تحليل إخباري

المغرب: حكومة تكنوقراط بصيغة حزبية

صورة للحكومة المغربية مع الملك محمد السادس
صورة للحكومة المغربية مع الملك محمد السادس © رويترز

عين الملك محمد السادس الحكومة الجديدة في المغرب بناء على اقتراح من رئيس الحكومة المكلف عزيز أخنوش، كما ينص على ذلك الدستور المغربي. وتتشكل الحكومة من 25 حقيبة وزارية، ومن الأحزاب الثلاثة التي تصدرت نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، وهي حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة ثم حزب الاستقلال.

إعلان

تُظهر التشكيلة الحكومة الجديدة هيمنة كبيرة للتكنوقراط. إذ استمر العرف القائم في المغرب بتعيين الملك لما يسمى بوزراء السيادة، في خمس وزارات، هي وزارة الداخلية التي تم الإبقاء فيها على عبد الوافي لفتيت، ووزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج التي سيلازم فيها ناصر بوريطة منصبه، ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية التي يوجد على رأسها أحمد التوفيق منذ حوالي عشرين سنة، والأمين العام للحكومة محمد الحجوي الذي شغل نفس المنصب في الحكومة السابقة. إضافة إلى وزارة الدفاع الوطني، التي سيبقى على رأسها عبد اللطيف لوديي بعد أن شغل هذا المنصب منذ عام 2010.

وباستثناء بعض الوجوه المعروفة بنشاطها السياسي والحزبي تبقى جل الشخصيات التي تم تعيينها في الحكومة غير معروفة في الساحة السياسية المغربية. فبالإضافة لعزيز أخنوش الذي دخل غمار السياسة حديثا حين التحق بالحزب عام 2016 وهي نفس السنة التي شهدت انتخابه أمينا عاما للتجمع الوطني للأحرار، يوجد في الحكومة أيضا عبد اللطيف وهبي، أمين عام حزب الأصالة والمعاصرة، ثم نزار بركة، أمين عام حزب الإستقلال.

وقد تضمنت التشكيلة الحكومية، أسماء جديدة على الساحة السياسية المغربية وجلها من التكنوقراط، وتم اختيارها بناء على توفرها على شهادات عليا، علما أن جل هؤلاء حصلوا على شهاداتهم خارج المغرب.

وحسب مصادر من حزب الاستقلال، فقد أدى إقصاء وجوه معروفة بنشاطها السياسي والحزبي وناضلت لمدة سنوات طويلة داخل هذا الحزب، إلى بروز موجة غضب عارمة داخل صفوفه.

حكومة على خلفية خلافات حادة

دفعت الخلافات الحادة التي برزت قبل الانتخابات التشريعية الأخيرة وخلالها، بين مكونات الحكومة الحالية وأساسا بين الحزب الذي يترأس الحكومة وحزب الأصالة والمعاصرة  الكثير من المراقبين إلى التساؤل عن إمكانيات الاشتغال ضمن حكومة تأسست على أنقاض صراع سابق وُصف بالضروس، ووصل إلى حد الهجوم الشخصي من قبل أمين عام حزب الأصالة والمعاصرة عبد اللطيف وهبي، على عزيز أخنوش أمين عام حزب التجمع الوطني للأحرار ورئيس الحكومة الحالية، والمعروف بثرائه وسبق أن شغل منصب وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات منذ عام 2007.

عدا ذلك، يطرح الائتلاف الحكومي الحالي الكثير من التساؤلات حول مدى انسجام رؤية الأحزاب المشكلة له والتي بنت ائتلافها على مقاربة رقمية، باعتبارها الأحزاب الثلاثة التي تصدرت نتائج الانتخابات، بينما توجهاتها السياسية والإيديولوجية مختلفة. إذ يصف حزب التجمع الوطني للأحرار نفسه بالليبرالي، وكان تأسس في عهد الملك الراحل الحسن الثاني كائتلاف لمجموعة من رجال الأعمال والأعيان ممن شاركوا كأحرار (دون انتماء سياسي) في الانتخابات، قبل أن يجمعهم أحمد عصمان الوزير الأول آنذاك وصهر الملك، في حزب عام 1978.

أما الاصالة والمعاصرة فيقدم نفسه على أنه اشتراكي وسط، في الوقت الذي يسجل مراقبون أن العمود الفقري لهذا الحزب هو من الأعيان كما هو الشأن عليه بالنسبة لحزب الأحرار. علما أن الحزب تأسس في عهد الملك محمد السادس وأشرف على ذلك فؤاد عالي الهمة، بعد استقالته من منصبه ككاتب للدولة في الداخلية آنذاك، ويشغل حاليا منصب مستشار العاهل المغربي.

أما حزب الاستقلال فيعد من الأحزاب التاريخية في المغرب، له مرجعية وطنية إسلامية وبات يوصف بالقريب في توجهاته من حزب العدالة والتنمية، كما عرفت بنيته التنظيمية تغيرا شاملا منذ هيمنة أحد كبار أعيان الصحراء عليه.

النموذج التنموي بديلا لبرنامج حكومي

في وقت تطلب تعيين هذه الحكومة مرور شهر تقريبا على تنظيم الانتخابات، لم يتم طوال ذلك الوقت، القيام بنقاش علني حول برنامجها المرتقب، وأساسا حول الاتفاقات التي انبنى عليها التحالف الحالي. فقد طغا الحديث عن التحالفات اعتمادا على مقاربة رقمية لتشكيل أغلبية، ولم تعلن الأحزاب المشكلة للائتلاف عن برنامجها المشترك أو الرؤية التي ستؤطر التشكيلة الحكومية، لجعلها حكومة منسجمة قادرة على مواجهة التحديات الكبيرة السياسية المطروحة على المغرب، وكذلك التداعيات الاقتصادية لجائحة كوفيد-19 وتلبية المطالب المتعلقة بتقليص الفوارق الاجتماعية الحادة سواء بين فئات المجتمع أو بين مناطق المغرب الجغرافية، إضافة إلى ضمان الحكامة الجيدة ومواجهة الفساد والريع والمحسوبية.

ويفسر مراقبون هذا الأمر بكون الحكومة الحالية مطلوب منها أن تشتغل وفق رؤية تقنية، أطرها بشكل مسبق تقرير النموذج التنموي، الذي أعدته لجنة ترأسها شكيب بنموسى المعين وزيرا للتربية والتعليم في الحكومة الحالية، ويشغل حاليا منصب سفير المغرب في فرنسا، كما سبق له أن تولى وزارة الداخلية. إضافة إلى ذلك، تم تعيين وزيرين آخرين من ضمن أعضاء تلك اللجنة هما عبد اللطيف ميراوي في التعليم العالي وليلى بنعلي في الانتقال الطاقي. ولعل هذا ما يفسر، في جزء منه، التوجه نحو تشكيل حكومة يغلب عليها الطابع التكنوقراطي والتي يبدو أنه سيكون عليها أن تنفذ ما جاء في تقرير لجنة النموذج التنموي أكثر من بلورة رؤية خاصة بحكومة يفترض أنها منبثقة عن نتائج الانتخابات التشريعية التي شهدها المغرب أوائل الشهر المنصرم.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم