إضاءة

الجزائر: مساعدات مالية بقيمة 400 مليون دولار لتونس وفلسطين. هل يُجمع الجزائريون على قرارات رئيسهم؟

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في العاصمة الجزائر
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في العاصمة الجزائر © رويترز

تسلمت تونس قرضا ماليا بقيمة 300 مليون دولار من الجزائر في إطار توطيد العلاقات الاقتصادية بين البلدين. وقد جاء الإعلان عن ذلك بعد مرور نحو أسبوع من قرار الجزائر منح مبلغ بقيمة 100 مليون دولار للسلطة الفلسطينية. وفيما تُجمع أصوات من المعارضة الجزائرية على صواب قرار الرئيس عبد المجيد تبون إلا أن البعض انتقد الطريقة التي وُزعت من خلالها تلك المبالغ باعتبارها جزءً من المال العام وأن الجزائريين أولى بها في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد حاليا.

إعلان

جاء نبأ تقديم الجزائر قرضا بقيمة 300 مليون دولار لجارتها تونس، قبل يوم من زيارة الرئيس عبد المجيد تبون إلى تونس في ال 15 ديسمبر/ كانون الأول هي  أول زيارة دولة خارجية منذ توليه الرئاسة. وقد أثار النبأ تعليقات بعض المحللين والنشطاء الجزائريين على شبكات التوصل الاجتماعي انتقدوا فيها السلطات الجزائرية على توزيعها المال العام دون استشارة الشعب الجزائري من خلال مؤسسات الدولة كالبرلمان أو مجلس الدولة أو من خلال قوانين تضبط قيمة المساعدات المالية المقدمة لدول أخرى.

سمير يحياوي:"يجب استشارة الشعب قبل تقديم مساعدات مالية إلى الخارج"

في هذا السياق اعتبر الناشط والمحلل السياسي سمير يحياوي أنه من حيث المبدأ يحق للجزائر أن تساعد دولة أخرى لكنه استطرد بالقول: "يظهر أن النظام كأنه يأخذ تلك الأموال من جيبه وكأنها أمواله الخاصة" وأضاف بأنها "أموال عمومية لا يمكن التلاعب بها" مؤكدا على رأيه "بأنه يجب أن تُسيَّر الدولة بطريقة احترافية، يعني باحترام قوانين الجموهورية".

وتساءل السيد سمير يحياوي "كيف يمكن للدولة أن تمنح 400 مليون دولار بينما تمر مختلف القطاعات في البلاد بأزمات شديدة كالصحة والتربية وغيرها... كما قال في حديثه لمونت كارلو الدولية:

المال مال الشعب وليس مال الدولة
الناشط والمحلل السياسي سمير يحياوي

 

حسين جيدل:"من صلاحيات الحكومة أن تقدم مساعدات خارجية، دون استشارة" 

الناشط المعارض والباحث في الأنثروبولوجيا السياسية الجزائري حسين جيدل اعتبر من جهته أن قرار السلطات الجزائرية منح قرض بقيمة 300 مليون دولار لجارتها تونس هو قرار صائب باعتبار تونس "ظهر الجزائر" و"امتدادا حيويا وجيوستراتيجيا لها" وأضاف أن تقديم قرض لدولة أخرى هو من صلاحيات الحكومة ولا يستدعي أي استشارة.

واتفق السيد جيدل إلى حد ما مع الانتقادات التي مفادها أن القرض "قُدم دعما لانقلاب الرئيس قيس سعيد على المسار الديموقراطي في تونس" ولكنه استطرد بالقول إن ذلك "يبقى من واجب الجزائر كدولة محورية في المنطقة" أن تدعم جارتها تونس.

الناشط والمحلل السياسي حسين جيدل

 

زبيدة عسول:" الجزائريون والتونسيون شعب واحد" 

من جهتها أكدت المعارضة الجزائرية والمحامية زبيدة عسول أن تونس بلاد شقيقة و"لا يمكن الوقوف في وجه مساعدات لهذا البلد الذي يمر بصعوبات اقتصادية ومالية غير مسبوقة" كما أن ذلك يأتي في سياق تاريخ الجزائر النضالي الداعم لدول الجوار، بحسب ما أدلت به رئيسة حزب "الاتحاد من أجل التغيير":

المحامية والمعارضة زبيدة عسول

 

زبيدة عسول: "المسألة مرتبطة بالحَوْكمة في الجزائر وبأحكام الدستور التي تُركز كل السلطات في يد رئيس الجمهورية"

 وأضافت المحامية زبيدة عسول أن المسألة لا تتعلق بالمساعدات التي اعتبرتها مشروعة بحق الفلسطينيين والتونسيين وإنما هي تتعلق الحوكمة في الجزائر مؤكدة أنها غير راضية كمعارضة على طريقة تسيير الشأن العام وطريقة التصرف في المال العام".

وأضافت السيدة عسول أن الإشكال يكمن في أن أحكام الدستور تضع كل السلطات والصلاحيات "بين يدي شخص واحد وهو رئيس الدولة"، يضاف إلى ذلك "عدم وجود قوى مضادة أو رقابة قبلية أو بعدية على كيفية صرف المال العام" وأن هذا ما تسعى المعارضة إلى تغييره بحيث تطالب بالفصل والتوازن بين السلطات:

المحامية والمعارضة زبيدة عسول

 

حبيب براهمية: "الأمن القومي لتونس مرتبط بالأمن القومي للجزائر"

 السيد حبيب براهمية، المكلف بالاتصال في حزب "جيل جديد" المعارض، أكد من جهته على ضرورة التضامن مع الشعب الفلسطيني وكذلك مساعدة الشعب التونسي باعتبار أن "الأمن القومي لتونس مرتبط أيضا بالأمن القومي الجزائري" وأنه من الضروري الوقوف مع الدول الشقيقة حتى لا تسقط في "موضع حصار لوبيهات" قد تستغل ظروفها الاقتصادية لأمور أخرى كما قال.

وأكد حبيب براهمية أن الدولة الجزائرية تقوم بدورها فيما يخص "تقوية الموقف الجزائري في المنطقة العربية ومنطقة شمال أفريقيا والمنطقة المغاربية".

أما عن طريقة تقديم القرض المالي لتونس فأشار حبيب براهمية إلى أن الأمور حاليا لا تقارن ب"الصفقات الكبرى للنظام السابق التي كانت تُعقد في سرية"، فاليوم يتعلق الأمر بقرض رسمي باسم الجزائر مؤكدا أن المبادرة هي "في صالح الشعبين الجزائري والتونسي".

الأمور لا تقارن بصفقات النظام السابق
المعارض حبيب براهمية

 

ما الذي تسعى إليه الجزائر من هذه التحركات؟

ربط محللون تحركات الجزائر بالتوتر السائد في المنطقة بعد قطع علاقاتها مع المغرب. وقُرئ في ذلك أن الجزائر تريد أن ترسل رسالة "بأنها تبقى الدولة المحورية في المنطقة" بحسب تقدير الباحث في الأنثروبولوجيا السياسية حسين جيدل وأضاف "الجزائر تريد أن تقول إن تونس تعتبر منطقة نفوذ جزائرية وأنه لا يمكن لأي دولة أخرى أن تتدخل في شأن تونس دون أن يكون للجزائر رأي أو قرار في ذلك".

الناشط والمحلل السياسي حسين جيدل

أما بالنسبة للمساعدة الممنوحة للسلطة الفلسطينية فقد اعترضت بعض الأصوات الجزائرية معتبرة أن هذه السلطة تعاني من سوء سمعة الفساد وبالتالي شككت في أن تصل تلك الأموال إلى جيوب الفلسطينيين وأنه كان من الأولى أن تُمنح للمواطنين الجزائريين الذين هم بأمس الحاجة إليها.

السيد حسين جيدل اعتبر أنها انتقادات مبالغ فيها كما أكد أن هدف الجزائر من مساعدة الفلسطينيين ليس ردا على التدافع المغربي نحو إسرائيل وإنما يندرج في إطار تثبيت دور الجزائر في الشرق الأوسط، حسب تقديره.

الناشط والمحلل السياسي حسين جيدل

 

يذكر أن الجزائر تأثرت كثيرا من تبعات جائحة كورونا وتدهور أسعار النفط الذي ما يزال يشكل المصدر الرئيسي لعائدات البلاد. فسجلت تضخما كبيرا وانخفاضا ملموسا للقدرة الشرائية للجزائريين كما تقلص احتياطي العملة الصعبة بشكل يقلق المراقبين بينما تعاني قطاعات اقتصادية مهمة من حالة ركود. إلى أزمتها الاقتصادية تضاف أزمة دبلوماسية تعيشها الجزائر مع كل من فرنسا والمغرب.

بدورها تونس تعيش أزمة اقتصادية أكثر حدة وتتزامن مع أزمة سياسية تطغى عليها التدابير الاستثنائية التي فرضها الرئيس قيس سعيد منذ ال25 من يوليو تموز الماضي.

زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى تونس، التي استغرقت يومين، أفضت إلى توقيع 27 اتفاقية ومذكرة تفاهم بين البلدين، وقد تشكل "متنفسا للطرفين" بحسب توقعات بعض المراقبين.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم