الجزائر بحجم "قارة" لكنها لا تتمتع باكتفاء ذاتي من القمح، فما الخلل؟

زراعة القمح
زراعة القمح Pixabay

أكد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أنّ بلاده تملك من القدرات ما يكفي لتحقيق اكتفاء ذاتي من الحبوب كالقمح والشعير، مجيبا على تساؤلات حول ضمان الأمن الغذائي للبلاد في ظروف أزمة الحبوب المترتبة عن الحرب في أوكرانيا.

إعلان

 

تبون: الجزائر تملك الأراضي والمياه ولم يبق سوى العمل والمنطق

وجّه رفيق شلغوم، مدير الجريدة الالكترونية "الجزائر الآن" سؤالا إلى الرئيس عبد المجيد تبون حول أسباب عدم تحقيق اكتفاء ذاتي من القمح في بلد كالجزائر التي غالبا ما توصف ب"القارة" وسأل الصحافي الرئيس الجزائري قائلا: "أين الخلل؟".

فأجاب الرئيس عبد المجيد تبون: "الخلل له أسباب كثيرة. أولا ولمدة طويلة كانت الفلاحة تُعتبر مهنة اجتماعية. يُنظر إلى الفلاح كمسكين وليس كمنتج وعضو بارز في العالم الاقتصادي. فاستمرت الأمور على تقديم المساعدات تلو الأخرى. ثانيا، لقد تأخرنا من الناحية التقنية لأننا اتخذنا كتقاليد أمورا سلبية مثل حملات الحرث والبذر والحصاد التي لم تتغير منذ 20 سنة فلم تكن هناك أبحاث ولا رغبة في التحسن بالرغم من توفر جيش من المهندسين... فدخلنا في نوع من الروتين".  حسب تقدير الرئيس الجزائري الذي تحدث في إطار لقائه الدوري مع الصحافة يوم الأحد الماضي 31 يوليو/تموز 2022.

 وأضاف الرئيس عبد المجيد أن " اليوم الأحداث والظروف حتمت علينا مراجعة أنفسنا وكنا نشعر بذلك قبل سنتين، أنه سيأتي الوقت الذي يكون فيه القمح سلاحا فتاكا، لأن الجوع يجعل الإنسان يرتكب أشياءً...وخاصة إذا ما رأى أولاده يعانون من الجوع".

وتابع الرئيس الجزائري بأن الدولة باشرت في إعادة هيكلة الفلاحة وقد بدأت تتحسن الأمور "نوعا ما" بنسبة تتراوح بين 7% و10% في هذه السنة ويتمنى تحسنا أكبر في السنة المقبلة قد يرتفع إلى 50%-60% بالنسبة للضعف المسجل حاليا.

واستند الرئيس تبون في توقعاته على كون بلاده "تملك الأراضي والمياه ولم يبق سوى العمل والمنطق" مؤكدا أن العمل تقني بامتياز إذ "يعلم المهندسون بأن الأرض بقدر ما تعطيها تعطيك".

 ولم يستبعد عبد المجيد تبون أن تحقق الجزائر اكتفاء ذاتيا من الحبوب كالقمح الصلب واللّين والشعير، معتبرا في الوقت نفسه أنه يستحيل الحصول على اكتفاء ذاتي كلّي فيما يخص الأمن الغذائي وهذا أمر ينطبق على جميع الدول حسب تقديره.

الرئيس عبد المجيد تبون في لقائه الدوري مع الصحافة الجزائرية. 31 يوليو/تموز 2022

لقاء الرئيس عبد المجيد تبون الدوري مع الصحافة. 31 يوليو/تموز 2022

 الجزائر تُعتبر ثاني مستهلك للقمح في أفريقيا وخامس مستورد للحبوب في العالم بعد مصر والصين وإندونيسيا وتركيا.

وقبل أن تتأثر من تداعيات الحرب في أوكرانيا كانت البلاد قد عانت من نقص الأمطار في العام الماضي ما تسبب في انخفاض الإنتاج المحلي للحبوب ب 38% وما دفعها إلى زيادة الواردات.

وكانت الجزائر قررت تنويع مُوَرّديها بهدف التخلص من احتكار القمح الفرنسي للسوق فاستأنفت في ديسمبر/كانون الأول 2021، وللمرة الأولى منذ خمس سنوات استيراد ما لا يقل عن 800 ألف طن من القمح الروسي.

إلا أن اندلاع الحرب في أوكرانيا وما نتج عنها من ضغوط على أسواق الغذاء دفع بالجزائر مؤخرا إلى استيراد كميات إضافية من القمح وبأسعار مرتفعة من دول مثل فرنسا.

في حديث خاص لمونت كارلو اعتبر السيد جمال بلعيد، المتخصص في الزراعة والأستاذ في جامعة باتنة سابقا، أن إعادة هيكلة النظام الفلاحي في الجزائر تتطلب معالجة شقين مهمين، أولهما تحسين التقنيات المستعملة في الزراعة والثاني ضرورة وضع إطار قانوني يمنح للفلاحين ضمانات من شأنها أن تحفزهم على الاستثمار في الأراضي الزراعية المستأجرة.

وعلى غرار ما قاله الرئيس عبد المجيد تبون بأن الفلاّح "لم يُنظر إليه كعضو بارز في العالم الاقتصادي"، اعتبر السيد جمال بلعيد بأن المزارع ما زال على هامش اتخاذ القرار في نظام ما تزال تطغى عليه المركزية الإدارية بالجزائر.

وينصح خبراء مثل جمال بلعيد في هذا الخصوص بتطوير نظام التعاونيات الزراعية، ليست تلك الشبيهة بالتعاونيات الاشتراكية السابقة وإنما على غرار التي يُعمل بها حاليا في دول أوروبية عدة ومنها فرنسا.

كما أشار جمال بلعيد إلى أن المناخ شبه القاحل في الجزائر يتطلب مستوى تقنيا عاليا وأن وجود ما لا يقل عن 500 مهندس زراعي في البلاد يُفترض أن يكون على الأرض أكثر منه في الإدارات إذا ما أُريد تحقيق تقدم في الميدان.

الزراعة في الصحراء الجزائرية، حل مستدام؟

تراهن الجزائر على الصحراء ليس فيما يتعلق بثرواتها الباطنية من بترول وغاز فحسب وإنما أيضا فيما يتعلق بقدراتها الفلاحية والزراعية التي أتت ثمارها منذ سنوات عديدة لدرجة أن مناطق في الجنوب الجزائري كغرداية والمنيعة على سبيل المثال أصبحت المناطق الأولى المنتجة للألبان في البلاد. وبفضل استصلاح الأراضي في الجنوب أصبحت الكثير من الخضر والفواكه متوفرة على مدار السنة.

وتنظر السلطات الجزائرية في سبل توسيع المساحات المروية في الجنوب بهدف زيادة الإنتاج المحلي من المحاصيل. وكانت السلطات أفادت في هذا الخصوص بأن انتاج الحبوب في الجنوب بلغ 1,4 مليون قنطار في السنوات الأربع الأخيرة الماضية.

وفيما يعتبر البعض أنه لم تُستغل بعد كامل الإمكانات المتوفرة في الصحراء وبينما تستمر السلطات في تقديم هذه المنطقة كحل رئيسي لضمان الأمن الغذائي للبلاد، يعتبر البعض الآخر أن الزراعة في الجنوب ليست حلا مستداما على المدى البعيد نظرا لكونها مناطق قاحلة تعتمد على مياه جوفية، ليس معروفا كم من الوقت ستدوم.

في هذا الصدد أشار السيد جمال بلعيد إلى قياسات أُجريت عبر قمر GRAS الاصطناعي تفيد بأن حجم تجدد المياه الجوفية في الصحراء لا يزيد على 40% من المياه المُستهلكة.  يضاف إلى ذلك الكميات الكبيرة للطاقة المستهلكة في ضخ المياه والري. ناهيك عن استخدام مفرط للأسمدة بسبب نوعية التربة الرملية غير القادرة على الحفاظ على المواد العضوية المغذية.

يجب توجيه الدعم إلى الزراعات الاستراتيجية

أما في شمال البلاد فيرى جمال بلعيد أن الدولة لا تفرّق بين "الزراعة الاستراتيجية وزراعة الريع" في منحها الدعم المالي للمشاريع الزراعية. فتجد هناك من يُفضِّل زراعة الموز التي تتطلب كميات كبيرة من المياه ولكنها تدر عائدا استثماريا مرتفعا وفي فترة زمنية قصيرة مقارنة مع زراعات أخرى أقل ربحا مثل منتجات استراتيجية وحيوية كالحبوب.

فينصح الخبراء بأن يُوَجَّه دعم الدولة نحو الزراعات الاستراتيجية بتقديم محفزات مالية للفلاحين كي يستثمروا في زراعة الحبوب، من بين الحلول المتوخاة لاستغلال أمثل للأراضي وبهدف تقليص فاتورة وحجم الحبوب المستوردة.

لم يبق سوى "العمل والمنطق" لترجمة النوايا الحسنة إلى أفعال ملموسة. فهل ستنجح الجزائر في تحقيق هدف الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي وهي التي تفتخر بأنها كانت يوما "تغذي أوروبا وأن فرنسا كانت تأخذ القمح من الجزائر لتبيعه لدول أخرى، ما يدل على أن الإنتاج كان وفيرا في الجزائر" حسب تصريحات سابقة أمام النواب لرئيس الحكومة الجزائري أيمن بن عبد الرحمان.   

-------------

*جمال بلعيد، مهندس زراعي، أستاذ سابق في جامعة باتنة (شمال شرق الجزائر)، صدر له كتاب "الزراعة في الجزائر- أو كيف تغذي 45 مليون ساكن في وقت الأزمات"، باللغة الفرنسية (L’Agriculture en Algérie – ou comment nourrir 45 millions d’habitant en temps de crise)، عن دار L’Harmattan للنشر، في سبتمبر/ أيلول 2021.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم