تحليل إخباري

جهاز حرس المنشآت النفطية يغلق حقولا والحكومة تريد الرفع من الإنتاج

موقع راس لانوف النفطي في ليبيا ( رويترز)

يعول الاقتصاد الليبي المنهك على الاستثمار في مجال النفط لزيادة إنتاجه، إلى ما يناهز 2.1 مليون برميل يوميا في أفق العامين المقبلين، في وقت تعصف بالقطاع مشاكل عديدة، ليس أولها الوضع الأمني غير المستقر في البلاد والتجاذبات السياسية التي تمس هذا القطاع، ولا آخرها التهريب ومشاكل التدبير التي يعيشها، والتي أدت إلى إغلاق عدد من حقول النفط، في ما ينذر بالإضرار بقطاع تعول عليه البلاد لتجاوز أزمتها الاقتصادية الحادة.

إعلان

أعلن فرع الجنوب الغربي لجهاز حرس المنشآت النفطية عن قرار إيقاف العمل في عدد من حقول النفط جنوب البلاد، وفي خمس من دوريات حماية خطوط نقل النفط والغاز جنوب غرب ليبيا. وقد أكد الفرع أن عملية الإيقاف تمت بسبب عدم تلبية مطالب الحرس في الفرع، وأن هذا القرار سيبقى ساري المفعول إلى حين الاستجابة لتلك المطالب، والمتمثلة في صرف علاوات إضافية لرواتب أفراد الحرس، وصرف أرقام عسكرية لهم، بينما أكدت مصادر أخرى أن الأمر تم بسبب خلاف بين وزير النفط والغاز في ليبيا، محمد عون، ورئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مصطفى صنع الله. إذ يطالب الوزير بإقالة مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط.

وبغض النظر عن خلفيات الإغلاق، فإن هذه العملية تأتي لتقوض مطامح ليبيا في الرفع من إنتاجها من النفط. إذ جاء القرار في وقت تخطط فيه البلاد للرفع من هذا الإنتاج إلى حوالي 1.4 مليون برميل مع حلول منتصف العام المقبل، على أن يرتفع الإنتاج إلى 2.1 مليون برميل يوميا خلال عامين أو ثلاثة على الأكثر. بينما يتراوح الإنتاج حاليا ما بين 1.25 مليون و1.3 مليون برميل يوميا.

وحسب مؤسسة النفط في ليبيا، فإن عملية الإغلاق شملت أربعة حقول وتمت بالقوة، وهي حقول "الشرارة والفيل والوفاء والحمادة"، ما تسبب في خسائر تجاوزت "300 الف برميل يوميا"، أي نحو ثلث الإنتاج الوطني اليومي. وقد أعلنت المؤسسة حالة القوة القاهرة، والتي تُعد تعليقا مؤقتا للعمل. وقال رئيس مؤسسة النفط في ليبيا، مصطفى صنع الله "لا يمكن لنا ان نقبل أو نغض الطرف عن هذه الممارسات التي تسبب معاناة للمواطنين، ولا يمكن جعل هذه الممارسات وسيلة تسيس قوت الليبيين لأغراض جهوية أو لتحقيق مكاسب ومصالح أفراد، ولن نسمح لهؤلاء بلعب دور في قطاع النفط الوطني".

وقد حذرت شركة الكهرباء الحكومية من أن هذا الإغلاق قد يتسبب في خسارة نحو نصف إنتاج الشركة من الطاقة. وقالت الشركة في بيان إن الإغلاق "سيؤدي إلى فقدان ما يقارب 2500 ميغاوات، ما سيترتب عليه صعوبات فنية في تلبية الطلب المتزايد على الطاقة، وزيادة ساعات طرح الأحمال خصوصا في هذه الأيام التي تشهد انخفاضا في درجات الحرارة".

وتشمل الحقول التي تم إغلاقها، حقل الوفاء الواقع على مسافة 500 كلم جنوب غرب طرابلس، والذي ينقل إمدادات ضخمة من الغاز إلى مجمع شركة مليتة للنفط والغاز غرب طرابلس، الذي تديره شركة "إيني" الإيطالية للطاقة بالشراكة مع ليبيا. وهو المجمع نفسه الذي ينقل إمدادات الغاز إلى إيطاليا عبر أنبوب بحري ضخم يربطها مع ليبيا. وينقل معظم إنتاج حقل الشرارة النفطي عبر صمامات إلى ميناء الزاوية غرب طرابلس.

أيضا تم إغلاق حقل الشرارة الذي يعد الأهم في منطقة الجنوب الغربي للبلاد، والذي يقع في أوباري حوالى 900 كلم جنوب طرابلس، وهو أحد أكبر الحقول النفطية في ليبيا وينتج كحد أقصى 315 ألف برميل يومياً، وتسيره شركة أكاكوس ذات الأسهم المشتركة بين المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا وشركة ريبسول الإسبانية وشركة توتال الفرنسية وشركة أو إم في النمساوية. ثم حقل الوفاء بإنتاج يناهز 42 ألف برميل يوميا، وحقل الحمادة الذي ينتج 7 آلاف برميل يوميا.

وتنتج ليبيا أكثر من خمسة آلاف ميغاوات من الطاقة يوميا، لكن هذه الكمية غير كافية لتلبية استهلاك البلاد، وخصوصا في ذروتي الشتاء والصيف.

ويؤكد كميل ساري، أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية بجامعة السوربون بباريس، أن توقف استغلال النفط لعدة مرات لأسباب سياسية ونتيجة للصراعات بين الميليشيات وأيضا بين القوى السياسية، مما يخلق جوا من عدم الاستقرار بما فيه في مجال الإنتاج. ويضيف ساري أن "الكل يعلم أن استغلال النفط لا يمكنه أن يتواصل بشكل جدي وفعال إلا باستثمارات متوالية وعقلنة لكل مراكز التنقيب الخاصة باستخراج النفط والغاز وتصديره. لكن إذا لم تكن هناك حكومة ديمقراطية وشرعية ستبقى ليبيا في وضع غير مستقر، ما سيؤثر بشكل أكبر ليس فقط على اقتصادها وإنما على مختلف القطاعات الأخرى كالصحة والتعليم، والمواطنون هم الذين يؤدون الثمن".   

كميل ساري، أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية بجامعة السوربون بباريس
كميل ساري، أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية بجامعة السوربون بباريس

النفط مورد أساسي للبلاد

تمتلك ليبيا أكبر احتياطيات مؤكدة من النفط الخام في أفريقيا. ويشكل النفط المصدر الرئيسي لدخلها القومي. فوفق المعطيات الرسمية، يساهم هذا القطاع بأكثر من 95% من الناتج الإجمالي المحلي وسط دعوات بأن يتم تنويع مصادر الدخل في البلاد، والاعتماد على النفط بشكل مرحلي لتطوير اقتصاد البلاد والتخلص من التبعية الكبرى لهذا المنتوج الحيوي.

ويؤكد الخبير الاقتصادي كميل ساري، أن "النفط يعد المدخل الرئيس من ناحية العملة الصعبة لليبيا بما نسبته 80 في المائة من صادرات البلاد، فليبيا ليست بلدا فلاحيا ولا توجد فيه صناعة متطورة وقد زعزعت الحرب التي تعيشها البلاد أركان هذا العرش. علما أن أكثر من ستة ملايين شخص كانوا يعيشون اعتمادا على الرواتب التي توفرها الدولة، وقد ضاعف عدم الاستقرار السياسي والجيو استراتيجي والأمني من حجم الحاجة إلى هذه المادة، خاصة في ظل إفلاس العديد من القطاعات وأساسا الصحة والتعليم. كما ضعفت القدرة الشرائية بشكل حاد، عدا عن هجرة العديد من رجال ونساء الأعمال والموظفين السامين، ما ضاعف من أزمة الاقتصاد الليبي".

كميل ساري، أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية بجامعة السوربون
كميل ساري، أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية بجامعة السوربون

وحسب وزير النفط الليبي، فإن حجم الاحتياطي الليبي يناهز 48.4 مليار برميل، وهو رقم لم يتم تحديثه منذ سنوات، مما يدفع المسؤولين إلى القول بأنه قد يكون أكبر من ذلك بكثير. لكن استغلال النفط في ليبيا تضرر من الوضعية التي تعيشها البلاد، ما يدفع إلى الحديث عن حاجة لبرنامج محكم لتطويره بميزانية قد تزيد عن 7 مليارات دينار ليبي، أي حوالي 1.52 مليار دولار أمريكي. وقد وعد وزير النفط الليبي، بإمكانية منح مكافآت لشركات نفطية تفي بتعهداتها لزيادة الإنتاج إلى (1.4) مليون برميل يوميا بحلول منتصف عام 2022، مع إمكانية عقد الدولة اتفاقيات خدمات نفطية مع شركات وطنية أو أجنبية خاصة لتطوير الحقول وتعزيز الإنتاج.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم