إضاءة

هل يستجيب الاتحاد الأوروبي لمطالب عدم تجديد اتفاق الهجرة مع ليبيا؟

مهاجرون في ليبيا
مهاجرون في ليبيا - رويترز

يتواصل تدفق المهاجرين عبر البحر الأبيض المتوسط انطلاقا من الشواطئ الليبية وفي اتجاه أوروبا، بينما تتجدد الضغوط على الدول الأوروبية كي توقف "تعاونها" مع السلطات الليبية بشأن الحد من الهجرة غير النظامية. ومع انتهاء الخمس سنوات التي شكلت عمر اتفاق مثير للجدل بخصوص الهجرة بين الطرفين، ارتفعت أصوات ومنها أساسا صوت منظمة العفو الدولية لمطالبة الاتحاد الأوروبي بعدم تجديد الاتفاق مع السلطات الليبية.

إعلان

تهم الاتفاقية بين الاتحاد الأوروبي والحكومة الليبية، التعاون مع خفر السواحل الليبيين عبر اعتراض مهاجرين خلال تواجدهم في عرض البحار، وأثناء محاولتهم الوصول إلى أوروبا في ظروف شديدة الخطورة، والعمل على إعادتهم قسرا نحو الأراضي الليبية التي تشهد نزاعا مسلحا منذ سنوات.

وحسب منظمة العفو الدولية، فقد تم، بموجب هذا الاتفاق، إعادة أكثر من 82 ألف شخص إلى ليبيا بشكل قسري، رغم أن البلاد تعيش نزاعا مسلحا، بينما يعد "من غير القانوني إعادة أي شخص إلى مكان يتعرض فيه لانتهاكات خطيرة" لحقوق الإنسان.

على ماذا بنت منظمة العفو الدولية موقفها؟

أكدت منظمة العفو الدولية في بيان أنّ "الرجال والنساء والأطفال الذين أعيدوا قسراً إلى ليبيا يواجهون الاحتجاز التعسفي والتعذيب وشروط اعتقال قاسية وغير إنسانية والاغتصاب والعنف الجنسي والابتزاز والسخرة والإعدامات التعسفية". كما اتهمت المنظمة، حكومة الوحدة الوطنية الليبية باستمرارها في " السماح بانتهاكات جديدة وتعزيز الإفلات من العقاب" واعتبرت تعيين محمد الخوجة رئيساً لإدارة الهجرة غير النظامية، بمثابة إمعان في تلك السياسة. فحسب المنظمة، هذا المسؤول هو أيضا مدير مركز اعتقال طريق السكّة وغالباً ما تتّهمه منظمات غير حكومية ووسائل إعلام بارتكاب تجاوزات بحق مهاجرين.

ويؤكد رمضان أبو جزر، مدير مركز بروكسل الدولي للبحوث، في حديث لمونت كارلو الدولية، أن منظمة العفو الدولية بنت موقفها بناء على الظروف المزرية التي يتعرض لها المهاجرون، "إذ تؤكد تقارير المنظمة غير الحكومية، أن أولئك المهاجرين يتعرضون لكل أنواع القمع والظروف غير الإنسانية والاغتصاب والعنف الجنسي. وتعتبر المنظمة تلك المراكز بمثابة مراكز تعذيب"، ويضيف رمضان أبو جزر أن هذا ما يدفعه إلى الاعتقاد بأن تقرير منظمة العفو الدولية يوجه اتهاما للاتحاد الأوروبي بأنه يساعد الحكومة الليبية على الاستمرار في القيام بأعمال غير إنسانية وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في حق المهاجرين.

رمضان أبو جزر، مدير مركز بروكسل الدولي للبحوث

هل يفي الاتحاد الأوربي بالتزاماته بخصوص حقوق المهاجرين؟

تحمل المنظمات الحقوقية الاتحاد الأوروبي جزءا هاما من المسؤولية عما يحدث من انتهاكات كبيرة لحقوق الإنسان في حق المهاجرين الذين يحاولون الوصول إلى أوروبا في إطار غير نظامي. وقال ماتيو دي بيليس الباحث في شؤون الهجرة واللجوء في منظمة العفو الدولية إنه "على إيطاليا والاتحاد الأوروبي الكف عن تشجيع هذه التجاوزات الفظيعة" داعيا دول الاتحاد إلى "التركيز على فتح قنوات شرعية بشكل عاجل والتي يحتاجها آلاف الأشخاص العالقين في ليبيا وهم بأمسّ الحاجة إلى حماية دولية" وأكد الباحث في منظمة العفو الدولية أن "الوقت حان لوضع حد لهذا النهج الوحشي الذي يظهر ازدراءً تامًا لأرواح هؤلاء الأشخاص وكراماتهم. وبدلاً من ذلك يجب أن تضمن جهود الإنقاذ نقل الأشخاص إلى مكان آمن".

ويؤكد رمضان أبو جزر أن منظمة العفو الدولية تعتبر أنه من واجب الاتحاد الأوروبي أن يوفر ظروفا أفضل لاستيعاب هؤلاء اللاجئين، وألا يقبل بإعادة الهاربين من مناطق النزاع في اتجاه البلد من حيث فروا". ويؤكد مدير مركز بروكسل الدولي للبحوث، أنه من الضروري إيجاد حلول سياسية لكي يتم تطبيق البنود الإنسانية في حق اللاجئين. "فليبيا، كما نعلم، تمر بظروف صعبة منذ سقوط القذافي، وهي توجد خارج نطاق السيطرة داخليا ولا تحظى بأي ثقة من المجتمع الدولي، لذلك قدم لها الاتحاد الأوروبي الدعم والإمكانيات ليمنع وصول اللاجئين للحدود والشواطئ الإيطالية بالذات. وكما نعرف الاتحاد الأوروبي لا يتوفر على سياسة موحدة في مجال الهجرة، وقد شهدنا الخلاف الفرنسي الإيطالي وعدم استقبال فرنسا لباخرة من اللاجئين تم اعتراضها في المتوسط، ومارست حينها إيطاليا ضغوطا كبرى كي يتم إيجاد حل".

ويضيف رمضان أبو جزر أن المنظمة بطلبها عدم تجديد الاتفاق، "تحاول أن تنتصف للحالة الإنسانية للمهاجرين واللاجئين، وترفض أيضا الحل الأوروبي الذي يضع البيض كله في سلة الحكومة الليبية، التي تشكك منظمة العفو الدولية في جديتها واحترامها لحقوق الإنسان".

رمضان أبو جزر، مدير مركز بروكسل الدولي للبحوث

 هل يمكن لمقاربات كل طرف أن تجد نقطة التقاء؟

يؤكد الخبراء أن تدبير إشكالية الهجرة بين الدول والمنظمات وغيرهم ترتطم بالمصالح والمقاربات التي ينطلق منها كل طرف، والتي غالبا ما لا تجد لها نقطة التقاء أخرى غير تلك التي تتم على حساب حقوق الإنسان والمهاجرين.

ويؤكد رمضان أبو جزر أن الشواطئ الليبية تختلف عن باقي شواطئ البحر الأبيض المتوسط، "فهناك احترام كبير لمصر التي نجحت في الحد من وصول قوارب الهجرة نحو أوروبا وأيضا تجاه دول أخرى في البحر الأبيض المتوسط، والتي تربطها العديد من الاتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي ونجحت في تحقيق أهدافها، لكن بالنسبة لليبيا، هناك تعامل مع اللادولة" ويستطرد أبو جزر قائلا إن "هذا الأمر مثبت ويتسبب في أخطار أمنية وسياسية وديمغرافية وأيضا في إشكالية حقوقية وإنسانية تهم منظمات المجتمع المدني. لكن هذا الأمر لا يشكل أولوية بالنسبة لصانع القرار في الاتحاد الأوروبي، والذي يرغب في تأمين حدوده ولا يريد أن يستخدم اللاجئين كسلاح مضاد وأن يتسلل مقاتلون في تنظيم داعش وغيرهم من التنظيمات الجهادية للقيام بأعمال إرهابية على الأراضي الأوروبية".

ويؤكد أبو جزر أن الاتحاد الأوروبي يجد نفسه أمام تلك الرهانات وأمام معضلة أخلاقية وحقوقية، تتعلق بتعامله مع اللاجئين في ليبيا، وخاصة في ما يتعرض له هؤلاء من تعذيب من قبل الميليشيات. فنظام اللاحكومة في ليبيا هو الذي يصعب مهمة الاتحاد الأوروبي في الوصول إلى اتفاق يحترم".

ويضيف مدير مركز بروكسل الدولي للبحوث: "لا توجد استراتيجية أوربية موحدة تخص مكافحة الهجرة غير النظامية، فقد شاهدنا كيف تعامل الاتحاد الأوروبي بعد أن قامت تركيا بابتزازه عبر فتح الحدود عشوائيا ودفع المهاجرين على التوجه للحدود اليونانية، ونعرف أن بعض الحكومات الإيطالية تدفع الأموال إلى بعض الميليشيات في ليبيا لكي تمنع هؤلاء الميليشيات من تسهيل وصول المهاجرين إلى أوروبا، وسجلنا خلافا بين فرنسا وإيطاليا حول الحصص"، علما أن الاتفاق الذي وقعه الاتحاد الأوروبي مع ليبيا لم ينجح في التخفيف من أعداد المهاجرين الذين يقطعون البحار للوصول إلى الشواطئ الأوروبية.

رمضان أبو جزر، مدير مركز بروكسل الدولي للبحوث

هل يرضخ الاتحاد الأوربي لمطالب المنظمات الحقوقية والإنسانية؟

أمام تزايد الضغوط على الاتحاد الأوروبي لإعادة النظر في اتفاقيته مع ليبيا حول إعادة اللاجئين الذين يتم اعتراضهم في أعالي البحار، يأمل الكثيرون أن تنجح تلك الضغوط إن لم يكن في عدم تجديد الاتفاق، أن يتم على الأقل ضمان معاملة أحسن للمهاجرين.

ويؤكد رمضان أبو جزر أن الاتحاد الأوروبي يبقى مقيدا بمصالحه واحتياجاته الأمنية وأيضا بالشرعية الدولية التي أضفتها الأمم المتحدة على الحكومة الليبية، وأكثر من ذلك، بالاتفاقيات التي وقعتها إيطاليا، تحت غطاء من الاتحاد الأوروبي، مع ليبيا والتي تقوم بموجبها بتدريب خفر السواحل الليبي على ترصد وإعادة المهاجرين. ويضيف أبو جزر أن تلك "الاتفاقات شبه ملزمة ولا يوجد ما يجبر الاتحاد الأوروبي على تغييرها جراء ضغط منظمة العفو الدولية أو غيرها من الجمعيات".

وبالنسبة لمدير مركز بروكسل الدولي للبحوث، فإن الاتحاد الأوروبي قد يأخذ بعين الاعتبار المخاوف التي وردت في تقرير منظمة العفو الدولية، "ولكن لا نتوقع أن يقوم الاتحاد الأوروبي في الوقت الحالي، بتغييرات كبيرة في سياسته تجاه ليبيا، خاصة وأن معظم اللجان والمفوضيات في الاتحاد الأوروبي والرئاسات الثلاثة، منشغلة بما يحدث في أوكرانيا. وأقصى ما يمكن أن يقوم به الاتحاد جراء هذه التقارير، هو أن يرسل لجانا أو يقدم بعض الطلبات للحكومة الليبية بتحسين ظروف المهاجرين أو اللاجئين الذين تتم إعادتهم إلى مخيمات اللجوء داخل الأراضي الليبية".

رمضان أبو جزر، مدير مركز بروكسل الدولي للبحوث

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم