"المغرب، تونس وحرب الجزائر"، عنوان ندوة في معرض مغرب مشرق الكتاب في باريس

ندوة حول دور تونس والمغرب في حرب استقلال الجزائر بمشاركة المؤرخين: بنجامين ستورا وصوفي بسيس وفريديريك بوبين (مدير النقاش) ومصطفى بوعزيز.
ندوة حول دور تونس والمغرب في حرب استقلال الجزائر بمشاركة المؤرخين: بنجامين ستورا وصوفي بسيس وفريديريك بوبين (مدير النقاش) ومصطفى بوعزيز. © نسيمة جنجيا

احتلت الذاكرة والتاريخ الاستعماري الفرنسي للجزائر مساحة هامة من معرض مغرب - مشرق الكتاب في باريس ضمن نسخته الـ 28 التي نُظمت بين 13 و15 مايو/أيار 2022، كونها تصادف إحياء الذكرى الستين لاستقلال الجزائر. ندوات حول التاريخ الجزائري-الفرنسي وتأثيره على جيل الشباب في فرنسا وآفاق بناء جسور للتحاور حول الذاكرة المشتركة بين ضفتي المتوسط تخللت برنامج المعرض على مدار ثلاثة أيام.

إعلان

من بين الندوات التي سلّطت الضوء على تاريخ حرب الجزائر كانت تلك التي نُظمت في ثالث وآخر يوم لمعرض مغرب مشرق الكتاب في باريس بعنوان "المغرب، تونس وحرب الجزائر"، شارك فيها كل من المؤرخة التونسية صوفي بسيس والمؤرخ المغربي مصطفى بوعزيز والمؤرخ الفرنسي المتخصص في تاريخ الجزائر بنجامين ستورا.

الندوة تناولت الدور الذي لعبه المغرب وتونس في حرب الجزائر والمساعدة الملموسة للبلدين الجارين في تحقيق استقلال الجزائر.

ندوة حول دور تونس والمغرب في حرب استقلال الجزائر بمشاركة المؤرخين: بنجامين ستورا وصوفي بسيس وفريديريك بوبين (مدير النقاش) ومصطفى بوعزيز.
ندوة حول دور تونس والمغرب في حرب استقلال الجزائر بمشاركة المؤرخين: بنجامين ستورا وصوفي بسيس وفريديريك بوبين (مدير النقاش) ومصطفى بوعزيز. © نسيمة جنجيا

تونس والجزائر، كفاح مشترك وعلاقات متناقضة

المؤرخة صوفي بسيس أبرزت في مداخلتها أهمية القضية الجزائرية في السياسة التونسية واستعرضت في مداخلتها أهم مراحل سياسة الرئيس الحبيب بورقيبة والعلاقات المضطربة والمتناقضة أحيانا بين الحكومة التونسية الفتية وجيش التحرير الوطني الجزائري الذي استخدم الأراضي التونسية قاعدةً خلفية لكفاحه المسلح ضد الاستعمار الفرنسي فيما كانت تَعبُر تونس إمداداتُ السلاح والمال للمناضلين داخل التراب الجزائري.

فذكّرت صوفي بسيس بأحداث عملية ساقية سيدي يوسف التي نفّذها الجيش الفرنسي على القرية الواقعة على الحدود الجزائرية التونسية كرد على الدعم التونسي للثورة الجزائرية. فسقط في ذلك اليوم من 8 فبراير/ شباط 1958 نحو 80 قتيلا منهم عشرات الأطفال، إضافة إلى حوالي 150 جريحا من المدنيين. هي أحداث تحييها تونس والجزائر بشكل سنوي لذكرى امتزجت فيها الدماء التونسية بالجزائرية.

وأشارت المؤرخة صوفي بسيس إلى أن تونس كانت تقف على الصعيد الدولي مع الكفاح المسلح الجزائري ولكنها كانت في نفس الوقت تحاول الحدّ من تدخل الفصائل الجزائرية في سياستها الداخلية، في ظل مخاوف الرئيس الحبيب بورقيبة من حدوث تصفية حسابات بينها على الأراضي التونسية، خاصة وأن القوات الجزائرية المتواجدة في تونس كانت أكثر تعدادا من الجيش الوطني التونسي.

بالموازاة مع دعم استقلال الجزائر كانت تونس تسعى من جهة أخرى إلى استرجاع جزء من الصحراء التونسية التي ضمتها فرنسا إلى الجزائر فحاول بورقيبة التفاوض مع فرنسا خوفا من أن يحول استقلال الجزائر دون استعادتها. في هذا الخصوص كانت القيادات الجزائرية اعتبرت مفاوضات الحبيب بورقيبة مع الجنرال ديغول في رامبوييه، جنوب غرب باريس يوم 27 فبراير/ شباط 1961، بمثابة خيانة ومحاولة "خنق الثورة الجزائرية".

لكن اللقاء بين الرئيسين التونسي والفرنسي باء بالفشل كون ديغول لم يرغب في التفاوض حول الأراضي التونسية وفضّل إحالة الملف إلى استقلال الجزائر. ولم يكن يعلم بورقيبة أنه في نفس الوقت كان ممثلون عن ديغول يجرون لقاءات سرية مع مبعوثين جزائريين فتحت الطريق أمام مفاوضات إيفيان التي أفضت إلى إنهاء الحرب في الجزائر.

فضاء مغاربي يتميز عن المشرق العربي

من جهته تحدث المؤرخ المغربي مصطفى بوعزيز عن تداخل شعوب المنطقة التي تُعرف بالمغرب العربي وأشار إلى أن تونس والجزائر والمغرب هي تسميات حديثة لم تكن تُستخدم في القرون الوسطى، إذ كانت منطقة شمال أفريقيا إضافة إلى الأندلس تسمى ب"الغرب الإسلامي" يحكمها مذهب إسلامي واحد هو المذهب المالكي، فكان فضاءً ثقافيا واجتماعيا يتميّز عن منطقة المشرق وتطورت فيه روابط عميقة بين شعوب المنطقة التي لم تكن تفرق بينها حدود مرسومة.

 مفهوم الحدود بدأ يتبلور مع الغزو الفرنسي للجزائر في 1830 بحسب المؤرخ مصطفى بوعزيز الذي ذكّر بلجوء بعثات لقيادات قبائل من غرب الجزائر إلى سلطان المملكة المغربية، مولاي عبد الرحمن، لإعطائه البيعة التي قبل بها في مرحلة أولى، ومن بين تلك القيادات كان الأمير عبد القادر.

احتضان السلطان المغربي للأمير عبد القادر ودعمه للمقاومة الجزائرية جلب له مواجهة مباشرة مع الفرنسيين الذين هاجموا المغرب فتكبد هزائم كبرى بلغت ذروتها في معركة إسلي، شمال شرق المملكة، عام 1844، وفرض الفرنسيون على إثرها شروطا قاسية على المغرب. فدفعت المملكة الثمن غاليا وبقيت ذكرى تلك الهزيمة "جرحا مازال يُسمم إلى يومنا هذا العلاقات بين المغرب والجزائر وحتى في داخل الإطار العلمي بين المؤرخين المغاربة والجزائريين" بحسب قول المؤرخ مصطفى بوعزيز.

وبالرغم من بسط فرنسا سيطرتها على الأراضي الجزائرية كانت هناك حرية في تنقل الأشخاص والبضائع والأفكار بين الجزائر والمغرب ولو أنها كانت بصورة مُراقبة، فكان هناك تواصل وعلاقات اجتماعية وثقافية مهمة.

تعدد الرؤى حول "المغرب"

وتابع المؤرخ مصطفى بوعزيز أن من الأفكار التي بدأت تتبلور في فضاء شمال أفريقيا كانت الأفكار القومية التي كانت تعبّر عن مفهوم الوطن والأمة وتطرح تساؤلات حول الاستقلال وكيفية بناء دولة جديدة. كل ذلك في إطار تداخل العلاقات بين الشعبين المغربي والجزائري.

فذكّر مصطفى بوعزيز أن النخب المثقفة والأكثر إتقانا للغة الفرنسية في المغرب كانت من أصول جزائرية أمثال الفقيه محمد المعمري الذي كان أستاذا للأمير محمد الخامس في طفولته أو الطبيب الهدام الكثير الشهرة في مدينة وجدة التي اختار أن يعود إليها بالرغم من أن الجزائر اقترحت عليه مناصب مهمة عقب الاستقلال.

بعد الحرب العالمية الثانية تطور لدى الحركات القومية المغاربية مفهوم المغرب بدلا من الحديث عن شمال أفريقيا. وبينما كان يروج في باريس مصطلح "المغرب"، تحدّد في نفس الوقت مصطلح آخر هو "المغرب العربي" مع تأسيس لجنة تحرير المغرب العربي بجامعة الدول العربية في القاهرة عام 1948 وبرئاسة بطل المقاومة في الريف المغربي، الأمير محمد عبد الكريم الخطابي ومساعدَيْه، التونسي الحبيب بورقيبة والمغربي علال الفاسي.

في ذلك الحين تطورت رؤيتان للمغرب، الأولى تتعلق بمغرب موحد يضم دولة واحدة وجيشا واحدا ولغة واحدة أيّدها محمد عبد الكريم الخطابي فيما دعم كل من بورقيبة والفاسي رؤية مغرب فدرالي يضم الدول التي ستتكون في المنطقة.

الجزائريون والمغاربة، كفاح مشترك من أجل الاستقلال

وتابع المؤرخ مصطفى بوعزيز أنه في الأثناء، في بدايات الخمسينيات من القرن الماضي، كان العمل المشترك بين الجزائريين والمغاربة يتحقق فعليا في معسكرات التدريب في منطقة شمال المغرب التي تحولت بدورها إلى قاعدة خلفية لمكافحة الاستعمار الفرنسي، والتي كانت تصلها إمدادات السلاح القادمة من الشرق الأوسط على وجه الخصوص.

وأشار مصطفى بوعزيز على سبيل المثال إلى الجزائري المدعو عبد القادر بوزار الذي كان مدربا للمقاومين المغاربة وهو الذي أسس في مدينة تطوان مدرسة لتدريب كوادر جيش التحرير المغربي. ولدى استقلال الجزائر في يوليو / تموز 1962 عينه ملك المغرب حسن الثاني أمينا عاما للمكتب الوطني للمناضلين السابقين قبل أن يغادر إلى الجزائر لينخرط في السلك الدبلوماسي حتى وفاته عام 1975.

وما هذا إلا مثال لتداخل جهود مقاومة الجزائريين والمغاربة ضد الاحتلال الفرنسي. وما يزيد الصورة تعقيدا هو دور ضباط "جيش تحرير المغرب العربي" الذي أسسه محمد عبد الكريم الخطابي في القاهرة.

اختلاف حول كيفية التفاوض على الاستقلال

تأتي بعد ذلك إشكالية التفاوض على استقلال دول المغرب وتباين وجهات النظر بين من يؤيد مفاوضات مشتركة وموحدة ومن يرى أنه يجب أن يتفاوض كل بلد على حدة (تونس، الجزائر والمغرب). وقال المؤرخ مصطفى بوعزيز إن الجزائريين ومحمد عبد الكريم الخطابي كانوا يؤيدون التفاوض الموحّد بينما كان الحبيب بورقيبة وعلال الفاسي يؤيدان فكرة التفاوض المنفصل على أن تواصل الدولة التي ستحصل على استقلالها في المقاومة من أجل تحقيق استقلال الدول الأخرى.

القضية الجزائرية ضمن أولويات السياسة المغربية

بعد استقلال المغرب عن الحماية الفرنسية والإسبانية في العام 1956 قام النظام الملكي "بتهميش" الحركة الوطنية والمقاومة المغربية ليفرض القوات المسلحة الملكية حسب قول المؤرخ مصطفى بوعزيز. هذا ما يفسر نزع السلاح عن جيش التحرير المغربي وتقديمه للمناضلين الجزائريين. منذ ذلك الحين أصبحت استقلال الجزائر قضية محورية في المغرب على كل المستويات: في القصر الملكي وداخل الأحزاب السياسية والنقابات، التي أدرجت في مقدمة برامجها الدعم غير المشروط لتحرير الجزائر، العسكري والاقتصادي والاجتماعي.

وبخلاف تونس التي طالبت فرنسا باستعادة أراضيها التي ضمتها إلى الجزائر، قال مصطفى بوعزيز إن فرنسا هي التي اقترحت على المغرب تسوية جزء من مسألة الحدود الجزائرية المغربية المتعلقة بأراضي الصحراء الشرقية للمملكة مقابل ألا تسمح لجبهة التحرير الوطني الجزائري بدخولها. وكان السلطان محمد الخامس قد رفض ذلك العرض.  وفي بداية عهد الملك حسن الثاني، عام 1961، تم توقيع اتفاقية تسوية الحدود بين المغرب والحكومة الجزائرية المؤقتة برئاسة فرحات عباس الذي التزم بحل المشكلة من خلال المفاوضات بين البلدين بعد استقلال الجزائر، الأمر الذي لم يتحقق.

هناك مصير مشترك لشعوب المغرب. يجب أن نتجاوز قضايا الماضي وأن نبني المستقبل على مواطنة مغاربية مشتركة
فيديو. المؤرخ المغربي مصطفى بوعزيز: هناك مصير مشترك لشعوب المغرب
مصطفى بوعزيز، مؤرخ مغربي، شارك في ندوة بعنوان "المغرب، تونس وحرب الجزائر"، في إطار معرض مغرب-مشرق الكتاب بباريس يوم 15 مايو/أيار 2022.
مصطفى بوعزيز، مؤرخ مغربي، شارك في ندوة بعنوان "المغرب، تونس وحرب الجزائر"، في إطار معرض مغرب-مشرق الكتاب بباريس يوم 15 مايو/أيار 2022. © نسيمة جنجيا

وفي حديث خاص لمونت كارلو الدولية شدّد المؤرخ المغربي مصطفى بوعزيز على وجود مصير مشترك لشعوب المغرب المتداخلة تاريخيا وثقافيا واجتماعيا. وأنه " بإمكانهم أن يكون لهم دور في عالم الغد الذي يتبلور أمامنا بألم وبعنف كبير ولا وجود لأي طرف إذا لم يكن طرفا قويا" كما رأى أن التطلع معا إلى المستقبل أمر ممكن شريطة "أن نتجاوز قضايا الماضي وأن نبني المستقبل، بناءً على مواطنة مغاربية مشتركة وتَملُّكٍ مشترك للتاريخ السابق مع استخراج كل ما هو إيجابي فيه".

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم