تحليل إخباري

تونس ورحلة البحث عن الديمقراطية

تونس على إيقاع المظاهرات
تونس على إيقاع المظاهرات © رويترز

تعيش تونس حالة من الغليان في إطار رحلتها للبحث عن الديمقراطية. فمن مظاهرات أسقطت الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، إلى أخرى باتت تؤثث المشهد السياسي التونسي، وتؤشر على رغبة التونسيين في وضع بلادهم على طريق الديمقراطية الصلبة. فبعد المظاهرات التي خرجت لدعم الرئيس الحالي قيس سعيد وخاصة قراره تجميد أعمال البرلمان وإقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي وتعزيز صلاحيات الرئيس الدستورية، نظمت نهاية الأسبوع مظاهرات أخرى احتجاجية هذه المرة ضد ما وصفته بالانقلاب الذي قام به قيس سعيد على الشرعية.

إعلان

يؤكد العديد من المراقبين أن ما تشهده تونس من مخاض سياسي هو إيجابي على أكثر من مستوى لكونه يدفع البلاد إلى إعادة النظر في نظامها السياسي بناء على التجارب التي شهدتها بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي، خاصة وأن تلك المرحلة عرفت العديد من المطبات كما تبين أن النظام التونسي بشكله الحالي والذي لا يعطي لرئيس البلاد سوى صلاحيات محدودة تكاد تجعله منصبا صوريا، ربما يحتاج إلى إعادة النظر فيه. فتونس لم تتمكن منذ ثورة 2011 من ايجاد حلول للوضع الاقتصادي والاجتماعي المتردي، وبقي غياب الاستقرار مهيمنا على الواقع السياسي للبلاد، وتعاقبت نحو تسع حكومات على السلطة خلال عقد واحد من الزمن كما تؤكد التقارير الدولية والمحلية أن الفساد ازداد تفشيا في البلاد.

فرج معتوق: لن ينقد تونس غير الحوار المفتوح

يرى فرج معتوق أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، في حديث لمونت كارلو الدولية أن المشهد السياسي في تونس جد معقد، ومن الضروري التعامل معه على هذا الأساس. واعتبر معتوق أن الخطوة التي أقدم عليها قيس سعيد لها ما يبررها، "وصفق لها ربما أغلبية الشارع التونسي، ولكن هنالك أيضا رأي آخر أعربت عنه قوى هامة في تونس، تتمثل في المجتمع المدني المتطور جدا وخاصة القوة التاريخية المتمثلة في الاتحاد العام التونسي للشغل وهو من الأربعة الذين حصلوا على جائرة نوبل للسلام، ولابد لقيس سعيد من أن ينصت لهم جميعهم".

وأكد معتوق أن الدستور غير مقدس وأن إرادة الشعب هي المقدسة، وبالتالي يمكن لهذا الأخير أن يغير دستوره إن أراد، لكن تونس تحتاج في نفس الوقت إلى الابتعاد عن فكرة أن "ينام المواطن على دستور ويصحى على دستور آخر" مؤكدا أنه لن ينقد تونس شيء آخر غير الحوار المفتوح.

واعتبر فرج معتوق أن حركة حزب النهضة شعرت بنوع من الزهو وخاصة راشد الغنوشي الذي أقسم في العديد من المرات أنه لن يمسك بمسؤولية سياسية، لكنه سرعان ما أمسك بالبرلمان وكان يريد حتى أن يكون رئيسا للحكومة.

الدكتور فرج معتوق أستاذ العلاقات الدولية في جامعة باريس (مونت كارلو الدولية)

فرج معتوق أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية

معارضون للرئيس

يرى معارضو قرارات الرئيس قيس سعيد بتعليق أعمال البرلمان وإقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي وتولي السلطات في البلاد، أن ما حصل هو انقلاب على الشرعية، وهو موقف عبرت عنه الكثير من الشعارات التي حملها حوالي ستة آلاف متظاهر (حسب السلطات الأمنية) في العاصمة التونسية احتجاجا على قرارات قيس سعيد. ومن بينها نذكر: "الشعب يريد إسقاط الانقلاب" و"علّي الصوت، ثورة تونس لا تموت" و"هنا تونس وليس مصر" و"لا إله إلا الله والسيسي عدو الله".

وهي شعارات تشكل صدى لما سبق أن أعربت عنه 18 منظمة حقوقية من بينها "منظمة العفو الدولية" (فرع تونس) و"هيومن ريتس ووتش" و"المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب" و"الجمعية التونسية للدفاع عن الحريّات الفردية"، في بيان. إذ شجبت قرارات الرئيس التونسي قيس سعيّد بتعزيز صلاحياته في الدستور على حساب الحكومة والبرلمان، واعتبرتها "انفراداً بالحكم" و"انحرافاً غير مسبوق". وأكدت المنظمات أن سعيّد "عكس القاعدة العامة لعُلوية الدستور بإعطائه المراسيم الرئاسية مرتبة قانونية أعلى من الدستور"، كما نددت بـ"الاستحواذ على السلطة في ظل غياب أي شكل من أشكال الضمانات" وبجميع الصلاحيات المنوطة برئاسة الجمهورية "بدون أي سقف زمني".

مؤيدون لقيس سعيد

يعتبر مؤيدو القرارات التي اتخذها الرئيس التونسي، أنها جاءت لتصحيح مسار الثورة في تونس وليس انقلابا على الدستور. ووصفوها بالخطوة الضرورية نحو الحد من الأزمة الاقتصادية التي تشهدها البلاد ومن الفساد المستشري فيها، وفي مواجهة الجمود السياسي الذي بدأ يعرض البلاد للخطر. كما اعتبروا تلك القرارات قانونية وتأتي بناء على الفصل 80 من الدستور الذي يخول لرئيس البلاد، اتخاذ تدابير في حالة "خطر داهم مهدد لكيان الوطن".

وقد عكست الشعارات التي حملها، في تظاهرة سابقة، أكثر من عشرة آلاف من المتظاهرين في تونس العاصمة ومحافظات أخرى كصفاقس (وسط شرق) وسوسة (وسط شرق) وتطاوين (جنوب) وقابس (جنوب) والكاف (غرب) موقفهم هذا. إذ دعوا إلى إسقاط البرلمان ومحاربة الفساد والحد من التدخل الأجنبي في البلاد، في إشارة إلى الاتهامات التي توجه إلى حزب النهضة بتلقيه دعما من الخارج وأساسا من قطر.

ومن بين تلك الشعارات، نذكر: "الشعب يريد تنقيح الدستور" و"سعيّد الناطق الرسمي باسم الشعب" و"معك إلى النهاية"، و"أنتم تتظاهرون من أجل حزب، ونحن نتظاهر من أجل وطن" في إشارة إلى مؤيدي حزب النهضة، إذ أكد مراقبون أن جل من شاركوا في التظاهرة الاحتجاجية ضد قيس سعيد ينتمون لهذا الحزب أو مؤيدون له.

 يذكر أنه في 25 تمّوز/يوليو، أعلن الرئيس قيس سعيّد عن تعليق أعمال البرلمان وإقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي وتولي السلطات في البلاد، بناء على الفصل 80 من الدستور الذي يسمح لرئيس البلاد باتخاذ مثل تلك الإجراءات في حال وجود "خطر داهم مهدد لكيان الوطن".

وفي 22 أيلول/سبتمبر، أصدر رئيس البلاد الأمر الرئاسي 117 الذي فرض تدابير "استثنائية" وأصبحت الحكومة بمقتضاه، مسؤولة أمامه، كما أصبح بإمكانه إصدار التشريعات بمراسيم عوضا عن البرلمان، عبر "إصدار النصوص ذات الصبغة التشريعية في شكل مراسيم" وهو ما اعتبره خبراء، تمهيدا لتغيير النظام السياسي البرلماني في البلاد الذي نص عليه دستور 2014. كما قرّر سعيّد رفع الحصانة عن النواب وتعليق رواتبهم والمنح المالية التي كانوا يتقاضونها.

وقد تلا ذلك، تعيين قيس سعيد نجلاء بودن الاستاذة الجامعية المتخصصة في الجيولوجيا، رئيسة للحكومة، ما اعتبر رسالة قوية ضد الإسلاميين.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم