تحليل إخباري

هل تُؤثر الحرب في أوكرانيا على مائدة المغاربة؟

المغرب يتوقع بلوغ محصول الحبوب حوالي 10 مليون طن
المغرب يتوقع بلوغ محصول الحبوب حوالي 10 مليون طن © فليكر (Half full heart)

يشكل القمح ومشتقاته أحد المكونات الأساسية لمائدة الأكل في المغرب، لكن هذه المادة التي تعتبر حيوية بالنسبة للمواطن المغربي باتت أمرا مقلقا بالنسبة للبلاد بعد أن ارتفعت فاتورة شراء القمح. إذ ضعف الإنتاج محليا بسبب الجفاف الذي يعصف بالمغرب، وارتفعت فاتورة الاستيراد من الخارج، ما يضع البلاد أمام وضع صعب يقول الخبراء إنه قد يتفاقم في الأشهر المقبلة.

إعلان

ويرتبط سوق القمح في المغرب بشكل كبير بتقلبات سعره في الأسواق الدولية، إذ يستورد هذا البلد جزءا كبيرا من حاجياته من القمح من الخارج. وبحسب البيانات الحكومية، فإنّ مخزون القمح المتوفر حاليا، لا يغطي سوى ما بين أربعة وخمسة أشهر من الاحتياجات، بما يمثل 1.8 مليون طن، بينما تظهر جل المؤشرات أن الفترة المقبلة ستشهد صراعا دوليا محموما للحصول على القمح.

وكان المغرب اعتمد سياسة تقضي بتوسيع طاقته من تخزين القمح والتي وصلت إلى خمسة ملايين طن. كما أصبح يشجع المستثمرين على بناء المزيد من مستودعات التخزين، لكن تلك الجهود لم تغير من خضوع حاجيات المغرب من الحبوب، لتقلبات السوق الدولية من جهة، وللتساقطات المطرية، من جهة ثانية.  

ويؤكد محمد الشرقي، الخبير الاقتصادي، أنه لا يمكن الحديث عن أزمة قمح في المغرب، في الفترة الحالية على الأقل، مادام البلد يتوفر على مخزون لتغطية الخمسة أشهر المقبلة، "لكنه قد يجد صعوبات مرتبطة بفترة ما بعد فصل الصيف المقبل". واعتبر الشرقي أن الإشكال بالنسبة للمغرب في الوقت الحالي، يرتبط بشكل أكبر بارتفاع أسعار القمح في الأسواق الدولية.  

ارتفاع الأسعار دوليا

قبل بداية الحرب في أوكرانيا، ارتفعت أسعار القمح على الصعيد الدولي لأسباب عديدة، منها أساسا تداعيات جائحة كوفيد 19 ومخلفاتها، والتي كان لها تأثير كبير ليس فقط على سعر القمح وإنما على مختلف المواد الغذائية وغيرها.

وقد قفز سعر الطن الواحد من القمح في نهاية شهر يناير المنصرم، بما نسبته 21,3%، لتسجل بذلك تكلفة استيراد المغرب للقمح من الخارج أعلى مستوى لها خلال السنوات الخمس الماضية، وذلك وفق إحصائيات مكتب الصرف بالمغرب.

وتؤكد بيانات مكتب الصرف أن ارتفاع سعر القمح، أدى إلى الزيادة في فاتورة واردات المغرب منه، إلى ما يناهز 250 مليون يورو في يناير/كانون الثاني الماضي، مقابل 84 مليون دولار في نفس الشهر من العام 2021.

وحسب المتحدث باسم الحكومة المغربية، مصطفى بايتاس، يتوقع المغرب زيادة  في الإنفاق على دعم القمح اللين بما نسبته 15% مقارنة بالعام الماضي، لكن خبراء أكدوا أن تلك النسبة مرشحة للارتفاع في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا وتداعياتها على السوق الاقتصادية العالمية سواء من ناحية ارتفاع الأسعار أو على صعيد توفر القمح والسياسة التجارية التي ستعتمدها الدول المنتجة له.  

وتؤكد المعطيات الرسمية الحكومية، أن مخزون القمح المتوفر يمكنه أن يغطي ما بين أربعة إلى خمسة أشهر من الحاجيات. إذ كان المغرب تسلم معظم طلبياته من أوكرانيا قبل بدء الحرب. وحسب رئيس الفيدرالية الوطنية للمطاحن بالمغرب عبد القادر العلوي، فإن المغرب تسلم 0.55 مليون طن من القمح اللين الأوكراني من أصل طلبية حجمها 0.6 مليون طن، وسيسعى للحصول على مزيد من الإمدادات من مناطق أخرى.

الحرب الدائرة في أوكرانيا

تتخوف العديد من البلدان التي تعتمد على القمح المستورد، من أن يطول أمد الحرب في أوكرانيا. إذ لم يكد النزاع يبدأ حتى ازدادت وتيرة ارتفاع أسعار القمح على الصعيد الدولي، ووصلت إلى مستوى لم تعرفه منذ أكثر من 14 عاما.

ويستورد المغرب سنويا من الخارج، ما بين 60 و75 مليون قنطار من الحبوب، من قمح لين وصلب وشعير وذرة.

وتشكل فرنسا المورد الأساسي للمغرب من القمح، أما القمح الأوكراني فيمثل 25 % من واردات المغرب من القمح، والروسي 11% من تلك الواردات. لكن الحكومة الأوكرانية فرضت، مؤخرا، قيودا على تصدير بعض المنتجات الزراعية، من بينها القمح.

ومن شأن تراجع الكميات من القمح التي يمكن للمغرب أن يستوردها من أوكرانيا وروسيا، أن يؤثر بشكل كبير على حاجيات المغرب منه. أضف إلى ذلك أن المنافسة ستشتد على القمح الذي تنتجه العديد من الدول، من بينها فرنسا والبرازيل والأرجنتين وبولندا وألمانيا وليتوانيا، ما سيخضع ذلك الإنتاج إلى قانون العرض والطلب وبالتالي سيرفع سعره ويقلل من فرص الحصول عليه.

ويؤكد محمد الشرقي أن الدول العربية، ومنها المغرب، ستكون الضحية الأولى لذلك الوضع لكونها تعتمد في استهلاكها المحلي بشكل كبير على القمح، ما سيرفع من ثمن الحبوب وهو أمر ستستفيد منه الدول المنتجة له أساسا، بينما ستتأثر القدرة الشرائية لمواطني الدول المستوردة، "وهو أمر قد يضطر الدول المعنية إلى اتخاذ جملة من الإجراءات التي تؤثر بدورها على اقتصادها، وبالتالي على الأسواق بشكل عام، لأن ارتفاع ثمن الخبز يؤدي إلى ارتفاع أسعار المواد الأخرى، ما قد يدخل تلك الدول في دورة تضخمية ويؤثر على باقي قطاعاتها الاقتصادية".

الخبير الاقتصادي المغربي، محمد الشرقي

 جفاف يضرب البلاد

يعيش المغرب موجة جفاف كبرى بعد بقاء معدل هطول الأمطار هذا الموسم في مستوى وصفته السلطات المغربية بالأدنى منذ حوالي أربعة عقود. ولم يتعد المعدل الوطني للتساقطات 75 ملم، مسجلا بذلك تراجعا بنسبة 64 % مقارنة بالمواسم الفلاحية العادية. وقد تضرر المحصول الفلاحي بشكل كبير وشمل موادا فلاحية عديدة من بينها الحبوب، علما أن الفلاحة تعد من القطاعات الأساسية التي يعتمد عليها الاقتصاد المغربي بما نسبته 13% من الدخل الوطني، ويعيش منه بشكل مباشر أو غير مباشر، حوالي 40% من السكان.

ويؤكد الخبير الاقتصادي محمد الشرقي، أن المغرب تمكن في العام الماضي من إنتاج حوالي 10.3 مليون طن من القمح، واعتمد على مخزونه الزراعي الخاص بالموسم الماضي، بينما سيكون هناك نقص في الإنتاج خلال العام الجاري، بفعل قلة التساقطات المطرية. وتوقع الشرقي حصول نقص في الإنتاج الزراعي قائلا: "إن الحكومة كانت تراهن على إنتاج 8 مليون طن، وأعتقد أنه في أحسن الحالات، لن يصل الإنتاج إلى 5 مليون، وبالتالي، سيكون المغرب محتاجا إلى استيراد ما بين 60 و70% على الأقل، من حاجياته، وهو ما يعني أنه بعد أشهر قليلة قد تظهر الأزمة".

الخبير الاقتصادي المغربي، محمد الشرقي

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم