مقابلة

العربي بوقرة: يجب استخلاص الدروس من حادثة التمور الجزائرية والتخلي تماما عن المبيدات الكيميائية

تمور
تمور © فليكر ( Abdulla Al Muhairi)

أثار سحب كمية من التمور الجزائرية من الأسواق الفرنسية تساؤلات حول مدى سُمّية رواسب المادة الكيميائية التي تم اكتشافها في أحد أعلى أصناف التمور جودة في شمال أفريقيا، المعروف ب"دقلة نور". وكانت السلطات الفرنسية أمرت بسحب علب التمور المعنية من الأسواق ودعت المستهلكين إلى عدم تناولها وإعادتها إلى المتاجر في إطار التدابير الاعتيادية المُتخذة لحماية المستهلك. إلا أن القضية اتخذت أبعادا أخرى في الجزائر وصلت إلى حدّ سجن صحفي بسبب مقال نشره حول التمور التي تعتبر الجزائر أحد أكبر المصدرين لها في العالم.

إعلان

أشار موقع Rappel Conso الحكومي الفرنسي في يوم 24 ثم في 27 يونيو/حزيران 2022 إلى عدم وضع تنبيه بوجود مادة الأنهيدريد سولفورو- Anhydride sulfureux المثيرة للحساسية على علب منتوجيْن جزائرييْن لتمور "دقلة نور" وطالب المواطنين بعدم استهلاكها وإبعادتها إلى المتاجر أو إتلافها.

وفي ال23 من أغسطس/آب الماضي نشر نفس الموقع إنذارا يتعلق بماركة ثالثة لتمور دقلة نور الجزائرية يُنبه بوجود رواسب لمبيد الديفلوبينزورون – Diflubenzuron وهي مادة كيميائية باتت ممنوعة في الاتحاد الأوروبي. فطالب المستهلكين بعدم تناول المنتوج وإعادته إلى المتاجر مقابل تعويضهم المادي أو مقابل استبدال المنتوج.

ولم تُحدث هذه التدابير أي قلق يُذكر بين المستهلكين أو ضجة إعلامية في فرنسا، فموقع Rappel Conso يُصدر تنبيهات من هذا النوع بصورة يومية وتتعلق بشتى أنواع المنتجات الفرنسية منها والأجنبية التي يتم تسويقها في البلاد.

الأستاذ محمد العربي بوقرة، مدير دراسات سابق في المركز الوطني للبحوث CNRS في فرنسا وأستاذ سابق في الجامعة التونسية، متخصص في علم السموم، شرح مدى خطورة المادتين المشار إليهما على صحة الإنسان، في حديث خاص لمونت كارلو الدولية.

بالإمكان الاطلاع على أهم ما جاء في المقابلة في النص أدناه أو الاستماع إليها كاملة على هذه الصفحة.

ما هي مادة الديفلوبنزورون التي وُجد أثر لها في بعض من التمور الجزائرية المُستوردَة هنا في فرنسا، وما مدى خطورتها على صحة الإنسان؟

الديفلوبنزورون هو مبيد للحشرات أساسا ويُستعمل خاصة لمكافحة ما يُسمى في شمال أفريقيا ب"بوفروة" وهي عنكبوت صغيرة جدا تضر بالتمرة وتجعلها غير صالحة للأكل.

أعتبر هذا المبيد أنه أكل عليه الدهر وشرب لأنه اختُرع عام 1971 واسمُه التجاري هو "الديميلين" Dimilin.

خطورته بالنسبة للإنسان تكاد تكون صفر فهو يشكل خطرا بالأساس على اللافقاريات مثل عنكبوت البوفروة...مبيد الديميلين يمنع اكتمال تطور الحشرة من دودة إلى عنكبوت فتموت...

مدى سُمِّية هذا المبيد بالنسبة للإنسان والفقاريات عموما تكاد تكون صفر بالمقارنة مع مبيدات أخرى...مشكلته الأساسية هو أن له رواسب تبقى على الثمرة إذا ما عُرضت إلى السوق قبل أربعة أو خمسة أسابيع من استعمال المادة.

يعني أنه لا يجب تسويق التمر إلا بعد مرور أربعة أسابيع من استعمال هذا المبيد!

بعد تلك الفترة المادة تزول من تلقاء نفسها. أما عن مدى سرطنة المبيد فتكاد تساوي الصفر بالنسبة للإنسان.

ولكن موقع Rappel Conso الحكومي الفرنسي الذي أشار إلى وجود هذه المادة ذكّر بأن مبيد الديفلوبنزورون ممنوع في الاتحاد الأوروبي كسبب رئيسي لمنع تسويق التمور المعنية

هذه المادة مُنعت في الاتحاد الأوروبي ابتداء من ال30 من يونيو/حزيران 2022، أي أنه أمر جديد يكاد يكون البارحة. يعود ذلك إلى مُنتِج المبيد الذي لم يرغب في تمديد التصريح باستعماله...

يجب التشديد على أن التمور أو المنتجات التي استُعمل فيها الديميلين لا بد أن تُباع بعد أربعة أسابيع من الاستعمال والراسب القانوني الذي لا بُدّ من احترامه هو 0،01 ميليغرام في الكيلوغرام، يعني كمية ضئيلة جدا...

لماذا قرر الاتحاد الأوروبي منع هذه المادة التي تقول عنها إنها ليست مضرة في آخر الأمر؟

أعتقد أن ذلك يعود أولا إلى كون هذا المبيد أكل عليه الدهر وشرب إذ ترجع براءة اختراعه في أمريكا إلى العام 1971.

ثانيا أصبح الناس الآن يستعملون أساسا المواد العضوية لمقاومة الحشرات فأعتقد أن هناك طرح من قبل السلطات الأوروبية لبعث الناس على استعمال المواد العضوية.

ماذا عن مادة الـ Anhydride sulfureux التي لم تتم الإشارة إليها على غلاف بعض العلب ما تسبب في الدعوة لسحبها من السوق؟

الـ Anhydride sulfureux هو أساسا غاز يُستعمل للتعقيم، إنه مادة حافظة مضادة للأوكسيجين. ولدى بعض الأشخاص حساسية خاصة بحيث لا يمكنهم تحمل هذه المادة مثلما هو الحال بالنسبة للمصابين بالربو، فقد تتسبب هذه المادة في إثارة نوبات الربو. لكن الكميات المستعملة من هذه المادة ضئيلة جدا ورواسبها تكاد تكون منعدمة خاصة وأن هذه المادة هي غاز، على عكس مادة الديميلين التي هي عبارة عن غبار...

ولكنه من الضروري أن يُشار إلى وجودها على غلاف المنتوج لأن هناك قوانين والتزامات من قبل التجار...وهذا أمر عادي جدا ومُتداول به في جميع أنحاء العالم، فمن حق المستهلك أن يعرف ماذا يوجد بداخل العلبة.

ما قولكم عن القوانين الأوروبية في مجال المبيدات؟ هل هي مُوحدة ومتسقة وواضحة بالنسبة للعالم الخارجي عن الاتحاد الأوروبي؟  

 هناك فوضى وخلاف عميق في أوروبا حول العديد من المبيدات الحشرية فمنها ما يُستعمل في أمريكا والمنتوجات المُلوَّثة التي تصل إلى أوروبا قد تقبل بها دولة كالمجر بينما ترفضها دولة كفرنسا...

من أسباب ذلك أن العلماء غير متفقين مائة بالمائة حول أضرار هذه المواد ومن ناحية أخرى هناك دوافع تجارية للسماح بدخولها أوروبا...

كما أن هناك نفوذا كبيرا للشركات المتعددة الجنسيات واللوبيهات التي تعمل لمصالحها في الاتحاد الأوروبي...

العربي بوقرة: يجب إدخال في عقول الناس أن استعمال المواد الكيميائية مضر وأن هناك طرقا أخرى بديلة

الأستاذ محمد العربي بوقرة شدد في حديثه على وجوب استخلاص الدروس من حادثة التمور واغتنام فرصة الحديث عن المبيدات الحشرية للتذكير بضرورة الاستغناء عن المواد الكيميائية قائلا: "يجب علينا أن نستعمل أساسا المواد البيولوجية (العضوية) وأن نتخلى تماما عن هذه المبيدات الكيميائية التي تضر بالمحيط وبصحة المواطن في العديد من دول العالم الثالث..."

وأشار الأستاذ بوقرة إلى وجود مشاكل عديدة جدا تتعلق بسوء استخدام المبيدات وما يترتب عن ذلك من ضحايا و"موت 500 ألف شخص في العالم الثالث" من جرّائها.

واستنكر الباحث العربي بوقرة ما وصفه ب "الكيل بالمكيالين" عندما يتعلق الأمر بالسماح باستعمال المواد الكيميائية في العالم الثالث في الوقت الذي تكون فيه ممنوعة في الدول الأوروبية.

فشدد الأستاذ السابق بجامعة تونس على ضرورة إحداث تغيير ثقافي بتوعية الناس وخاصة الفلاحين الذين يعتقدون عن خطأ أن الاستغناء عن المبيدات قد يجلب لهم خسائر مادية. فيتوجب في نظر الأستاذ محمد العربي بوقرة القيام بعمل التوعية وتكوين المزارعين في التقنيات العضوية لأن "أخطار المبيدات الكيميائية تفوق بكثير منافعها".

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

ابق على اطلاع دائم بالأخبار الدولية أينما كنت. حمل تطبيق مونت كارلو الدولية