسي ورئيس جمعية المحامين في القانون الدولي بباريس

ويرى مجيد بودن أن تصريحات ماكرون لا تعتبر تدخلا في الشؤون الداخلية للجزائر وإنما تعبيرا عن رأي، خاصة وأن هناك ما هو مشترك بين الجزائر وفرنسا، إذ يوجد ملايين الأشخاص ممن لديهم الجنسيتين الفرنسية والجزائرية. ويعتبر بودن أن رد الفعل الجزائري يؤدي إلى ضرب الجهود المشتركة للبلدين في تطويق الإرهاب في مالي. واعتبر أن القرار لا يمكنه إلا أن يخدم الإرهاب في المنطقة في ضرب للمصالح المتقاطعة بين الجزائر وفرنسا والرامية إلى مواجهة الإرهاب في مالي. يذكر أن حظر تحليق الطائرات العسكرية الفرنسية في أجواء الجزائر، يأتي في مرحلة بالغة الحساسية بالنسبة لهيئة الأركان العامة الفرنسية التي تجري منذ أسابيع إعادة تنظيم لقواتها في منطقة الساحل والصحراء وخصوصا في شمال مالي عند الحدود مع الجزائر. إذ تعمل فرنسا على إخلاء قواعد عسكرية في أقصى شمال مالي (كيدال وتمبكتو وتيساليت) فيما تعتزم خفض عديد قواتها في منطقة الساحل بحلول العام 2023 من خمسة آلاف حاليا إلى 2500 أو ثلاثة آلاف عنصر.

وتوقع مجيد بودن أن تعدل الجزائر عن قرارها منع الطيران العسكري من عبور أراضيها، معتبرا أن قرارا من هذا النوع سيحد من فرص محاربة الإرهاب وسيتم استغلاله من طرف الإرهابيين في المنطقة. كما أكد أن المجتمع الدولي سيمارس ضغوطا على الجزائر لحثها على العودة عن قرارها، ما سيدفع في اتجاه حل القضايا الشائكة بين البلدين بعيدا عن هذا الملف، وسيمكن من استئناف فرنسا رحلاتها العسكرية عبر الأجواء الجزائرية.

مجيد بودن المحلل السياسي ورئيس جمعية المحامين في القانون الدولي بباريس

وكان الناطق باسم هيئة الأركان العامة الفرنسية الكولونيل باسكال إياني أكد على محدودية تأثير القرار الجزائري على تدفق الدعم الفرنسي لمواجهة الجماعات الجهادية في مالي، واعتبر أنه سيتعين على الطائرات العسكرية الفرنسية أن تعدل مخططات تحليقها، مؤكدا أن ذلك "لن يؤثر على العمليات أو المهام الاستخباراتية" التي تقوم بها فرنسا في منطقة الساحل. كما شدد باسكال إياني على أن الطلعات الفرنسية الاستطلاعية في منطقة الساحل والتي عادة ما تنفّذ بواسطة طائرات مسيّرة من نوع ريبر لن تتأثر، بما أن هذه الطائرات تنطلق من نيامي في النيجر ولا تحلّق في أجواء الجزائر.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

ابق على اطلاع دائم بالأخبار الدولية أينما كنت. حمل تطبيق مونت كارلو الدولية