الذاكرات الفرنسية – الجزائرية تحت مجهر جيل الشباب الفرنسي

ندوة لجمعية "الشباب والذاكرات الفرنسية الجزائرية" نظمها معرض ممغرب مشرق الكتاب في ابريس، 15 مايو أيار 2022.
ندوة لجمعية "الشباب والذاكرات الفرنسية الجزائرية" نظمها معرض ممغرب مشرق الكتاب في ابريس، 15 مايو أيار 2022. © نسيمة جنجيا

تقوم مجموعة من الشباب الفرنسيين بعمل على الذاكرات المتعلقة بتاريخ الاستعمار وحرب الجزائر في محاولة للمصالحة مع التاريخ المؤلم بين فرنسا والجزائر وبناء مستقبل مشترك للأجيال الجديدة كما تأمل الجمعية في بناء جسور تربط بين الشعبين الفرنسي والجزائري. المبادرة تأتي في إطار تقرير المؤرخ بنجامين ستورا الخاص بقضايا الذاكرة وبطلب من الرئيس إيمانويل ماكرون الذي قام بسلسلة من المبادرات في هذا الخصوص. وقد اتخذت حصيلة عمل الجمعية شكل رسائل طموحة موجهة لرئيس الجمهورية.

إعلان

جمعية "الشباب والذاكرات الفرنسية الجزائرية" تضم نحو 15 شابا وشابة تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاما بينهم طلاب وموظفين من مشارب مختلفة لهم قاسم مشترك هو أنهم أحفاد أشخاص عاشوا فترة الاستعمار سواء أكانوا من المناضلين الاستقلاليين أو من المُجنَّدين في الجيش الفرنسي أو حركيين أو من الأقدام السوداء ويهود الجزائر.

قبل أن تتحول إلى جمعية كانت المجموعة تُسمى "رؤى جيل الشباب للذاكرات الفرنسية الجزائرية". وقد ورث كل واحد من هؤلاء الشباب والشابات ذاكرة تتعلق بتجربة أسرته، فاختلفت عن ذاكرات الأسر الأخرى باختلاف الأطراف المكوِّنة لمجتمع الحقبة الاستعمارية. الأمر الذي غالبا ما جعل الحوار بين تلك الطوائف شبه مستحيل. ومازال التاريخ المؤلم بين فرنسا والجزائر يؤثر على فئات من المجتمع الفرنسي بما فيها الأجيال الجديدة.

39% من الشباب الفرنسيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاما لديهم ارتباط بتاريخ الجزائر

وقد جمعت بين هؤلاء الشباب رغبةٌ واحدة هي تجاوز الانقسامات من خلال فتح النقاش ومحاولة التوصل إلى مصالحة مع الذاكرة بخطوات ملموسة في ظل وجود أرقام تشير إلى أن 39% من الشباب الفرنسيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاما لديهم ارتباط بتاريخ الجزائر.

بدأت مجموعة الشباب العمل في شهر يونيو/حزيران 2021 بعد صدور تقرير المؤرخ بنجامين ستورا الخاص بقضايا الذاكرات المتعلقة بالاستعمار وحرب الجزائر يوم 20 يناير/كانون الثاني من نفس العام. ونُظمت ورشات عمل عديدة حول خمس مواضيع رئيسية هي: التعليم وإنشاء مؤسسة/متحف وجمع شهادات حية وإنشاء أماكن للذاكرة تتيح التحاور بين الشباب واختيار شخصيات تاريخية من شأنها أن تلمّ الشمل.

هذه المحاور الخمس شكلت الهيكل الذي بنت عليه مجموعة الشباب برنامجا في صورة توصيات أرسلتها إلى الرئيس إيمانويل ماكرون على أمل أن ترى النور يوما.

تعليم غير كاف في المدارس الفرنسية حول حرب الجزائر

استنتجت مجوعة الشباب في لقاءاتها حول ذاكرات الاستعمار وحرب الجزائر إلى أن المناهج مُقَصِّرة كثيرا واعتبرت أن أجيالا من الذين لم يشهدوا حرب الجزائر لم يستفيدوا من دروس تاريخ حول تلك الحقبة في مسارهم التعليمي.

فأوصت المجموعة بأن يُدرج هذا التاريخ في المناهج بشكل إجباري وأن تُخصص له عدة ساعات دراسية وألا يُدَرّس بشكل اختياري وفق رغبة المُعلّم كما هو الحال اليوم.

واقترحت المجموعة أن يتم إنشاء موقع إلكتروني يضم جميع الموارد المتاحة المتعلقة باستعمار الجزائر من صور ومحفوظات وأفلام وثائقية وسينمائية. فيصبح أداة للأساتذة وكذلك مصدرا لتعميم المعرفة على الجمهور الواسع. وفي هذا السياق رأت أنه من الجدير أن يُكيّف التلفزيون العمومي برامجه مع التواريخ التذكارية وأن يتم دعم إنجاز أفلام وثائقية وسينمائية في هذا الخصوص.

شباب الجمعية يواصلون ورشهم كما أنهم يشاركون في ندوات تُنظم في إطار مناسبات عديدة، كانت آخرها بمعرض مغرب – مشرق الكتاب في مايو/أيار الماضي. الشابة ياسمين كانت من ضمن المشاركين وهي حفيدة مناضل جزائري، أرادت الانخراط في الجمعية بدافع رغبة في الالتزام أكثر في العمل حو الذاكرة. وقد أشارت في مداخلتها خلال الندوة إلى أنها لم تتلق دروسا تُذكر حول تاريخ حرب الجزائر أثناء تعليمها الثانوي، الأمر الذي دفعها إلى الالتحاق بماجيستير في التاريخ الجزائري حتى تُعمّق معلوماتها في هذا الموضوع.

جمعية "الشباب والذاكرات الفرنسية الجزائرية"
ياسمين، فرنسية من أصول جزائرية، عضو في مجموعة "رؤى الأجيال الشابة للذاكرات الفرنسية - الجزائرية"
ياسمين، فرنسية من أصول جزائرية، عضو في مجموعة "رؤى الأجيال الشابة للذاكرات الفرنسية - الجزائرية" © نسيمة جنجيا

إنشاء مؤسسة لتاريخ فرنسا والجزائر، مكان لذاكرة إيجابية يكون حيا شكلا ومضمونا

رأت جمعية "الشباب والذاكرات الفرنسية الجزائرية" أنه لا توجد في البلاد مؤسسة تمثل تاريخ فرنسا مع الجزائر تكون جامعة لكل الذاكرات المتعددة والمتنوعة المتعلقة بتلك الحقبة. فجاءت بفكرة إنشاء متحف تتجاوز أبعاده فكرة المتحف التقليدي بحيث يكون "مكانا حيا شكلا ومضمونا".

وتصورت مجموعة الشباب أن يكون المكان فضاء لتلاقي الباحثين والفنانين والطلاب من فرنسا والجزائر بحيث تتم استضافة جزائريين يقيمون في المؤسسة للقيام بأبحاثهم وتحضير أطروحاتهم أو لعرض أعمالهم الفنية وغيرها من النشاطات التي من شأنها أن تبني جسورا بين البلدين.

كما وضعت الجمعية الشباب في قلب اتخاذ القرار فيما يتعلق باختيار المشاريع المقترحة ودعمها من خلال إنشاء مكتب للشباب الفرنسي-الجزائري يضم أعضاء فرنسيين وجزائريين.

الحيوية والأسلوب الدينامي يجب أن تتميز به هذه المؤسسة التي ستضطلع بالحفاض على ذاكرات التاريخ ونقلها للأجيال الجديدة بالاعتماد على الوسائل الحديثة كإنشاء مكتبة سمعية وبصرية تكون امتدادا رقميا للمؤسسة تضم كل الموارد الثقافية الموجودة حول موضوع الذاكرة وكذلك كتبا رقمية نُشرت في الجزائر ولم توزع في فرنسا، فضلا عن إنتاج برامج بودكاست تتضمن شهادات حية عن أماكن الذاكرة تعرضها خريطة متحركة.

شخصيات تاريخية مُوحِّدة للذاكرات

إضافة إلى أماكن الذاكرة، عكفت المجموعة على مسألة الشخصيات التاريخية الكفيلة بالمساعدة على مد الجسور بين الجزائر وفرنسا. وكان من الواضح أن الأمير عبد القادر يُعتبر الشخصية المثلى لتقديمه كحجر زاوية لمشروع مصالحة الذاكرة. فقد حضي باحترام وتقدير فرنسا كمحارب شجاع قاوم وجودها على الأراضي الجزائرية وكحامٍ للمسيحيين في المشرق وكرمز للتحاور بين الأديان فكرّمته بوسام الصليب الأكبر لجوقة الشرف.

لكن جمعية "الشباب والذاكرات الفرنسية الجزائرية" ارتأت أنه من الجدير إيجاد شخصية نسائية من شأنها أن تكون لها أيضا القدرة على لم الشمل واقترحت إيزابيل إيبرهارت المنحدرة من المجتمع المدني ومن جنسيات عديدة.

هذه المستكشفة والكاتبة والصحفية السويسرية – الفرنسية ذات الأصول الروسية، التي اعتنقت الإسلام، كانت مُلمة بثقافة الجزائريين الذين عاشرتهم في أواخر القرن الـ19، وكانت تتقن ست لغات منها العربية والتركية وجابت أنحاء البلاد من شمالها إلى جنوبها ووصفت في مذكراتها الواقع الذي يعيشه المجتمع الجزائري خلال الاستعمار فرنسي فتركت وثائق تاريخية قيّمة.

وعليه اقترحت الجمعية أن تتم توأمة مدينة باتنة، شمال شرق الجزائر، التي عاشت فيها إيزابيل إيبرهارت مع مدينة كان الفرنسية، على أن تشكل المبادرة "حجر أساس المصالحة الفرنسية – الجزائرية".

جمعية "الشباب والذاكرات الفرنسية الجزائرية" تقترح شخصية تاريخية نسائية تلم شمل ضفتي البحر المتوسط

طموحات كبيرة في ظل علاقات فرنسية – جزائرية متقلبة

رحب الرئيس إيمانويل ماكرون بعمل مجموعة الشباب الذين كان استقبلهم في قصر الإليزيه أواخر العام الماضي للتشاور معهم حول مسألة المصالحة مع الذاكرة ثم صرّح في وقت لاحق أنه يجب مواصلة التعاون معهم وإدراج أفكارهم ضمن العمل الذي ينوي مواصلته مستقبلا مثل إنشاء متحف فرنسي جزائري في مدينة مونبيلييه جنوب البلاد.

من جهتها، الجمعية التي سهرت على بلورة كل هذه الأفكار الطموحة أقرت بأن التعاون مع الطرف الجزائري سيكون صعبا ما لم توجد رغبة سياسية قوية لدى الحكومة الجزائرية في التعاون مع الحكومة الفرنسية لتحقيقها على أرض الواقع.

وكان الرئيس ماكرون أكد منذ بداية عهدته الأولى أنه يرغب في تحقيق المصالحة بين الذاكرات "المتجزئة" حول تاريخ الاستعمار الفرنسي للجزائر. وقد قام بسلسلة من المبادرات في هذا الخصوص مستندا على التوصيات الواردة في تقرير المؤرخ بنجامين ستورا ذي الأصول اليهودية الجزائرية والمتخصص في التاريخ الاستعماري للجزائر.

من بين تلك المبادرات كان اعتراف الرئيس ماكرون بمسؤولية الدولة الفرنسية في تعذيب وقتل المناضل والمحامي الجزائري علي بومنجل خلال حرب الاستقلال كما أحيى ذكرى الجزائريين من ضحايا جرائم 17 أكتوبر 1961 في باريس التي وصفها الرئيس الفرنسي بحادثة "لا تُغتفر" بالإضافة إلى تسليم الجزائر جماجم 24 مقاوما للاستعمار كانت فرنسا تحتفظ بها منذ القرن التاسع عشر في متحف الانسان التابع للمتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في باريس.

إلا أن التصريحات التي نُسبت للرئيس ماكرون والمشككة في "وجود أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي" في أكتوبر/تشرين الأول 2021 كانت أغضبت الجزائر وزادت من حدة التوتر بين البلدين في الفترة التي سبقت الانتخابات الرئاسية الفرنسية.

وكان ماكرون ألمح إلى عدم وجود رغبة من الطرف الجزائري في التجاوب معه بشأن موضوع مصالحة الذاكرة خلال إحياء الذكرى ال60 لانتهاء حرب الجزائر بتوقيع اتفاقيات إيفيان وإعلان وقف إطلاق النار، وقال أثناء المراسم التي نُظمت في قصر الإيليزيه يوم 19 مارس/ آذار 2022 إنه يتوقع انتقادات البعض الذين قد يسألونه لماذا يقوم بكل هذا العمل مادام لا توجد رغبة مماثلة في الضفة المقابلة.

وأجاب الرئيس ماكرون على هذا السؤال الافتراضي بأن ما يقوم به هو أولا وقبل كل شيء من أجل أبناء بلاده الفرنسيين بهدف تحقيق التعايش بين بعضهم البعض في سلام.

وأعرب الرئيس الفرنسي عن يقينه من أنه "سيأتي اليوم الذي ستشق فيه الجزائر هذا الطريق" وأنه يتفهم أن المسألة قد تكون "أكثر صعوبة بالنسبة للجزائريين وحكامها مما هي بالنسبة للفرنسيين".

خطاب الرئيس إيمانويل ماكرون خلال مراسم إحياء الذكرى الـ60 لاتفاقيات إيفيان. قصر الإيليزيه، 19 مارس/آذار 2022

ماكرون ألمح إلى عدم وجود رغبة من الطرف الجزائري في التجاوب معه بشأن موضوع مصالحة الذاكرة

من الجانب الجزائري لم تصدر أي تعليقات ترحب صراحة بمبادرات الرئيس ماكرون الخاصة بمصالحة الذاكرة، عدا تلك المنتقدة لتقرير بنجامين ستورا التي جاءت على لسان عبد المجيد شيخي، مدير الأرشيف الوطني الجزائري والمستشار الرئاسي المكلف بالذاكرة، مفادها أن "الأمر يتعلق بعلاقة ثنائية فرنسية-فرنسية" لأن الجزائر لم تبلّغ به رسميا حتى تكون ملزمة ولو معنويا بالإجابة على ما جاء فيه" وتابع: "وبالتالي فهو بالنسبة لنا رسميا وكأنه غير موجود".

يذكر أن السيد عبد المجيد شيخي مناضل سابق ضد الاستعمار الفرنسي وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون كلّفه ليكون مقابلا للمؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا في العمل حول الذاكرة في يوليو / تموز 2020 وقال الرئيس الجزائري آنذاك إنه "تسهيل للأمور والخروج من التشنج السياسي والاستغلال السياسوي".

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم