إضاءة

5 أسئلة بخصوص عدم تجديد الجزائر عقد خط أنابيب الغاز الذي يعبر المغرب

في إن أميناس بالجزائر
في إن أميناس بالجزائر © أ ف ب

في خضم أزمة دبلوماسية تعصف بالعلاقات المغربية الجزائرية، دخل حيز التنفيذ، القرار الجزائري بعدم تجديد عقد استغلال أنابيب الغاز الذي يمر عبر المغرب نحو إسبانيا. ويؤكد الخبراء أن اتفاق أنبوب الغاز (غازوديك) كان مفيدا، وعلى مدى 25 سنة، لأربع دول هي الجزائر، البلد المصدر للغاز، والمغرب، البلد الذي يمر عبره، وإسبانيا والبرتغال، البلدان اللذان يستوردان الغاز الجزائري، وهو ما يعني أن قرار إيقاف الاتفاق سيضر بمصالح كل تلك الدول وإن بدرجات متفاوتة.

إعلان

بعد مرور 25 عاما على نقله للغاز من الجزائر في اتجاه إسبانيا، توقف الضخ عبر خط غازوديك الرابط بين الجزائر وإسبانيا والذي يمر عبر التراب المغربي، لتُطرح بذلك الكثير من الأسئلة حول سبب القرار وتداعياته على الدول المعنية والمنطقة بالإضافة إلى مصير أنبوب الغاز غازوديك.

1- هل هو قرار سياسي أم اقتصادي؟

لم يأت القرار الجزائري بعدم تجديد عقد استغلال أنابيب الغاز الذي يمر عبر الأراضي المغربية في اتجاه إسبانيا، بشكل مفاجئ. بل توقعه الخبراء قبل ذلك، وأعربت عنه الكثير من تصريحات المسؤولين الجزائريين. لكن الأمل في أن تتغلب المصالح الاقتصادية على الأزمات السياسية بين المغرب والجزائر، كان يدفع العديد من الأطراف إلى التفاؤل. غير أن تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بخصوص عزم بلاده على عدم تجديد العقد، أثبتت أن مصير أنبوب الغاز سيخضع لرهانات سياسية أكثر منها اقتصادية. وهو ما أكده بيان الرئاسة الجزائرية، الذي أعلن بشكل رسمي عن قرار عدم التجديد مبررا ذلك بما أسماه "الممارسات ذات الطابع العدواني من المملكة المغربية". وجاء في بيان للرئاسة الجزائرية: "أمر السيد رئيس الجمهورية، الشركة الوطنية سوناطراك بوقف العلاقة التجارية مع الشركة المغربية، وعدم تجديد العقد".

ويؤكد الخبير الاقتصادي محمد الشرقي، في حديث لمونت كارلو الدولية أن عدم تجديد الاتفاق ليس له مبرر من الوجهة الاقتصادية أو التجارية أو التقنية لأن خط الأنابيب كان يشتغل بشكل جيد على مدى ربع قرن. من جهته، اعتبر محمد كريم كافي، الباحث في جامعة السوربون وأكسفورد في حديث لمونت كارلو الدولية، أن قضية أنبوب الغاز هي "ديبلوماسية مائة بالمائة بالنظر إلى المشكل بين المغرب وإسرائيل أخيرا وأيضا المشكل المرتبط بما يسمى بصحراء البوليساريو بين الجزائر والمغرب". بينما يرى الخبير الاقتصادي الجزائري أمين طالبي أن القرار هو سياسي واقتصادي وأمر سيادي بالنسبة للجزائر، بحكم أنه لابد أن تكون هناك ضغوطات اقتصادية من قبل الجزائر على المغرب كي تظهر الجزائر مكانتها وقيمتها بين شعوب المنطقة.

محمد كريم كافي، الباحث في جامعة السوربون وأكسفورد

2- هل من بديل للجزائر وإسبانيا عن خط الانابيب المار عبر المغرب؟

تعد الجزائر المورد الرئيسي للغاز الطبيعي لإسبانيا، إذ تصدر لها ما يناهز نصف استهلاكها السنوي من الغاز. ومنذ عام 1996، زودت الجزائر كلا من إسبانيا والبرتغال، بحوالي 10 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويا عبر خط أنابيب المغرب العربي-أوروبا.

وتتخوف إسبانيا من أن يؤدي وقف اتفاق أنابيب الغاز عبر المغرب، إلى الخفض من الكميات التي تحصل عليها من الغاز الجزائري ما قد ينعكس سلبا، ليس فقط على حجم الخصاص وإنما أيضا على سعر الغاز. وقد حرصت السلطات الجزائرية على طمأنة نظيرتها الإسبانية بكونها اتخذت الإجراءات اللازمة للحد من الآثار السلبية لقرارها.

وأعلنت وزيرة التحول البيئي الإسبانية المسؤولة عن الطاقة تيريسا ريبيرا ووزير الطاقة والمناجم الجزائري محمد عرقاب، أنه سيتم ضمان إمدادات الغاز الجزائري إلى إسبانيا عبر مجمعات تحويل الغاز الطبيعي المسال وخط أنابيب الغاز ميدغاز الذي بدأ العمل به عام 2004 ويربط مباشرة الجزائر بإسبانيا.

ويؤكد خبراء أن ذلك الخط سوف لن يكون كافيا لمد البرتغال وأساسا إسبانيا بكل حاجياتهما، مما سيضطر الجزائر إلى البحث عن بدائل كالنقل عبر الأساطيل البحرية، االامر الذي  قد يؤثر على سعر الغاز وحجم الأرباح. فميدغاز ينقل حوالي 8 مليارات متر مكعب سنويًا. بينما كان خط غازوديك ينقل أكثر من 10 مليارات متر مكعب وهو ما كان يوفر ربع حاجيات إسبانيا من الغاز. وقد بدأت الاسر الإسبانية تعرب عن مخاوفها من أن يؤدي الوضع الحالي إلى الرفع من فاتورة الكهرباء والغاز والوقود بينما البلاد تعيش وضعا اقتصاديا صعبا والحاجيات للطاقة تزداد خلال فصل الشتاء.

لكن الخبير الاقتصادي الجزائري أمين طالبي أكد، في حديثه لمونت كارلو الدولية أن القرار الجزائري درس من كل النواحي قبل تنفيذه، عبر التباحث مع إسبانيا حول إمكانية إمدادها بالغاز بالشكل الكافي واحترام التوقيت، وأكد أن الجزائر عازمة على إيصال الغاز عبر ميدغاز في مشروع سيتم إنجازه في وقت قياسي، وأن ثمن الغاز قد ينزل بدلا من أن يرتفع كما يتوقع العديد من الخبراء.

أمين طالبي، الخبير الاقتصادي الجزائري

3- هل من بديل للمغرب عن الغاز الجزائري؟

مقابل عبور خط أنابيب الغاز عبر أراضيها، تحصل الرباط سنويا على نحو مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، وهو ما يمثل حوالي 50 مليون دولار كل سنة، ويتلقى المغرب نصف ذلك المبلغ على شكل حقوق طريق مدفوعة عينيا، والنصف الآخر يشتريه بثمن تفضيلي.

وقد أعلن المكتب الوطني المغربي للكهرباء والماء الصالح للشرب بأن القرار الذي أعلنته السلطات الجزائرية بعدم تجديد الاتفاق بشأن خط أنبوب الغاز المغاربي-الأوروبي "لن يكون له حاليا سوى تأثير ضئيل على أداء النظام الكهربائي الوطني". مؤكدا أنه "نظرًا لطبيعة جوار المغرب، وتحسّبًا لهذا القرار، فقد تمّ اتّخاذ الترتيبات اللازمة لضمان استمراريّة إمداد البلاد بالكهرباء"، كما أشار البيان إلى أنّه يتمّ حاليًا درس "خيارات أخرى لبدائل مستدامة، على المديَين المتوسّط والطويل". علما أن الغاز الجزائري كان يزود محطتين للطاقة الحرارية في تهدارت (شمال) وعين بني مطهر (شرق) بما يصل إلى نحو 700 مليون متر مكعب في السنة.

وحسب الخبير الاقتصادي محمد كريم كافي، فإن القرار الجزائري لن تكون له تداعيات كبرى على حاجيات المغرب من الغاز. واكد كافي أن الرباط لا تعاني من مشكل مرتبط بالتزود بالغاز، لأنها تتوفر على كميات منه ويمكنها في حالة الحاجة اللجوء إلى بدائل أخرى، من بينها الغاز الإسرائيلي. لكن كافي أكد بالمقابل أن الغاز الذي كان المغرب يشتريه من الجزائر بسعر تفضيلي قد يرتفع سعره، ما قد يؤثر سلبا على المغرب.

وبالنسبة لمحمد الشرقي، فإن  10 بالمائة فقط من حاجيات المغرب من الكهرباء يتم توفيرها بفضل الغاز الذي يمر عبر ذلك الأنبوب، بما يناهز 800 مليون متر مكعب من الغاز "والمغرب سيبحث عن بدائل لتلك الكمية من الغاز وربما سيحاول تحويل الغاز المسيل إلى غاز طبيعي. كما للمغرب بدائل أخرى من الطاقات المتجددة، والتي توفر حوالي 40 في المائة من حاجيات المغرب، إضافة إلى ما يناهز 40 بالمائة أخرى من الأحفوريات والفحم خاصة الفحم الأبيض المستورد من النرويج". ويضيف الشرقي أنه بذلك سوف لن يكون للقرار الجزائري تأثير جد سلبي على المغرب.

الخبير الاقتصادي المغربي محمد الشرقي

4- ما مصير أنبوب الغاز غازوديك؟

بدأ العمل بخط أنابيب غازوديك عام 1996، على مسافة تمتد إلى أكثر من 1400 كيلومترا، ويعبر أكثر من 540 كيلومترا من الأراضي المغربية. وقد مكن من نقل ما يناهز 10 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي كل سنة من الجزائر، في اتجاه إسبانيا والبرتغال.

وحسب الخبير الاقتصادي محمد الشرقي، فإن الاتفاق الذي كان يربط أطرافه والموقع عام 1996، ينص على أن "تستعمل إسبانيا أنبوب الغاز المار عبر المغرب لمدة 25 سنة، وتعود بعد ذلك ملكيته إلى المغرب" وبالتالي "قانونيا، لم يعد هناك أي مشكل متعلق بهذا الأمر والأنبوب أصبح ملكا للمغرب بشكل كامل".

ويؤكد الشرقي أن المغرب سيستغل الأنبوب ليتقدم في مجال التنقيب على الغاز بالبلاد، خاصة وأن "هناك شركة إسبانية كبيرة اكتشفت كميات هامة من الغاز في منطقة تندرارت يالمغرب. وهناك شركة بريطانية توصلت إلى اكتشافات لابأس بها تتعلق بالغاز، وخاصة في منطقة العرائش شمال البلاد". ويؤكد الشرقي أن "المغرب بات بإمكانه أن ينتج حوالي 40 مليون قدم مكعب، وبالتالي ربما أكثر من 60 بالمائة من حاجياته من الغاز".

محمد الشرقي الخبير الاقتصادي المغربي

5- ما هو مدى تأثير هذا المشكل على الاستثمارات الخارجية في المنطقة؟

يؤكد الكثير من الخبراء أن قضية أنبوب الغاز المار عبر المغرب، لن تكون لها تداعيات على الدول المرتبطة بالاتفاق فقط، بل ستؤثر أيضا على كامل المنطقة. إذ ستبعث رسالة مفادها أن الإشكاليات السياسية أقوى من المصالح الاقتصادية ما قد يؤثر على حجم الاستثمارات التي تأتي للمنطقة، والتي  تبحث عن الاستقرار السياسي وعدم الخلط بين الاقتصادي والسياسي.  ويؤكد محمد الشرقي أنه من الوجهة الاقتصادية والتجارية المنطقة هي الخاسرة والتالي هذا القرار سيعطي صورة سلبية للمستثمرين الذين سيتساءلون في كل مرة: "ما مصير الاستثمار الدولي والأجنبي حين يتعلق الأمر بالخلاف السياسي؟". 

محمد كريم كافي، الباحث في جامعة السوربون وأكسفورد

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم