حرب الجزائر: جرح لم يندمل

الجنرال شارل ديغول يخاطب حشدا في أكبو، في 12 ديسمبر 1960 خلال رحلته إلى الجزائر، حيث كانت تستعد الجمعية العامة للأمم المتحدة لاعتماد القرار الذي يعترف بحق الشعب الجزائري في تقرير المصير والاستقلال.
الجنرال شارل ديغول يخاطب حشدا في أكبو، في 12 ديسمبر 1960 خلال رحلته إلى الجزائر، حيث كانت تستعد الجمعية العامة للأمم المتحدة لاعتماد القرار الذي يعترف بحق الشعب الجزائري في تقرير المصير والاستقلال. AFP - -

بعد ستين عاما على انتهاء حرب الجزائر (1954-1962)، لم تندمل جراحها بعد. وقامت فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة، بمبادرات رمزية عدة لتنقية الذاكرة بين البلدين، من دون أن يصل ذلك الى حد الاعتذار.

إعلان

- ثمانية أعوام من نزاع دام

كانت الجزائر تخضع للاستعمار الفرنسي منذ 1830. في 1945، قُمعت احتجاجات مطالبة باستقلالها بعنف. 

في 1954،  شنّت جبهة التحرير الوطني التي لم تكن معروفة بعد حينها ستين هجوما متزامنا في عيد جميع القديسين ضد المستعمرين. وبدأ إثر ذلك نزاع أوقع أكثر من 500 ألف قتيل مدني وعسكري، نحو 400 ألف منهم جزائريون، وفق تقديرات المؤرخين. 

بداية 1957، انفجرت قنابل وضعتها جبهة التحرير الوطني في مقاه وملاعب بالجزائر العاصمة، مخلفة 15 قتيلا وعشرات المصابين. حينها أطلق الجنرال الفرنسي جاك ماسو معركة ضارية ضد الجبهة. 

 بحلول تشرين الأول/أكتوبر 1957، أوقف آلاف المشتبه بهم وعذبوا، وقتل الكثير منهم. 

عام 2001، أقر الجنرال بول أوساريس بممارسة التعذيب في الجزائر. 

- الاستقلال والعائدون والحركيون 

في أيار/مايو 1958، وبضغط من العسكريين ومستعمرين فرنسيين في الجزائر، عاد الجنرال شارل ديغول إلى السلطة، وبدأت الجمهورية الخامسة. 

بعد إحباطه محاولة انقلاب من جنرالات فرنسيين في الجزائر عام 1961، أطلق ديغول مفاوضات مع جبهة التحرير الوطني. 

في 19 آذار/مارس 1962، نصت اتفاقيات إيفيان على وقف فوري لإطلاق النار ومهدت لاستقلال الجزائر التي صار القيادي في جبهة التحرير الوطني أحمد بن بلة أول رئيس لها. 

تلت ذلك أشهر من الفوضى نفذ فيها عناصر "منظمة الجيش السري" الداعية إلى إبقاء تبعية الجزائر لفرنسا، هجمات، كما شهدت هروب فرنسيين من الجزائر. وعاد في الإجمال نحو مليون فرنسي إلى فرنسا.

ورافق الفرنسيين نحو 60 ألف من الحركيين الجزائريين الذين قاتلوا إلى جانب الجيش الفرنسي. لكن عددا كبيرا منهم يراوح بين 55 ألفا و75 ألفا بقوا في الجزائر حيث قتلوا بغالبيتهم.  

- "صدمات لم تعالج بعد" 

لم تصف فرنسا رسميا ما حدث بالحرب إلاّ عام 1999. 

وعلى غرار فاليري جيسكار ديستان الذي كان أول رئيس فرنسي يقوم بزيارة رسمية الى الجزائر المستقلة عام 1975، امتنع الرئيسان فرنسوا ميتران وجاك شيراك عن إدانة الاستعمار. 

عام 2007، قال الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إن "النظام الاستعماري كان غير عادل بشكل عميق"، لكنه قال "داخل ذلك النظام، كان هناك الكثير من الرجال والنساء الذين أحبوا الجزائر قبل أن يضطروا إلى مغادرتها". وتحدث عن "عدد لا يحصى من الضحايا من الجانبين". 

عام 2012، تحدث الرئيس فرنسوا هولاند من الجزائر عن الاستعمار قائلا "طوال 132 عاما، خضعت الجزائر لنظام غير عادل بشكل عميق ووحشي". 

وكان في 19 آذار/مارس 2016 أول رئيس يحيي ذكرى انتهاء حرب الجزائر، ما أثار اعتراضات في صفوف الطبقة السياسية. 

في شباط/فبراير 2017، قال إيمانويل ماكرون، وكان حينها مرشحا الى الانتخابات الرئاسية، من الجزائر إن الاستعمار "جريمة ضد الإنسانية"، و"وحشية حقيقية"، مضيفا "إنه جزء من ماض يجب أن نواجهه عبر تقديم اعتذاراتنا الى كل الذين ارتكبنا في حقهم هذه الأعمال".

- "مبادرات ذات دلالة" وتوتر

في أيلول/سبتمبر 2018، أقر الرئيس إيمانويل ماكرون أن عالم الرياضيات الشيوعي الشاب موريس أودان الذي أوقفه الجيش الفرنسي في الجزائر عام 1957 قتل تحت التعذيب، وطلب باسم الجمهورية "الصفح" من أرملته. 

في تشرين الأول/أكتوبر 2020، اعتبر ماكرون في خطاب ألقاه في مورو في منطقة باريس أن "الانعزالية" الإسلامية "تتغذى" جزئيا من تلك الحقبة التاريخية. 

وقال "نحن بلد له ماض استعماري" و"صدمات لم تعالج بعد"، معتبرا أن "حرب الجزائر جزء منها". 

بعد نشر تقرير المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا حول قضايا الذاكرة العالقة بين البلدين في كانون الثاني/يناير 2021، تعهد ماكرون القيام ب"أعمال ذات دلالة" رمزية لمحاولة مصالحة البلدين، لكنه استبعد تقديم الاعتذار.

في الثالث من آذار/مارس 2021، أقر بأن المحامي القومي علي بومنجل "تعرض للتعذيب والقتل" في 23 آذار/مارس 1957 على يد الجيش الفرنسي، مناقضا الرواية الرسمية بإقدامه على الانتحار.

في 20 أيلول/سبتمبر 2021، طلب الرئيس الفرنسي "الصفح" من  الحركيين الجزائريين الذين قاتلوا في صفوف الجيش الفرنسي خلال حرب الجزائر، والذين "تخلت عنهم" فرنسا.

وترجمة لهذا الطلب، أقرّ البرلمان الفرنسي في 15 شباط/فبراير قانونا يطلب الصفح من الحركيين وينص على تعويضات.

في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر، استدعت الجزائر لمدة ثلاثة أشهر، سفيرها في باريس، بعد تصريحات للرئيس الفرنسي ماكرون قال فيها إن "النظام العسكري السياسي" في الجزائر بني على "ريع الذاكرة" مع فرنسا.

في وقت لاحق، استنكر ماكرون "جرائم ارتكبتها الجمهورية لا يمكن تبريرها" في الذكرى الستين للمذبحة التي نفذتها الشرطة الفرنسية في حق متظاهرين جزائريين في 17 تشرين الأول/أكتوبر 1961 في باريس.

وبعدما اعلنت تسهيلا للوصول الى الأرشيف المشمول بالسرية، قالت باريس في العاشر من كانون الأول/ديسمبر إنها ستفتح ايضا الأرشيف المتعلق ب"التحقيقات القضائية" في حرب الجزائر.

في 26 كانون الثاني/يناير 2022، عبّر ماكرون عن "عرفان" فرنسا إزاء الفرنسيين الذي عادوا من الجزائر الى فرنسا، ودعا الى الاعتراف ب"مجزرتي" إطلاق النار الذي حصل في شارع إيسلي في الجزائر في 26 آذار/مارس 1962، وفي وهران في الخامس من تموز/يوليو 1962، بعد توقيع اتفاقيات إيفيان.

في الثامن من شباط/فبراير، كرّم ماكرون المتظاهرين الذين قتلوا في باريس في محطة مترو شارون في الثامن من شباط/فبراير 1962 خلال تجمع سلمي قمعته الشرطة بالقوة.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم