إضاءة

الجزائر بين نية الانتقال إلى الطاقات النظيفة وضرورة تعزيز سيادتها الطاقوية

لوحات الطاقة الشمسية
لوحات الطاقة الشمسية © رويترز

تسعى الجزائر إلى تعزيز سيادتها الطاقوية بتكثيف الشراكات التي ستجلب لها مزيدا من الاستثمارات في ظل تداعيات الحرب الأوكرانية والطلب المتزايد على مصادر بديلة للغاز الروسي. أبرز مثال تجسده إيطاليا، الوجهة الأولى لصادرات الغاز الجزائري إذ تنبئ المشاريع المستقبلية بتعزيز أكبر للتعاون بين البلدين في مجال الغاز. يأتي ذلك في وقت دق فيه الخبراء الأمميون ناقوس الخطر وطالبوا الدول بتقليل هائل لاستخدام الطاقات الأحفورية من أجل مستقبل قابل للعيش على الكرة الأرضية. فهل تستجيب الجزائر للنداء؟

إعلان

توالت الزيارات الرسمية بين الجزائر وإيطاليا كان آخرها زيارة رئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراغي إلى الجزائر يوم الاثنين 11 أبريل / نيسان 2022 تُوّجت بالتوقيع على اتفاق يقضي بزيادة كميات الغاز التوي تستوردها روما من الجزائر، بهدف التخلص من التبعية الإيطالية للغاز الروسي.

التعاون بين البلدين في قطاع المحروقات يعود إلى سنوات عديدة ويحتل مكانة مهمة في العلاقات الاقتصادية الثنائية، بفضل الشراكة بين مجمع سوناطراك النفطي الجزائري ومجمع "إيني" الطاقوي الإيطالي منذ سنة 1981، اللذين يديران خط أنبوب الغاز "ترانسميد" العابر للمتوسط والناقل للغاز من الجزائر إلى إيطاليا عبر الأراضي التونسية.

في بيان لسوناطرك أوضحت الشركة الجزائرية أنها وقّعت مع "إيني" اتفاقية بغرض تسريع وتيرة تطوير مشاريع إنتاج الغاز الطبيعي (...) وزيادة حجم الغاز المصدّر باستخدام القدرات المتاحة لخط أنبوب الغاز "ترانسميد" ". وبحسب بيان لمجموعة "إيني" فإن الإضافات في كميات الغاز "ستزيد تدريجيا لتبلغ 9 مليارات متر مكعب في 2023-2024".

كانت الشركتان أعلنتا يوم 20 مارس /آذار الماضي عن اكتشاف للنفط الخام يحتوي على ما يقرب 140 مليون برميل في حوض بركين الخاضع لعقد بحث واستغلال جديد بين الشركتين. ويقع الحوض على بعد 300 كلم جنوب شرق حاسي مسعود، جنوب البلاد.

كما اتفق البلدان على تسريع الانتقال الطاقوي في الجزائر فأكد ماريو دراغي أن إيطاليا " مستعدة للعمل مع الجزائر لتطوير الطاقات المتجددة واستغلال الهيدروجين الأخضر (كما) نسعى لتسريع الانتقال في مجال الطاقة وخلق فرص للتنمية والتوظيف".

التوقيع على اتفاقيتين بين الجزائر وإيطاليا في مجالي الطاقة والشؤون الخارجية. موقع الفيسبوك لرئاسة الجمهورية الجزائرية

إلا أن في الاستثمارات الإيطالية ما يثير قلق الناشطين في مجال حماية البيئة في الجزائر ومن بينهم الدكتور أمير بركان، رئيس مؤسسة "بروبيوم" غير الحكومية لحماية التنوع البيولوجي البحري.

أمير بركان أعرب عن مخاوفه من كون استغلال الغاز الصخري يحتل مكانة "محورية" في الاتفاقات مع شركة "إيني" الأخيرة. كما ينظر أمير بركان بقلق إلى  "قراءات التصريحات الأخيرة للمدير العام لشركة سوناطراك، مفادها أنه سيتم الاستثمار في استغلال البترول والغاز في عمق البحر" وكلا الحالتين تشكلان خطرا على البيئة.

وعليه قال الدكتور بركان "نحن كمجتمع مدني وكإيكولوجيين نتأسف كثيرا ولا نستبعد تنظيم وقفات، كما سبق ووقفنا ضد هذين الخطرين (2014 بالنسبة للغاز الصخري و2019 ضد استغلال البترول في عمق البحر)... وأن تكون هناك مواجهة سلمية وبطريقة حضارية وعلمية ضد مشاريع الغاز الصخري ومشروع استهلاك المحروقات في عمق البحر".

د. أمير بركان رئيس مؤسسة بروبيوم يعرب عن المخاوف من استغلال الغاز الصخري و التنقيب في عمق البحر

وأوضح السيد بركان أن الغاز الصخري يشكل خطرا على البيئة أكبر بكثير مما يمثله الغاز الطبيعي الذي يتم استخراجه بالطريقة التقليدية ثم يتم تمييعه فيبقى الغاز الطبيعي المميع أنظف من البترول ومن الغاز الصخري.

الناشط البيئي أمير بركان عن مخاطر الغاز الصخري

نية حسنة للانتقال إلى الطاقات المتجددة تواجهها حجة السيادة الطاقوية

مع أن الجزائر تبذل جهودا كبيرة لتعزيز قطاع الطاقات الأحفورية في الجزائر، إلا أن مسألة تطوير الطاقات المتجددة موضوعة على أجندتها.

الدكتور أمير بركان الذي ينشط في مجال حماية البيئة منذ قرابة العشر سنوات قال لمونت كارلو الدولية إنه التمس "نية حسنة" من الحكومة الجزائرية في الشروع إلى الانتقال الطاقوي في أقرب وقت وخاصة منذ تولي الرئيس عبد المجيد تبون منصبه بدليل أنه تم إنشاء وزارة جديدة هي وزارة الانتقال الطاقوي والطاقات المتجددة.

د. أمير بركان، هناك نية للحكومة في الانتقال الطاقوي

وقد تم إطلاق مشروع ضخم للطاقة الشمسية لإنتاج 1000 ميغاواط في الصحراء الجزائرية يحمل اسم "سولار 1000 ميغاواط" تم فتحه للمستثمرين المحليين والأجانب.

كما تسعى الجزائر إلى تنويع مصادر الطاقات النظيفة بحيث تتم دراسة استعمال الطاقة الحرارية الأرضية وكذلك دراسة مدى نجاعة الاستثمار في طاقة الرياح.

وتبقى الطاقة الشمسية الحل الأسرع ولأنجع لتوليد كمّية معينة من الكهرباء تستطيع أن تكفي الاستهلاك المحلي على الأقل، بحسب تقدير الدكتور بركان الذي أشار إلى تنامي الاستهلاك المحلي للغاز مضيفا: "الإشكالية أن البلاد تشهد انفجارا للاستهلاك المحلي للطاقة بلغ نحو 48% من الطاقة المُنتجة في الجزائر".

وفي مقابل ذلك تفيد تقديرات باحتمال بلوغ مخزون الطاقات الأحفورية للبلاد حدوده في غضون عام 2050 كأقصى حد، فلن تقدر البلاد على تصديرها وستضطر لتوجيه ما تبقى منها من كميات ضئيلة إلى الاستهلاك الوطني المتنامي.

إلا أن مشاريع الطاقات النظيفة تتطلب وقتا طويلا وتوضع على المدى البعيد وقد ظهر منافس شرس لها هو الغاز الصخري مما قد يعطل عملية الانتقال الطاقوي بشكل ملموس.

في هذا السياق أفاد المدافع عن البيئة أمير بركان أن نية الانتقال تواجهها حقيقة ميدانية ديموغرافية واقتصادية وسياسية تدفع بالجزائر إلى مواصلة الاستثمار في الطاقات الأحفورية بالإضافة إلى ما تسميه الدولة "المناجم الجديدة" والتي "للأسف تُبلوَر في الغاز الصخري واستغلال المحروقات في عمق البحر".

وأوضح الدكتور بركان أنه كلما تقدمت مؤسسته غير الحكومة، بروبيوم، بمقترحات في مجال الطاقات الجديدة وحماية البيئة كان الطرف الحكومي يضع على الطاولة حجج ومبررات الحوكمة والسيادة الطاقوية للبلاد فتبقى الاعتبارات الإيكولوجية مسألة ثانوية.

د. أمير بركان، دائما توضع على الطاولة حجة السيادة الطاقوية

أمام تحديات التغير المناخي يؤكد التقرير الأممي حول المناخ الصادر يوم 4 أبريل/نيسان الماضي على ضرورة الانتقال الطاقوي في أسرع ما يمكن ويقدم حلولا هي ليست بالجديدة وإنما تشهد جميع دول العالم تأخرا في تطبيقها.

وأكد التقرير أن القارة الأفريقية على وجه الخصوص تملك من القدرات في مجال الطاقات النظيفة ما يعفيها من الاعتماد على الطاقات الأحفورية فينصحها الخبراء الأمميون بتجنب تكرار النموذج الصناعي الغربي الذي ثبتت سلبياته وآثاره الوخيمة على كوكب الأرض.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم