سجناء ومهاجرون في ليبيا ضحايا جرائم ضد الإنسانية

مهاجرون أفارقه في ليبيا ( أ ف ب 17-10-2017 )

خلص تحقيق أجراه خبراء في الأمم المتحدة إلى وجود أدلة على حدوث جرائم تصل إلى مستوى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية تمت في ليبيا، واستهدفت خصوصا المهاجرين والسجناء من المدنيين، في وقت أعلنت السلطات الليبية عن انتشال 10 جثث مجهولة الهوية من مقبرة جماعية في مدينة ترهونة غرب البلاد.

إعلان

تتوالى التقارير والتحقيقات والاكتشافات المتعلقة بضحايا العنف الذي يمزق ليبيا منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 وغرق البلاد في حرب دموية تؤكد مختلف التقارير المحلية والدولية أن المدنيين يشكلون أكبر ضحاياها. فقد أكد آخر تحقيق أجرته في ليبيا ودول مجاورة وفي إيطاليا، لجنة تابعة للأمم المتحدة، تَوَفّر أدلة على حدوث جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في ليبيا منذ العام 2016، واستهدفت المدنيين وأساسا منهم المهاجرون والسجناء.

وورد في التقرير وجود ما "يدفع إلى الظن بأن جرائم حرب ارتكبت في ليبيا فيما أعمال عنف ارتكبت في السجون وفي حق المهاجرين في البلاد قد ترقى إلى جرائم ضد الانسانية".

وقد جاء التحقيق الأممي بناء على قرار أصدره العام الماضي مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والقاضي بإرسال "بعثة تحقيق" الى ليبيا قصد توثيق الانتهاكات التي ارتكبتها كل الاطراف منذ العام 2016، والتي استهدفت المدنيين الذين كانوا ضحايا هجمات على المدارس والمستشفيات والبنايات، حيث قتلت الغارات الجوية عشرات العائلات، وكان لتدمير البنية التحتية الصحية تأثير مدمر على الوصول إلى الرعاية الصحية، كما قتل وجرح مدنيون جراء الألغام المضادة للأفراد التي خلفها المرتزقة في المناطق السكنية. بينما عانى سجناء ومهاجرون من التعذيب واعتقلوا دون محاكمة وعذبوا وأعدم الكثير منهم ودفنوا في مقابر جماعية.

مقابر جماعية

أعلنت السلطات الليبية، هذا الأسبوع، عن اكتشاف موقعين بمدينة ترهونة التي تبعد نحو 80 كيلومترا جنوب العاصمة طرابلس، بهما مقبرتين جماعيتين. وأكدت هيئة البحث والتعرف على المفقودين في ليبيا العثور على أربع جثت مجهولة الهوية في المقبرة الأولى وعلى ست جثت مجهولة الهوية في المقبرة الثانية.

وقد تم الكشف عن أولى عمليات الإبلاغ عن مقابر جماعية في ليبيا، في شهر يونيو من عام 2020، بعد انسحاب قوات المشير خليفة حفتر من المدينة. ومنذ ذلك الحين، تم اكتشاف عشرات المقابر الجماعية، والعثور على ما لا يقل عن 150 من رفات أشخاص مجهولين. كما تم تسليط الضوء على الفظائع التي ارتكبت في المدينة من بينها عمليات خطف وتعذيب وإعدامات تمت خارج نطاق القضاء. وتعود هذه الجثث بمعظمها إلى فترة الهجوم الذي شنته قوات المشير خليفة حفتر في الفترة المتراوحة ما بين شهر نيسان/أبريل 2019 وحزيران/يونيو 2020 بهدف السيطرة على طرابلس. وحسب تقرير الأمم المتحدة، فإن "الغارات الجوية قتلت عشرات العائلات، وكان لتدمير البنية التحتية الصحية تأثير على الوصول إلى الرعاية الصحية، كما قتل وجرح مدنيون جراء الألغام المضادة للأفراد التي خلفها المرتزقة في المناطق السكنية".

وقد طالبت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في وقت سابق، بتحقيق حول احتمال حصول "جرائم حرب" على أيدي قوات المشير حفتر، مشيرة الى وجود "أدلة" على تعرض القتلى "للتعذيب" وعلى حصول "إعدامات عشوائية"، لكن قوات حفتر تصر على نفي حدوثها.

تعذيب في السجون

تؤكد العديد من المنظمات الحقوقية أن سجون ليبيا تعيش وضعا مأساويا، حيث يتعرض المعتقلون في بعض الأحيان للتعذيب يوميا وتمنع عائلاتهم من زيارتهم، كما يتعرض هؤلاء للمضايقة والتهديد.

ويقول تحقيق لجنة الأمم المتحدة إن الدولة والميليشيات تستخدم الاعتقال التعسفي في سجون سرية وفي ظروف لا تطاق ضد كل من يُنظر إليه على أنه تهديد. وقالت تريسي روبنسون "يتم استخدام العنف بهذا النطاق في السجون الليبية وبدرجة من التنظيم قد تجعله يصل إلى مستوى جريمة ضد الإنسانية".

مهاجرون مضطهدون

تشكل ليبيا حلما للكثير من الراغبين في الهجرة نحو أوربا، معظمهم من إفريقيا جنوب الصحراء لمحاولة عبور البحر الأبيض المتوسط. لكن حلم جلهم سرعان ما يتحول إلى كابوس مضن خاصة في ظل الوضع الذي تعيشه ليبيا. وتؤكد تشالوكا بياني، العضوة في اللجنة الأممية للتحقيق في ليبيا، أن المهاجرين يتعرضون لكل أنواع العنف على أيدي المهربين والمتاجرين في البشر وفي مراكز الاحتجاز، حيث يعيشون في ظروف تندد بها بانتظام المنظمات غير الحكومية ووكالات الأمم المتحدة.

ويعد المهاجرون من الأشخاص الأكثر عرضة للاعتقال والتعذيب والاستغلال والخطف بهدف تسخيرهم في أعمال شاقة أو بيعهم أو طلب فدية من أسرهم. كما يشكلون هدفا لعمليات مداهمات واتهام مستمر بممارسة أعمال غير مشروعة.

وقد كررت الأمم المتحدة والمنظمات الاغاثية الدولية المعنية بشؤون الهجرة إدانتها للظروف اللاإنسانية داخل مراكز الاحتجاز في ليبيا، والتي تشهد اكتظاظا كبيرا ومعاملة مهينة وأوضاعا مأساوية. كما نددت بعمليات المداهمة التي تمت منذ يومين في طرابلس في منطقة "قرقارش" المكتظة بالمهاجرين. فبينما أكدت السلطات أنها نشدت مواجهة تجار المخدرات، اعتبرت منظمات حقوقية دولية والأمم المتحدة أنها استهدفت أساسا المهاجرين واللاجئين من "الفئات الضعيفة والهشة"، وأدت إلى مقتل مهاجر وإصابة 15 شخصا على الأقل بجروح.

وحسب الأمم المتحدة فقد تم اعتقال ما لا يقل عن 4000 شخص، بينهم نساء وأطفال، وتعرض المهاجرون العزّل للمضايقات والضرب وإطلاق النار داخل منازلهم، وقطعت الاتصالات عن المنطقة، ما حال دون تمكنهم من التواصل أو الحصول على المساعدة.

وقد دعت الأمم المتحدة السلطات إلى "احترام حقوق الإنسان وحفظ كرامة المهاجرين واللاجئين في جميع الأوقات"، مؤكدة بأن معظم من اعتقلوا باتوا حاليا قيد "الاحتجاز التعسفي". وطالبت بالإفراج فورا عن الفئات "الأشد ضعفاً" لا سيما النساء والأطفال.

تحديد المسؤوليات

ترتفع الكثير من الأصوات مطالبة بتحديد المسؤوليات في ما يتعلق بجرائم ضد المدنيين في ليبيا، لكن تلك الدعوات تبقى دون صدى في ظل تواجد قوى عديدة تنشط داخل البلاد وتمارس ضغوطا شديدة لحماية المتورطين في تلك العمليات.

وقد أكدت لجنة الأمم المتحدة في خلاصة تحقيقها الأخير، أنها تتوفر على قائمة بأسماء الأفراد والجماعات، الليبية والأجنبية، التي قد تكون متورطة في التجاوزات والجرائم بما فيها جرائم الحرب التي تحدث في ليبيا، لكن اللجنة قررت عدم نشر القائمة، التي "ستبقى سرية إلى أن تظهر الحاجة إلى نشرها أو تشاركها" مع هيئات أخرى يمكنها محاسبة المسؤولين عنها.  وأشار خبراء اللجنة إلى أن القضاء الليبي يحقق أيضا في معظم القضايا التي أثارتها البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في ليبيا، لكنهم أشاروا إلى أن "عملية محاسبة مرتكبي انتهاكات أو سوء معاملة تواجه تحديات كبيرة". فالعنف يمارس من قبل جهات عديدة من بينها الميليشيات التي تمتلك السلطة في مناطق مختلفة ولديها السلاح، كما أن آلاف المرتزقة ينشطون في البلاد، وتقدر الأمم المتحدة عددهم بما يزيد عن 20 ألف شخص، من بينهم مرتزقة من مجموعة الأمن الروسية الخاصة التابعة لشركة فاغنر، والمرتزقة الذين جلبتهم تركيا من سوريا ومن دول أخرى.

كما يؤكد العديد من الخبراء والمسؤولين أن الكثير من تلك الجرائم تتم بمباركة من الدولة. وأكد التقرير الأممي أن حكومة الوفاق الوطني السابقة جندت مقاتلين أطفالا سوريين بتيسير من تركيا.

وحسب تشالوكا بياني، العضوة في اللجنة الأممية للتحقيق في ليبيا، فقد كشف تحقيق لجنة الأمم المتحدة أن "الهجمات ضد المهاجرين تُرتكب على نطاق واسع من قبل جهات فاعلة حكومية وغير حكومية، بدرجة عالية من التنظيم وبتشجيع من الدولة - وهي جوانب توحي بأنها جرائم ضد الإنسانية".

وبينما يعول الكثيرون على ما ستسفر عنه جلسة لجنة الأمم المتحدة إلى مجلس حقوق الإنسان في جنيف، التي ستنعقد في السابع من هذا الشهر، لمناقشة نتائج تحقيق اللجنة الأممية، يؤكد الكثيرون أن الاجتماع لن يقدم ولن يؤخر في هذا الملف لأنه رهين بإرادة الجهات المسؤولة عنه داخليا وبتلك التي تتحكم، عن بعد، في الوضع داخل الأراضي الليبية.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم