إضاءة

ستة أسئلة بخصوص مفاوضات تونس مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض

ورقة نقدية جديدة تحمل صورة أول طبيبة تونسية في البلاد وفي المغرب العربي
ورقة نقدية جديدة تحمل صورة أول طبيبة تونسية في البلاد وفي المغرب العربي © فيسبوك( هنا تونس)

أعادت التصريحات التي أدلى بها جيروم فاشيه ممثل صندوق النقد الدولي في تونس، قبيل مغادرته منصبه، مسألة المفاوضات بين تونس وصندوق النقد الدولي للحصول على قرض، إلى الواجهة، خاصة في ظل تعثر المفاوضات مع الصندوق. وكان جيروم فاشيه أكد، مع انتهاء سنوات ولايته الثلاث، أن تونس تحتاج للقيام ب"إصلاحات عميقة جدا" حتى تتمكن من الحصول على مصادر تمويل دولية. ويطرح هذا الموقف نقاشا متعدد الجوانب وأسئلة كثيرة لدى الرأي العام سواء في تونس أو في الخارج.

إعلان

لماذا تحتاج تونس إلى تمويلات خارجية؟

تعيش تونس ركودا اقتصاديا يعد الأكبر من نوعه منذ استقلالها عام 1956. إذ تعاني البلاد من عجز كبير في الميزانية ومن ثقل الدين العام الذي وصل إلى حوالي 100 % من إجمالي الناتج المحلي نهاية عام 2021.  

ويؤكد الخبير الاقتصادي التونسي عز الدين سعيدان، في حديث لمونت كارلو الدولية، أن وضعية الاقتصاد التونسي صعبة جدا وتشهد ركودا كبيرا، "إذ أصبح لا يسجل نموا ولا يخلق ثروة ولا مناصب شغل، وبالتالي تراكمت الديون ووصلت البلاد إلى مستوى بات من الصعب على البلاد تسديد ديونها معه بشكل طبيعي. وهو أمر يجد تجليه في التصنيف الائتماني أو الترقيم السيادي لتونس الذي تمت مراجعته نحو الأدنى تسع مرات منذ بداية الثورة، وباتت تونس في مستوى "جيم" وهو مستوى سيء للغاية، ويعني أن البلاد أصبحت مصنفة بلدا بمخاطر عالية جدا. ويضيف سعيدان أن كل هذا أدى إلى عدم قدرة البلاد التونسية على الدخول للسوق المالية الدولية للاقتراض، ولم يعد للحكومة من حل سوى اللجوء إلى صندوق النقد الدولي.

عز الدين سعيدان، الخبير المالي والاقتصادي

ما هي مطالب صندوق النقد الدولي

 يشترط صندوق النقد الدولي على السلطات التونسية القيام بالعديد من الإصلاحات التي يعتبرها جوهرية. من بينها أساسا التخفيف من الثقل الكبير الذي يتسبب فيه العدد الكبير لموظفي القطاع العام والذي يصل إلى ما نسبته 16 في المائة من إجمالي الناتج المحلي. إذ يصل عدد الموظفين الرسميين إلى أكثر من 650 ألف شخصا، ما يكلف خزينة الدولة حوالي نصف نفقاتها السنوية، دون احتساب السلطات المحلية والشركات العامة. ويعتبر صندوق النقد الدولي أن تلك الكتلة من الأجور في الوظيفة العمومية، تعد من بين الأكبر في العالم حتى بالمقارنة مع الوضع في مصر والمغرب ولبنان والأردن، ما يؤدي، حسب جيروم فاشيه، إلى استنزاف الميزانية العامة للبلاد ويحول دون الرفع من "النفقات المستقبلية ونفقات التربية والصحة والاستثمارات"، علما أن اتهامات عديدة وُجهت لحكومة الترويكا التي قادتها حركة النهضة عام 2012، باللجوء المفرط إلى التوظيف في الوظيفة العمومية، والتي أدت إلى رفع نسبة تكاليف التشغيل في القطاع العام من ثلث ميزانية الدولة إلى نصفها.

ويطالب صندوق النقد الدولي السلطات التونسية أيضا بتدشين إصلاح "عميق" للشركات العامة التي تشتغل في مجالات مختلفة من اتصالات وكهرباء ومياه شرب ونقل جوي والتي تتمتع في غالب الأحيان بالاحتكار وتوظف ما لا يقل عن 150 ألف شخص. إذ يؤكد الصندوق وجود حاجة كبرى إلى بذل جهود داخل تلك المؤسسات لتحقيق الفعالية وتحسين الخدمات العامة.

ويطالب الصندوق أيضا بمواءمة إصلاح نظام دعم الوقود والسلع الأساسية مع وضع آليات تمكن من تخصيص مساعدات تتجه نحو المعوزين. ويعتبر الصندوق أن الوضع الحالي لهذا الدعم يتسم بطابع غير متكافئ خاصة في ما يتعلق بدعم المحروقات. عدا عن ذلك، يطالب الصندوق بالحد من ارتفاع البطالة في البلاد التي تتجاوز 18 في المائة وتهم الشباب بشكل كبير.

عز الدين سعيدان، الخبير المالي والاقتصادي

ما هي أهمية موافقة صندوق النقد الدولي على منح تمويلات لتونس؟

تراهن السلطات التونسية على مساعدة صندوق النقد الدولي كي تخرج من نفقها الاقتصادي المظلم. إذ طلبت البلاد الحصول على قرض بقيمة 4 مليار دولار.

ويؤكد العديد من المراقبين أن صندوق النقد الدولي أصبح الملاذ شبه الأخير لتونس في ظل انسداد جل آفاق التعاون الثنائي والمتعدد الأطراف للحصول على التمويلات المالية للخروج من أزمتها الاقتصادية. وبالنسبة إلى د. محمد كريم الكافي أستاذ إدارة الأعمال بجامعة باريس و أكسفورد، في حديث لمونت كارلو الدولية، فإن موافقة صندوق النقد الدولي على أي قرض لأي بلد في العالم، يكون له تأثير إيجابي على الدول الأخرى لإعطاء قرض للبلد المعني. وبالتالي، يؤكد الفقي أنه ليس من حل أمام تونس اليوم إلا اللجوء إلى صندوق النقد الدولي لأنه هو الذي سيعطي الضوء الأخضر لدول وبنوك مالية أخرى لإعطاء هذا البلد قروضا، خاصة وأنه حتى الاعتماد على الإمكانيات الداخلية للبنوك التونسية، بات أمرا غير مجدي لكونها تعاني بدورها من انخفاض كبير جدا في السيولة الداخلية.

ويدعم الخبير المالي والاقتصادي عز الدين سعيدان ذلك الطرح بتأكيده أن كل المؤسسات المالية في العالم حتى تلك تنتمي للقطاع الخاص تصطف وراء موقف صندوق النقد الدولي من الدول التي تطلب منها قروضا. علما أن الاتحاد الأوربي ودولا كبرى أخرى، ربطت تقديم أي مساعدة أو قرض لتونس بضوء أخضر يصدر بشكل مسبق عن الصندوق.

د. محمد كريم الكافي أستاذ إدارة الأعمال بجامعة باريس و أكسفورد

لماذا تعثر مسار المفاوضات مع صندوق النقد الدولي؟

تتعثر المفاوضات بين السلطات التونسية وصندوق النقد الدولي ليس فقط بسبب الوضعية الاقتصادية للبلاد وإنما أيضا بالنظر إلى ما وصفه مراقبون بعدم احترام تونس لالتزاماتها المتعلقة بقروض سابقة. وحسب عز الدين سعيدان فإن تونس لم تتقدم بأي برنامج إصلاحي لحد الآن، واكتفت بتقديم طلب رسمي وقعته رئيسة الحكومة نجلاء بودن، والذي تطالب بموجبه بالحصول على قرض ب 4 مليار دولار ولكن المنح يبقى بالتوصل إلى توافق داخلي مع النقابات وغيرها على البرنامج لضمان تنفيذه دون عقبات.

ويؤكد محمد كريم الكافي أن "المفاوضات تلازم مكانها مع صندوق النقد الدولي منذ حوالي سنة ونصف لكون تونس لا تتوفر على برنامج تقني لإصلاح النمو الاقتصادي للبلاد، والمشكل متوقف على بلورة برنامج تقني وهو أمر غير مفهوم، ويوجد تباطئ كبير في إخراجه".

ويفسر عز الدين سعيدان هذا التعثر بسبب تاريخي لأن تونس تتوفر منذ عام 2013 على برنامج مع صندوق النقد الدولي، "وحصلت على قرض مقابل برنامج إصلاحات تعهدت به ولم تلتزم بتلك الإصلاحات وتمت معاقب تونس بإلغاء القسط الأخير من القرض ثم عادت تونس في 2016 بعد المصادقة على دستور جديد وانتخابات جديدة وحكومة جديدة وتقدمت بطلب للحصول على قرض وحصلت عليه، غير أنها لم تلتزم بتلك الإصلاحات، ما أدى إلى حدوث مشكل مصداقية بين تونس وصندوق النقد الدولي وبالتالي تحتاج السلطات التونسية إلى أن تكون  مقنعة بشكل كبير هذه المرة وأن تظهر قسطا كبيرا من الجدية والتوافق الداخلي حتى يتم الثقة في أنها قادرة على الالتزام بتعهداتها، وهذا صعب لكنه ممكن".

عز الدين سعيدان، الخبير المالي والاقتصادي

ما هو موقف النقابات التونسية من مطالب الصندوق؟

لا تخوض الحكومة التونسية مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي بمعزل عن التأثير السياسي والاجتماعي الذي قد يكون لأي قرار سيتم اتخاذه. فخفض كتلة الأجور يعني القيام بعمليات تسريح أو مغادرة طوعية أو غير ذلك، ما يثير حفيظة النقابات وخاصة الاتحاد العام التونسي للشغل (المركزية النقابية في البلاد). إذ سبق للأمين العام للاتحاد نور الدين الطبوبي أن صرح بأن الاتحاد "لن يدعم أي خيارات تمس قوت الشعب التونسي أو تضرب القطاع العام أو الاستحقاقات الوطنية"، علما أن صندوق النقد الدولي يشترط توصل الحكومة إلى توافق مع الأطراف الحكومية كي تضمن تطبيق وعدم عرقلة الإصلاحات. ويؤكد عز الدين سعيدان أنه "هنا تكمن الصعوبات إذ تحتاج الحكومة إلى الحصول على موافقة من الاتحاد لأن تبعات الإصلاحات ستكون عسيرة وسيتحملها المواطن التونسي وخاصة الطبقات الفقيرة والمتوسطة في تونس ولحد الآن لم يحصل هذا الاتفاق ومشروع برنامج الإصلاحات الذي تقدمت به للحكومة لم يحصل وبالتالي نحن لا زلنا في مرحلة محاولة التوصل إلى توافق داخلي قبل التوجه إلى صندوق النقد الدولي".

هل هو رفض سياسي أم اقتصادي؟

يؤكد العديد من المراقبين أن قرارات صندوق النقد الدولي لا ترتبط فقط بمؤشرات وعوامل التزامات اقتصادية وإنما لها خلفية سياسية مرتبطة، من جهة بسياسة صندوق النقد الدولي وتوجهات الدول التي تتحكم فيه ومن بينها خاصة الولايات المتحدة، إضافة إلى عامل الوضع السياسي داخل البلد المعني بالقرض. ويدفع هذا بالكثيرين إلى اعتبار أن الوضعية السياسية التي تشهدها تونس قد تؤثر على قرارات صندوق النقد الدولي.

وحسب محمد كريم الكافي فإن تونس تعاني من مشاكل سياسية وعدم استقرار سياسي ما يؤثر بشكل سلبي على فرص التفاوض مع صندوق النقد الدولي، وهو أمر مذكور حتى في تقرير الصندوق بخصوص تونس. بدوره يؤكد عز الدين سعيدان أن طبيعة صندوق النقد الدولي تجعل للعامل السياسي حضورا قويا في قراراته.

د. محمد كريم الكافي أستاذ إدارة الأعمال بجامعة باريس و أكسفورد

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم