تحليل إخباري

هل يتراجع قيس سعيد عن قراره حل المجلس الأعلى للقضاء؟

نساء تونس
نساء تونس © ارشيف رويترز

تتواصل الضغوط على الرئيس التونسي قيس سعيد كي يعود عن قراره القاضي بحل المجلس الأعلى للقضاء. وقد خاض القضاة التونسيون إضرابا، وحذروا بموازاة مسؤولين في الأمم المتحدة وفي دول عدّة من أن يهدد قرار الرئيس سيادة القانون، خاصة وأنه يمس السلطة القضائية ويأتي بعد حوالي سبعة أشهر من تعليقه عمل البرلمان وإقالته رئيس الحكومة. عودة على مختلف ملابسات هذه القضية التي تثير جدلا كبيرا في تونس.

إعلان

قرار بخلفية مكافحة الفساد

منذ انتخابه رئيسا للبلاد وضع قيس سعيد مكافحة الفساد في صلب برنامجه وانتقد المجلس الأعلى للقضاء وأكد أنه مُخترق من قبل حزب النهضة. علما أن قيس سعيد كان يعمل أستاذ جامعيا في القانون. وبداية العام الجاري، كان قيس سعيد اتخذ قرارا بحذف المنح والامتيازات المالية لأعضاء المجلس.

واستبق الرئيس التونسي الانتقادات التي وجهت لقراره بحل المجلس الأعلى للقضاء، بالتأكيد أنّه "لن يتدخّل أبداً في القضاء" وأنّ حلّ المجلس ضروري لأنّ التونسيين يريدون "تطهير" بلدهم. وقال سعيّد في مقطع فيديو نشرته رئاسة الجمهورية خلال زيارته لمقر وزارة الداخلية "ليعتبر هذا المجلس نفسه في عداد الماضي"، وأكد أن المناصب باتت تباع فيه، مضيفا: "بل ويتم وضع الحركة القضائية (التعيينات فيه) بناء على الولاءات". وقال: "سنعمل على وضع قانون أو مرسوم مؤقت للمجلس الأعلى للقضاء"، مؤكدا أن "أموالا وممتلكات تحصل عليها عدد من القضاة المليارات المليارات (...) هؤلاء مكانهم، المكان الذي يقف فيه المتهمون".

أعضاء المجلس الأعلى للقضاء يرفضون القرار

حسب الدستور التونسي، يعد المجلس الأعلى للقضاء مؤسسة دستورية "ضامنة، في نطاق صلاحياتها، لحسن سير القضاء واستقلالية السلطة القضائية". ومن بين صلاحياته اقتراح الإصلاحات الضرورية في مجال القضاء. ويتكون المجلس من 45 عضوا بين قضاة ومتخصصين في القانون تم انتخاب ثلثيهم من قبل البرلمان، وكان اُحدث عام 2016 لحماية القضاة من نفوذ الحكومة.

وقد عبّر المجلس الأعلى للقضاء في بيان، عن رفضه لقرار قيس سعيّد "في ظل غياب آلية دستورية وقانونية تجيز ذلك" ودعا الأعضاء إلى مواصلة مهامهم "والتمسك بمجلسهم".

وأكد يوسف بوزاخر، رئيس المجلس الأعلى للقضاء، في حديث سابق لمونت كارلو الدولية أن اختيار اجتماع لوزارة الداخلية كي يعلن قيس سعيّد عن قراره حمل الكثير من الدلالات. ورد بوزاخر على قول سعيّد أن المجلس الأعلى للقضاء هو في عداد الماضي، بقوله: "ونحن نقول إن المجلس الأعلى للقضاء، هو في عداد الحاضر وعداد المستقبل... وفي انتظار انتخاب مجلس أعلى للقضاء يتسلم العهدة عن المجلس الحالي".

من جهتها، اعتبرت جمعية القضاة التونسيين قرار الرئيس "انتهاكاً واضحاً لمبدأ الفصل بين السلطات في النظام الديموقراطي". كما دعت الجمعية كافة القضاة، إلى التعليق التام للعمل بكافة محاكم الجمهورية يومي الأربعاء والخميس" والاحتجاج أمام مكاتب المجلس.

 مخاوف على الديمقراطية وحقوق الإنسان في تونس

يأتي قرار قيس سعيد بحل المجلس الأعلى للقضاء في إطار سلسلة من الإجراءات التي اتخذها وخاصة منها تعليق عمل البرلمان وإقالة رئيس الحكومة، وتعيين نجلاء بودن رئيسة للحكومة التونسية.

ورغم أن قيس سعيد أعلن منذ أسابيع، عن خارطة طريق سياسية سيتم اعتمادها خلال العام الجاري، تبدأ باستشارة واستفتاء شعبي منتصف العام الجاري على أن تنتهي بانتخابات نيابية في كانون الأول/ديسمبر القادم، إلا أن قرار حل المجلس عمق المخاوف لدى الكثيرين من وجود نزعة لدى الرئيس للاستحواذ على السلطة، ومن تركيز مختلف السلطات بين يديه، ما اعتبر خطرا كبيرا على الديمقراطية وحقوق الإنسان. وقد أكد معارضو القرار أنه يؤسس لعودة الدكتاتورية بعد 11 عاما على سقوط نظام زين العابدين بن علي.

فبمجرد إعلان الرئيس قيس سعيد عن حل المجلس الأعلى للقضاء، اعتبرت منظمة "لجنة الحقوقيين الدولية" في تغريدة أن "كل مرسوم لحل المجلس هو غير قانوني وغير دستوري" ويعني "نهاية الفصل بين السلطات في تونس". كما صرح الناطق الرسمي باسم حركة النهضة عماد الخميري أن "هذا القرار يعد ضربا لاستقلالية القضاء ويجمع كل السلطات في يد شخص" واعتبرها سابقة خطيرة لم تشهدها البلاد حتى "زمن حكم التسلط والاستبداد والديكتاتورية".

وفي حديث لإذاعة مونت كارلو الدولية، أكد عبد الرؤوف العيادي، المحامي ورئيس الهيئة التأسيسية لحركة وفاء في تونس، أن الضغوط مستمرة في تونس لثني الرئيس عن قراره، واعتبر العيادي أن الإضراب الذي شنه القضاة نجح بشكل كبير وشارك فيه ما يزيد عن 90 في المائة من القضاة، وان ذلك الإضراب إضافة إلى ما صدر من بيانات ومواقف من قبل العديد من الأحزاب يشكلون بداية للتصدي لسلطة سعيّد.

عبد الرؤوف العيادي، المحامي ورئيس الهيئة التأسيسية لحركة وفاء في تونس

ملفات معلقة وسهام الاتهام توجه لحزب النهضة

تزامن قرار سعيّد بحل المجلس الأعلى للقضاء مع إحياء الذكرى التاسعة لاغتيال المناضل السياسي اليساري شكري بلعيد، وخروج مظاهرات في البلاد تطالب بكشف حقيقة الاغتيال. وقد شاركت في تلك المظاهرات أكثر من عشرين جمعية ومنظمة ونقابة، من بينها تلك التي تحظى بالكثير من المصداقية والشعبية في تونس، ك: "الاتحاد العام التونسي للشغل (المركزية النقابية)" و"الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان". ورفع المحتجون شعارات من قبيل: "محاسبة محاسبة" و"نريد قضاء مستقلا عن الاحزاب والسلطة". كما تجمع العشرات أمام المجلس الأعلى للقضاء، عقب إعلان قيس سعيّد عن قراره، ورحبوا بحل المجلس.

وأكد شقيق شكري بلعيد خلال مشاركته في التظاهرة أن حركة "النهضة ومنذ تسع سنوات تتلاعب بالملف ويعطلونه ويحاولون تفكيكه حتى لا نصل الى الحقيقة". وقال عبد المجيد بلعيد: "أنا على يقين بأن قضاة شرفاء سيتولون الملف وسيحاسب من أجرم في حق الشعب" مؤكدا أنه "ما لم يتم حل المجلس لن تكشف الحقيقة".

وحسب قيس سعيّد، فقد تم "التلاعب بملف اغتيال البراهمي من قبل عدد من القضاة في النيابة والمحاكم"، واعتبر أن المجلس مخترق من طرف حزب النهضة، كما اتهم أعضاءه بعرقلة التحقيق في اغتيال المناضل اليساري شكري بلعيد والنائب السابق محمد البراهمي.

وكان المعارض اليساري شكري بلعيد، اغتيل في السادس من شباط/فبراير 2013 في تونس العاصمة، وتبنى إسلاميون متطرفون الاغتيال الذي أثار أزمة سياسية انتهت بخروج حركة النهضة من الحكم وإطلاق حوار وطني بين كافة المكوّنات السياسية وتم الاتفاق على تشكيل حكومة تكنوقراط إلى حين تنظيم البلاد انتخابات عام 2014. ومنذ ذلك التاريخ فتح القضاء تحقيقا ولم يصدر حتى اليوم أحكامه في هذه القضية، شأنها في ذلك شأن قضية اغتيال النائب السابق في البرلمان محمد البراهمي في 25 تموز/يوليو في العام 2013.

واعتبر عبد الرؤوف العيادي، المحامي ورئيس الهيئة التأسيسية لحركة وفاء في تونس، أن المآخذ الممكنة إزاء المجلس لا يمكنها أن تشكل مصوغا لحل المجلس، وأضاف انه في حال وجود مآخذ، يجب العمل على إصلاح المجلس من قبل البرلمان "ووفق رؤيا وبرنامج إصلاحيين". واعتبر العيادي أن حل المجلس يعد عملا غير مقبول لأنه مؤسسة دستورية. وقال: "وكما تعلمون بالنسبة لقيس سعيد، القضاء لا يشكل سلطة بذاتها كما ورد في الدستور وإنما هم مجرد موظفين، فما قام به في الحقيقة هو تنفيذ لمشروع وضع الوصاية على القضاء وتحويل القضاة إلى مجرد موظفين كما كان الأمر عليه في عهد ديكتاتورية بن علي وبورقيبة".

عبد الرؤوف العيادي، المحامي ورئيس الهيئة التأسيسية لحركة وفاء في تونس

ضغوط دولية للتراجع عن القرار

قوبل قرار قيس سعيد بحل البرلمان برفض دولي، وانتقدته المفوضة العليا لحقوق الإنسان ميشيل باشليه، واعتبرته "خطوة كبيرة في الاتجاه الخطأ"، و"خرقا واضحا لالتزامات تونس بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان". وأشارت باشليه إلى أن إنشاء المجلس في العام 2016 كان يُنظر له على أنّه تقدّم كبير في مجال سيادة القانون وفصل للسلطات واستقلال للقضاء في تونس. كما أعربت عن أسفها لحملات الكراهية على الإنترنت والتهديدات التي وُجهت لأعضاء المجلس، ودعت إلى ضمان حمايتهم.

من جهتهم، أكد سفراء دول مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي في بيان مشترك أنّهم "قلقون بشدّة" إزاء قرار سعيّد. وقال رؤساء بعثات ألمانيا وكندا والولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا واليابان وبريطانيا والاتحاد الأوروبي في تونس، في بيان مشترك "إن القضاء الشفاف والمستقلّ والفعّال وفصل السلطات هما أمران أساسيان لديموقراطية فاعلة تخدم شعبها".

ومن واشنطن، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية نيد برايس أن بلاده قلقة للغاية من قرار الرئيس التونسي قيس سعيّد حل المجلس الأعلى للقضاء وما تم تداوله بخصوص منع الموظفين من دخول المبنى، وكرر طلب بلاده بإجراء إصلاح سياسي سريع في تونس.

من جهتها، اعتبرت منظمة العفو الدولية أن ما وصفته ب "هجوم" قيس سعيّد على الهيئة القضائية، يمثّل "تهديداً خطيراً للحقّ بمحاكمة عادلة"، وذكرت بأنّ سعيّد لم يحلّ الهيئة أو يعلّق عملها رسمياً بموجب مرسوم، كما حذرت من تداعيات إقدامه على خطوة كهذه. وقالت المديرة الإقليمية للمنظمة هبة مرايف إنّه "إذا أصدر الرئيس مرسوماً لحلّ الهيئة أو تعليق عملها، فسيكون ذلك بمثابة ناقوس الموت لاستقلالية القضاء في البلد"، بينما القضاء المستقلّ يشكل عنصرا حيويا لديموقراطية فعّالة وشفّافة".

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم