السلطات الليبية تسعى إلى احتواء التوسع العمراني العشوائي

طرابلس - ليبيا
طرابلس - ليبيا © وكيبيديا

تحوّلت ظاهرة البناء العشوائي في ليبيا الى أزمة حقيقية في ظل استغلال مقاولين وتجار الفوضى التي تلت سقوط معمر القذافي قبل عشر سنوات، لوضع يدهم على أراض بشكل غير قانوني أنشأوا عليها سكنا عشوائيا، ما تسبّب في تغيير ملامح معظم مدن البلاد.

إعلان

بعد عشرة أعوام على رحيل الدكتاتور معمر القذافي، وبدء مسار سياسي قبل أشهر في محاولة لإعادة البلاد الى سكة القانون والسلم، تجهد الدولة التي نهشتها الصراعات الأهلية والانقسام السياسي، لتلقف مشكلة البناء العشوائي خارج المخططات الحضرية المعتمدة، وإيجاد حلول لها.

وتعد مدينة بنغازي، ثاني أكبر مدن ليبيا، الشاهد الأكبر على حجم ظاهرة التوسع العمراني العشوائي، بعد أن شهدت عمليات عسكرية شرسة خلال الأعوام الماضية قضت على أجزاء كبيرة من أحيائها.

ويقول مدير مكتب المشروعات في بلدية بنغازي (شرق) أسامة الكزة لوكالة فرانس برس إن مساحة مدينة بنغازي "كانت قبل العام 2009، 32 ألف هكتار، وتبلغ مساحتها الآن نتيجة للعشوائيات 64 ألفا"، لافتا إلى أن نصف بناء المدينة خارج المخطط العام الذي وضعته الدولة.

على بعد ألف كيلومتر الى الغرب، في العاصمة طرابلس، أقيمت أحياء جديدة كاملة من دون أي ترخيص بناء.

ويتحدث وزير الإسكان والتعمير في الحكومة الليبية أبوبكر الغاوي عن "عدم قدرة الدولة على مجاراة العشوائيات التي انتشرت بسرعة، كونها لم تعتمد مخططات حضرية جديدة".

ويشير الى  سلسلة اجتماعات تعقد مع المختصين وعلى رأسهم مصلحة التخطيط العمراني، للإسراع في إنهاء مرحلة "الجيل الثالث للمخططات الحضرية" في مختلف أنحاء البلاد، إضافة إلى التعاقد مع مكاتب هندسية محلية ودولية تعمل على تهذيب المخططات العشوائية التي توسعت على مدى الأعوام العشر الماضية.

واعتُمد الجيل الأول للمخطط العمراني في ليبيا في العام 1966، فيما اعتُمد الجيل الثاني في العام 1980، ولم تُنفّذ مرحلة الجيل الثالث التي اعتُمدت في العام 2009 نتيجة تسارع الأحداث ودخول البلد في ثورة أطاحت بحكم القذافي في العام 2011.

دمار ونزوح

في غفلة من الدولة الهشة، تمّ جرف آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية عند أطراف بنغازي وتقسيمها الى مخططات عشوائية بمساحة 500 متر مربع لكل قطعة لتبنى عليها مساكن وأحياء كاملة، رغم انعدام البنية التحتية للمخطط تماما.

حتى الآن، ما تزال الدولة عاجزة عن احتواء توسع البناء العشوائي، وفشلت في إعادة تخطيط المناطق المتضررة عمرانيا في بنغازي بسبب الحرب التي تسببت في نزوح عدد كبير من قاطنيها منذ العام 2014 واستقرارهم في مساكن عشوائية بعد دمار منازلهم.

ووقعت معارك ضارية في بنغازي بين 2014 و2017 بين قوات المشير خليفة حفتر، الرجل القوي في شرق البلاد، والجماعات الإسلامية المسلحة، ما تسبب في تدمير مناطق عديدة.

ويقول جلال القطراني، وهو موظف في الثامنة والأربعين بنى مسكنا جديدا في حي جديد من بنغازي التي شهدت انطلاق الانتفاضة الشعبية ضد القذافي، "تركنا منازلنا التي كانت في وسط المدينة بسبب الحرب"، مضيفا "بعد انتهاء المعارك، كانت هذه المنازل مدمرة وغير صالحة للسكن".

ويتابع "لم يكن في إمكاننا دفع الإيجار، فاضطررنا الى بناء منزل صغير في قطاع أنشأنه سكان بشكل عشوائي، في غياب خطة عامة من الدولة أو مساعدة لإعادة بناء الأحياء المدمرة".

ويقول مسؤول المشروعات في بنغازي إن "هناك أكثر من 50  ألف وحدة سكنية خارج المخطط العام في المدينة لا يتوافر فيها الحدّ الأدنى من المعايير التخطيطية للتجمعات من حيث الطرق الرئيسية والفرعية وممرات المشاة والحدائق ورياض الأطفال والمدارس والمراكز الصحية والتجارية والإدارية".

ويرى أن الأمر يشكل "خطرا على الاقتصاد الوطني لعدم جباية عوائد استهلاك الكهرباء والمياه، وغيرها من الخدمات العامة".

ويحاول جهاز الحرس البلدي المعني بتطبيق "الأمن الاقتصادي" جاهدا الحد من البناء العشوائي. ويمكن خلال التجول في المخططات العشوائية رؤية لافتات كتب عليها بالطلاء الأحمر على جدران المباني "إيقاف البناء ومراجعة الجهاز".

ويقول وكيل وزارة الإسكان والتعمير للشؤون الفنية خالد العبدلي "المخططات العشوائية تجاوزت الجيل الثالث من المخطط الحضري  لبنغازي"، مؤكدا سعي الدولة لوضع خطط "قابلة للتنفيذ لتدارك الوضع القائم ومعالجته".

ويقول رئيس مصلحة التخطيط العمراني عبد الحكيم عامر إن "الأمر يتطلب تخطي كافة أنواع البيروقراطية الادارية بشكل عاجل وانتهاج منهج الحل السريع واستخدام أحدث التقنيات وطلب العون والمعرفة" من خبراء متخصصين.

ويوضح أن الأمر يهدف إلى إطلاق مرحلة تخطيطية جديدة أساسها تحديث المخططات الحضرية المعتمدة خلال الأجيال السابقة، والاستفادة من المعلومات وما أنجز من "الجيل الثالث".

تحرك في طرابلس 

في طرابلس، الحاجة ماسة الى مساكن. فقد تسببت المعارك في محيط العاصمة في 2019 و2020 بدمار كبير وحركة نزوح واسعة.

ومنذ بضعة أسابيع، بدأت السلطات حملة كبيرة ضد البناء غير المرخص، لا سيما على طول الكورنيش حيث تود اليوم عشرات المقاهي والمطاعم والمساكن.

وتم جرف عشرات المحال التجارية والمساكن غير المرخصة، لكن أي حل بديل لم يقدّم لشاغليها الذين اضطروا لمغادرتها من دون إنذار مسبق.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم