تحليل إخباري

هل تقضي حكومة التكنوقراط على الفساد في تونس؟

نجلاء بودن تؤدي اليمين الدستورية
نجلاء بودن تؤدي اليمين الدستورية via REUTERS - TUNISIAN PRESIDENCY

بعد 11 أسبوعا من إطاحة الرئيس التونسي قيس سعيد بالحكومة وتوليه السلطات، تم تعيين أعضاء الحكومة الجديدة برئاسة نجلاء بودن، أول امرأة تصل إلى هذا المنصب في المنطقة. وتتشكل الحكومة من 25 حقيبة وزارية وتشارك فيها تسع نساء، بالإضافة إلى رئيسة الوزراء، وهي حكومة وُصفت بالتكنوقراطية وتحمل شعار محاربة الفساد مع القطع مع مرحلة سيطرة الإسلاميين على مقاليد السلطة في تونس.

إعلان

حكومة تكنوقراط

وصف الكثير من المراقبين حكومة نجلاء بودن بالتكنوقراطية بامتياز، فجل الوجوه التي تم اختيارها لتولي الحقائب الوزارية غير معروفة بنشاطها السياسي، ولعل أولاها رئيسة الحكومة نجلاء بودن، الأستاذة الجامعية المتخصصة في علم الجيولوجيا، وغير المعروفة في الساحة السياسية بالبلاد، كما لم يعرف لها انتماء سياسي.

ويفسر العديدون هذا الاختيار بكون قيس سعيد، هو الذي سيكون الرئيس الفعلي للحكومة، وستكون صلاحيات نجلاء بودن وسلطات وزرائها محدودة ورهينة بتوجيهات رئيس البلاد وبإشراف منه، وذلك بناء على التغييرات التي أقرّها سعيّد على السلطة التشريعية والتنفيذية.  

فقيس سعيّد فرض يوم 22 أيلول/سبتمبر المنصرم، تدابير "استثنائية" أصبحت بمقتضاها الحكومة مسؤولة أمامه، فيما يتولى بنفسه إصدار التشريعات بمراسيم عوضا عن البرلمان. كذلك قرّر الرئيس رفع الحصانة عن النواب وتعليق رواتبهم والمنح المالية التي كانوا يتقاضونها. وقد فسر الكثيرون هذه الخطوة بالأولى والأساسية في طريق تغيير النظام السياسي البرلماني في البلاد الذي نص عليه دستور عام 2014، والعودة إلى نظام رئاسي ولو بشروط جديدة.

وتظهر قراءة أولية في التشكيلة الحكومية أن جل أعضائها هم جدد على العمل الحكومي والسياسي. فقليلة هي الأسماء التي سبق أن استوزرت، ومنها عثمان الجرندي وزير الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، وفتي السلاوتي وزير التربية. وقد كانا في الحكومة قبل 25 تموز/يوليو، وتوفيق شرف الدين الذي تولى حقيبة الداخلية من جديد، بعدما أقاله رئيس الحكومة السابق هشام المشيشي من المنصب مطلع العام 2021 إثر خلاف بين الرجلين تعلق بتعيينات في وزارة الداخلية.

أعضاء الحكومة التونسية الجديدة
أعضاء الحكومة التونسية الجديدة via REUTERS - TUNISIAN PRESIDENCY

أما باقي الأسماء فمنها أساتذة جامعيون أو مختصون في مجال من المجالات، من بينها أستاذ القانون بالجامعة التونسية عماد مميش، الذي عُين على رأس وزارة الدفاع. والمتخصصة في مجال الضرائب سهام بوغديري نمصية التي أصبحت وزيرة للمالية. كما عُيّن الخبير في المجال المصرفي سمير سعيد على رأس وزارة الاقتصاد والتخطيط.

ويؤكد فرج معتوق الأستاذ المختص في العلاقات الدولية، أن التونسيين عرفوا حكومات تقنوقراط بعد الثورة مع المهدي جمعة عام 2013، والذي كان يشتغل في أوربا مع شركات عالمية وترأس الحكومة بعد اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد براهمي، وكانت تونس في حالة انقسام أكثر من الآن.

فرج معتوق أستاذ العلاقات الدولية

محاربة الفساد

يربط رياض الصيداوي مدير المركز العربي للدراسات السياسية والاجتماعية بجنيف، بين اختيار الرئيس التونسي حكومة شباب وكفاءات وغير معروفين في الساحة السياسية المغربية، وبين عزم الرئيس قيس سعيد على محاربة الفساد المستشري في البلاد.

واعتبر الصيداوي أن هذا الاختيار نابع من الرغبة في تشكيل حكومة من شخصيات نظيفة ومستعدة للعمل وغير متورطة مع "شبكات الفساد والزبونية المنتشرة والمتوغلة في تونس"، ووصف هذا الأمر بالقطيعة مع تلك الشبكات واللوبيات التي أفسدت الحياة السياسية في البلاد، وتحكم فيها من وراء ستار، منذ عقود من الزمن.

فقد طغى شعار محاربة الفساد على خطاب الرئيس التونسي قيس سعيد، وازداد حديثه عنه بعد مسكه بزمام الأمور. وكان هذا الأمر من المهام الأساسية التي وضعها على طاولة الحكومة الحالية. فخلال تكليفه لنجلاء بودن بتشكل الحكومة، أعرب سعيد قيس سعيد عن تطلعه إلى العمل معها على استئصال الفساد و"الفوضى التي عمّت الدولة في العديد من المؤسسات".

وقد جدد قيس سعيد توجيهاته تلك خلال تنصيب الحكومة، ومباشرة بعد أداء الوزراء لليمين الدستورية، إذ دعاهم إلى "انقاذ البلاد ممن يتربصون بها في الداخل والخارج" و"من يعتبرون المناصب غنيمة" وقال: "سنفتح الملفات ولن نستثني أحدا ولا مكان لمن يريدون العبث بسيادة الدولة". وتابع "لقد نهبوا من أموال الشعب الكثير". وبينما لم يذكر الرئيس أسماء من يقصدهم، ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بتعليقات تؤكد أن الشعب التونسي يعرف من يقصد الرئيس وأن أوان محاسبتهم والحد من توغلهم قد آن.

بدورها أكدت بودن (63 عاما) في أول كلمة لها بعد تعيينها أن من أبرز مهام الحكومة الجديدة مكافحة الفساد و"استعادة الثقة بالدولة" واعادة الأمل للمواطنين وفتح مجال الاستثمار وتحسين ظروف العيش والإسراع في تنشيط الدورة الاقتصادية و"تشديد مبدأ المحاسبة".

رياض الصيداوي مدير المركز العربي للدراسات السياسية والاجتماعية بجنيف

ويؤكد فرج معتوق، أستاذ العلاقات الدولية أن قيس سعيد معروف بكونه رجل نظيف اليد ولا يعنيه المال، وقد رفع شعار محاربة الفساد لما له من أهمية كبرى لدى التونسيين، "ربما لأن هناك مسؤولون فاسدون في البرلمان، أناس يعلم الجميع مدى فسادهم وربما هذا ما أزعج التونسيين فجعلهم يكرهون البرلمان والسياسة". غير أن فرج معتوق أكد بالمقابل أنه مرت قرابة ثلاثة أشهر على مسك الرئيس بزمام السلطة وتكراره لشعار محاربة الفساد، لكن لم يحدث أي تغيير لحد الساعة.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم