تحليل إخباري

المغرب يعلن عن اشتباه في حالات إصابة بجدري القردة والعالم يتخوف من جائحة جديدة

جدري القردة
جدري القردة VIA REUTERS - CYNTHIA S. GOLDSMITH, RUSSELL RE

أعلنت وزارة الصحة المغربية عن الاشتباه في وجود ثلاث حالات إصابة بجدري القردة في المملكة. وقد ذكرت السلطات المغربية أن الأشخاص المعنيين يتمتعون بحالة صحية جيدة ويخضعون للمراقبة الطبية في انتظار ظهور النتائج النهائية للتحاليل المخبرية الجارية. ولم تعلن الوزارة عن هوية الأشخاص ولا عن المدينة التي كانوا فيها.

إعلان

وتعد هذه المرة الأولى التي يعلن المغرب خلالها عن حالات إصابة بجدري القردة منذ بدأ الحديث عن انتشار حالات الإصابة في عدد من بلدان العالم. وحسب معاذ المرابط، منسّق المركز الوطني لعمليات الطوارئ العامة بوزارة الصحة المغربية، يأتي هذا الإعلان في إطار "الاستراتيجية الاستباقية الوطنية لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية في المغرب، في التعامل مع طوارئ الصحة العامة وإنذارات الصحة العامة وتفاعل وزارة الصحة بشكل سريع مع الإنذار العالمي المتعلق بجدري القردة".

وفيروس جدري القردة ينتقل من الحيوانات خاصة، تم اكتشافه لأول مرة عام 1958 عندما ظهر مرض يشبه الجدري في قرود أحد المختبرات، ومن هنا أُخذت هذه التسمية. وهو مرض معد ينتقل عبر الاحتكاك المباشر، إذ يتوفر الطفح الجلدي الذي يتسبب فيه المرض على مادة لزجة بها فيروسات تنتقل للشخص عبر لمس الشخص المصاب أو ارتداء ملابسه أو النوم في سريره، ويؤكد خبراء أنه قد ينتقل أيضا عبر الحديث لمدة تزيد عن الساعتين مع شخص مصاب.

ويرتبط مرض جدري القردة بمرض الجدري الخطير، لكنه يعد أقلّ خطورة من هذا الداء الذي تم القضاء عليه قبل 40 عاماً، وهو متوطّن خاصة في 11 بلدا في غرب إفريقيا وإفريقيا الوسطى.

ويؤكد الدكتور الطيب حمضي، الباحث في السياسات والنظم الصحية، في حديث لمونت كارلو الدولية، أن تسجيل ثلاث حالات مشتبه فيها من الإصابة بالفيروس في المغرب، "لا يعني أن وضع هذا المرض أصبح أخطر أو أشد انتشارا من قبل، لكون هذا الفيروس ينتشر في جميع دول العالم ولا يعرف الحدود مطلقا". ويعتبر حمضي أن الاكتشاف الأول والإعلان عن الحالات الأولى المشتبه فيها من الإصابة، يعني اليقظة وأن المنظومة الصحية والمهنيون الصحيون يدركون أهمية مواجهة المرض.

ونفى حمضي أن يكون هناك توجه من المغرب نحو تشديد الإجراءات الاحترازية، واعتبر أن السياسة الصحية المتبعة في هذا الإطار تنشد أساسا الوقاية وتعكس وعيا لدى المهنيين والمواطنين للتصدي بشكل فعال لإمكانيات انتشار هذا الفيروس.

حمضي الطيب، الباحث في السياسات والنظم الصحية

منظومة للوقاية في المغرب

أكد معاذ المرابط، أن وزارة الصحة المغربية "وضعت منظومة للتفاعل بشكل سريع مع الإنذار العالمي المتعلّق بجدري القردة"، وهي منظومة تقوم على تحديد "حالات الإصابة (حالة مشتبه فيها - حالة محتملة وحالة مؤكدة)، وطريقة الرعاية الطبية، وكيفية التعامل مع مخالطيها".

وقد سبق لوزارة الصحة المغربية أن أصدرت دليلا للتوعية بهذا المرض قبل وجود حالات إصابة مشتبه فيها في التراب المغربي، ودعت الوزارة إلى ضرورة الإبلاغ عن أي حالة مشتبه بها أو محتملة بشكل فوري إلى السلطات الصحية من أجل عرضها على التشخيص الطبي وإخضاعها للعزل تجنبا لانتشار العدوى.

كما أصدرت وزارة الصحة نظام ترصد وبائي، تم تقسيمه إلى ثلاثة أصناف، يتعلق الأول بالحالات المشتبه بها، ويهم أي شخص مصاب بطفح جلدي أو حويصلي أو حويصلي بثري مع ارتفاع في درجة الحرارة إلى أقل من 38 درجة مئوية. اما الصنف الثاني فيتعلق بالحالات المحتملة، ويهم أي حالة مشتبه بها كانت على اتصال بحالة مؤكدة خلال 21 يومًا التي تسبق ظهور الأعراض أو أي حالة مشتبه بها قامت، في 21 يومًا السابقة لظهور الأعراض، برحلة إلى بلد يتوطن فيه المرض أو بلد سجل سلسلة انتقال للعدوى منذ بداية الشهر الجاري، أو أي حالة مشتبه بها لإصابة راحتي اليدين و/ أو باطن القدمين، أو بوجود تضخم العقدة اللمفاوية. ويشمل الصنف الثالث، الحالات المؤكدة المتعلقة بأي حالة محتملة يتم فيها تأكيد الإصابة بفيروس "جدري القرود" بالتقنية الجزيئية في المختبر.

وعلى غرار المغرب، فرضت العديد من الدول إجراءات وقائية للحد من انتشار جدري القردة. وقد بدأت بريطانيا في تطعيم العاملين في مجال الرعاية الصحية ممن قد يتعرضون لخطر العدوى خلال رعايتهم لمرضى، بلقاح الجدري المستخدم أيضا للوقاية من جدري القردة.

من جهتها، أكدت الولايات المتحدة توفرها على ما يكفي من لقاح الجدري لتطعيم جميع سكانها. كما أكد متحدث باسم وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأميركية في بيان وجود أدوية مضادة لفيروسات الجدري يمكن استخدامها أيضا لعلاج جدري القرود في ظل ظروف معينة.

مخاوف دولية من المرض

يأتي إعلان المغرب عن وجود ثلاثة أشخاص يشتبه في إصابتهم بجدري القردة في البلاد، بُعيد إعلان 13 دولة عن اكتشاف إصابات بجدري القردة من بينها إسبانيا وبلجيكا وإسرائيل وفرنسا وسويسرا وكندا والدانمارك وأستراليا والولايات المتحدة ودول أوربية.

وأكدت منظمة الصحة العالمية وجود 92 إصابة على الأقل، بجدري القردة كما أن هناك 28 إصابة أخرى على الأقل، يجري التحقق منها في 12 دولة لا يعد هذا الفيروس متوطنا فيها. وتوقعت منظمة الصحة العالمية اكتشاف المزيد من الإصابات بجدري القردة، خاصة وأن نطاق الفحوص والمراقبة بخصوص هذا المرض، بات يتسع ويشمل حتى البلدان التي لم تكن معنية بهذا المرض ولم يعلن عن حالات إصابة به سابقا.

ما هو السر وراء تفشي أعداد الإصابات؟

يثير الظهور المتزامن للإصابات بجدري القردة في العديد من البلدان ولدى أشخاص لم تكن لمعظمهم صلة مباشرة بالبلدان التي يتوطن فيها المرض، مخاوف الكثيرين، وبدأت العديد من الفرضيات تبرز في محاولة لتفسير سر الظهور الملحوظ للإصابات بجدري القردة في مناطق عديدة من العالم.

ويقول حمضي الطيب، الباحث في السياسات والنظم الصحية، "إن هذا الأمر يطرح الكثير من الأسئلة، من بينها ما إذا كان الأمر يتعلق بطفرات ما ساعدت الفيروس على الانتشار بشكل أسرع بين الإنسان؟ هذا سؤال مطروح لكنه احتمال ضعيف. هل مناعة الإنسان ضعفت تجاه نوع من الفيروسات بعد التوقف عن التلقيح ضد الجدري الأصلي بعد القضاء عليه وبالتالي أصبح الفيروس يجد أمامه مناعة ضعيفة وسهلة وبالتالي بدأ ينتقل؟ هل هناك ظروف مناخية، بيئية غذائية إنسانية تحالفت مع هذا الفيروس وساعدته على الانتشار؟ هذا مطروح أيضا. ولكن المرجح هو ربما وجود ما يسمى علميا بتجمع عوامل تنشر بسرعة وباء معينا من قبيل وجود تجمع كبير للناس ومن مناطق مختلفة وبالتالي تنتشر العدوى بين مجموعة معينة ومنها تنتقل إلى مناطق أخرى. هذه كلها أسئلة قيد البحث وهي المقلقة بالفعل، أما المرض فليس مقلقا بشكل كبير".  

حمضي الطيب، الباحث في السياسات والنظم الصحية

ولعل ما يدعم طرح الدكتور حمضي، ما ورد عن ديفيد هايمان، المستشار الاستراتيجي لبرامج منظمة الصحة العالمية الذي ترأس في السابق قسم الطوارئ في منظمة الصحة، إذ أكد أن الانتشار المفاجئ للمرض جاء عقب حفلتين شهدتا "نشاطا جنسيا" تمتا في دولتين أوربيتين. لكن هايمان فند في نفس الوقت، الربط الذي عمد إليه الكثيرون بين المرض والعلاقات الجنسية بين المثليين. وقد حذر برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس الإيدز من ذلك الربط، واعتبر أنه قد يقوض الجهود الرامية إلى مواجهة هذا المرض، كما قد يشكل خطرا على صحة المرضى ممن قد يخشوا حملات العنصرية والكراهية ضد المثليين، فيخفون واقع إصابتهم.

ومازال الكثير من الغموض يلف هذا المرض في وقت بدأت التساؤلات تطرح حول ما إذا كان العالم مقبلا على جائحة جديدة خاصة مع حلول فصل الصيف الذي يشهد ارتفاعا كبيرا في حركة التنقل والسفر وفي الاختلاط والتجمعات وغيرها. ويحاول خبراء في منظمة الصحة العالمية التخفيف من حدة تلك المخاوف بالتأكيد على إمكانية الوقاية من المرض عبر التزام الحيطة والامتناع عن الكثير من الاختلاط والحرص على النظافة وعلى عدم مخالطة المصابين بالمرض.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم