تحليل إخباري

المغرب: إضراب في قطاع النقل البري والحكومة تفتح باب التفاوض

مدينة طنجة المغربية
مدينة طنجة المغربية © فليكر (Chris Yunker)

ألقت الحرب في أوكرانيا بظلالها على قطاع النقل البري للركاب والبضائع في المغرب، إذ ارتفعت أسعار الوقود بشكل مضطرد ما دفع المهنيين إلى إعلان إضراب عن العمل بدءا من يوم الإثنين المنصرم، ولمدة ثلاثة أيام تم تمديدها ليومين آخرين على الأقل. وتؤكد النقابات التي دعت للإضراب أنه نجح بدرجة وصلت إلى 90 بالمائة في العديد من مناطق البلاد، ما أدى إلى اضطراب ملحوظ في حركة التنقل. وقد أعلنت الحكومة المغربية عقب اجتماعها الأسبوعي عن عزمها عقد لقاء مع مهنيي النقل، الأسبوع المنصرم، "قصد إيجاد صيغة لإعانتهم في هذه الظرفية".

إعلان

وتشارك في الإضراب الكونفدرالية الديمقراطية للشغل وست نقابات عمالية أخرى. ويشمل الإضراب وسائل نقل المسافرين ونقل البضائع وسيارات الأجرة وعربات الإغاثة والجر وغيرها.

مطالب لم تستجب لها الحكومة

خلال الأسبوع المنصرم، عقد مهنيو قطاع النقل، لقاء مع وزير النقل واللوجيستيك محمد عبد الجليل، وأكدوا عقبه أن المسؤول لم يستجب لمطالبهم، ما دفع النقابات إلى الإعلان عن الإضراب.

وتشمل مطالب النقابات بصورة خاصة تحديد سقفٍ لأسعار بيع الوقود التي شهدت ارتفاعا مضطردا في المدة الأخيرة. فقد بلغ سعر اللتر الواحد من البنزين في العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء نحو 1,21 يورو، بينما فاق سعر الغازوال 1,02 يورو للتر الواحد.  

وجاء في بيان لتنسيقية نقابات قطاع النقل الطرقي في المغرب، أن الأزمة الخانقة التي يعرفها القطاع في مختلف أصنافه تعود إلى "الارتفاع المهول لأسعار المحروقات وتأثيرها المباشر على التوازنات المالية، أدت بالعديد من السائقين إلى إشهار إفلاسهم". كما نددت التنسيقية بما وصفته بتجاهل السلطات الحكومية المغربية للدعوات الموجهة إليها من أجل الحوار لمعالجة المشاكل التي يعاني منها مهنيو النقل.

ويؤكد سيدي خالد الحمداني، الأمين العام الوطني للمنظمة الديمقراطية للنقل واللوجيستيك متعدد الوسائط بالمغرب، أن الإضراب يأتي جراء المشاكل التي يعاني منها قطاع النقل في المغرب، ومنها "الترسبات الناجمة عن أزمة كوفيد19، تلتها ارتفاعات متتالية ومهولة في المحروقات ما أفاض الكأس بالنسبة لمهنيي قطاع النقل، خاصة وأن تلك الارتفاعات لم تواكب بجهود ودعم من طرف الدولة. فرغم أن قطاع النقل حيوي ويعد قاطرة للاقتصاد الوطني، تنقصه الكثير من الأساسيات كي يسير في الطريق الصحيح". ويؤكد الحمداني في حديث لمونت كارلو الدولية أن أزمة كوفيد 19 كشفت عن الخلل الذي يعاني منه هذا القطاع، فرغم أن المهنيين يؤدون واجباتهم من ضرائب وغيرها، إلا أن حقوقهم تبقى محدودة ولا تقدم لهم الدولة شيئا يذكر لضمان مصالحهم وحمايتهم خلال فترات الأزمات وارتفاع الأسعار وغيرها.

سيدي خالد الحمداني، الأمين العام الوطني للمنظمة الديمقراطية للنقل واللوجيستيك متعدد الوسائط

سعر الوقود في المغرب مرتبط بتقلبات الأسعار دوليا

يؤمن المغرب حاجياته من المحروقات اعتمادا على ما يستورده من الخارج، ما يجعله تابعا لتقلبات أسعارها في السوق الدولية. وقد كانت الدولة تدعم ثمن المحروقات في السوق المغربية، لكن حجم الدعم أثقل كاهل ميزانيتها، خاصة وأنه كان عاما ويشمل مختلف الشرائح الاجتماعية. وقد قررت الحكومة المغربية السابقة التي كان يترأسها حزب العدالة والتنمية الإسلامي إلغاء الدعم على وعد بأن تضع نظاما بديلا يمكن من إيصال الدعم مباشرة للفئات المعوزة والمحدودة الدخل، لكن ذلك لم يتم.

ومنذ سنوات والنقابات وأحزاب في المعارضة، تطالب بتحديد سقف سعر المحروقات كي لا تبقى خاضعة لتقلبات سعرها على الصعيد الدولي، مع تحديد هامش الربح بالنسبة لشركات التوزيع، لكن الحكومة لم تستجب لذلك. علما أن عزيز أخنوش، رئيس الحكومة الحالي في المغرب، يمتلك مجموعة "إفريقيا" التي تحوز على نسبة هامة من عائدات سوق الوقود في المغرب، إلى جانب المجموعة الفرنسية "توتال" والبريطانية-الهولندية "شل".

اتحاد أرباب العمل يدعو إلى التراجع عن الإضراب

لم تدعم "جامعة النقل واللوجستيك" التابعة لـ “الاتحاد العام لمقاولات المغرب” التي تمثل أرباب العمل، مطالب مهنيي القطاع، ودعتهم إلى العدول عن الإضراب، وبررت موقفها في بيان جاء فيه أن "الأوضاع الحالية في المغرب غير مواتية للدخول في أي إضراب". ونوهت الجامعة إلى أنها "تدرك ثقل مشاكل القطاع وتقدر معاناة الفاعلين فيه، لكن الأوضاع الاقتصادية الحالية الناجمة عن تداعيات كورونا والظروف المناخية التي تعرفها البلاد هي ظروف غير مواتية لخوض إضراب"، بينما تمسكت النقابات بموقفها الداعي إلى الإضراب وأكدت أنها ستبقى منفتحة أمام أي إجراءات ستتخذها الحكومة المغربية لنزع فتيل الإضراب وعودة الأمور إلى سابق عهدها.

من جهتها، حرصت وزارة الداخلية المغربية على استباق إضراب قطاع النقل في المغرب بالتأكيد أنها اتخذت "كل التدابير والإجراءات اللازمة، لضمان تنقل الأشخاص والبضائع بكل حرية". وذكر بيان صادر عن الوزارة أنها ستتعامل "بكل حزم وصرامة ضد كل محاولة للمس بالأمن والنظام العامين، وبحقوق غير المضربين وعرقلة العمل".

وقد أكد شهود عيان أن حركة النقل بالبلاد شهدت اضطرابا كبيرا نجمت عنه صعوبة تنقل الآلاف من السكان وعدم تمكنهم من الالتحاق بأماكن عملهم. وحسب خالد الحمداوي فإن الإضراب نجح بدرجات متفاوتة وصلت إلى أكثر من 90 بالمائة في العديد من مناطق المغرب، كما أكد ان الضرر الكبير الذي يعيشه القطاع وصعوبة انتعاشه في ظل ارتفاع الأسعار ستدفع المهنيين إما إلى الاستمرار في الإضراب أو إعلانه من جديد إلى أن تتم الاستجابة لمطالبهم.

أزمات عديدة

تؤكد النقابات أن أزمة الوقود في المغرب ليست سوى الشجرة التي تخفي الغابة، إذ باتت البلاد تشهد إضرابات متفرقة على خلفية الزيادة في أسعار الكثير من المواد بما فيها تلك التي تعتبر أساسية، عدا عن ذلك يعاني المغرب من الجفاف الذي ضرب القدرة الشرائية لدى شريحة واسعة من السكان وخاصة منها تلك التي تعتمد على الفلاحة، علما أن القطاع الفلاحي يشكل نحو 14 بالمئة من الناتج الداخلي الخام. أضف إلى ذلك الآثار التي خلفتها الجائحة سواء على خزينة الدولة أو على أرباب العمل أو الآلاف من الأشخاص الذين منهم من فقد عمله ومنهم من لم يتمكن من الاشتغال  طوال أشهر.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم