تحليل إخباري

هل أصبح ركوب البحر ملاذا جماعيا لآلاف التونسيين اليائسين؟

هجرة الشباب في تونس (أرشيف) AFP
هجرة الشباب في تونس (أرشيف) AFP © AFP

أصبحت الأخبار التي تتحدث عن غرق قوارب قبالة الشواطئ التونسية وهي تحمل مهاجرين تتكرر بشكل كبير، ويتكرر معها سرد أعداد الضحايا ممن يلقون حتفهم خلال رحلات محفوفة بالمخاطر. فحسب وكالة فرونتكس الأوروبية، شهدت الفترة ما بين كانون الثاني/يناير وتموز/يوليو من العام الجاري، عبور أكثر من 42500 مهاجر، نحو أوربا وعبر البحر الأبيض المتوسط، بزيادة قدرها 44 في المائة مقارنة بالأشهر السبعة الأولى من العام المنصرم. وبات المشهد المأساوي يمس ليس فقط المهاجرين الآتين من دول الساحل جنوب الصحراء، بل وأيضا الآلاف من التونسيين الذين يركبون البحر طمعا في الوصول إلى الضفة الأخرى.

إعلان

مهاجرون تونسيون بالجملة

تؤكد الإحصائيات الرسمية وغير الرسمية تزايد عدد المهاجرين السريين من التونسيين. وقدر المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية عدد من وصلوا منهم إلى السواحل الإيطالية، منذ مطلع السنة الجارية، بما يزيد عن 13 ألف شخص، بينما كان عددهم خلال نفس الفترة 11042 شخصا. وحسب المنتدى، يوجد من بين أولئك المهاجرين 624 امرأة و2635 قاصرا مصحوبين بأحد ذويهم و1822 من القاصرين غير المصحوبين.

ولا تشكل تلك الأرقام سوى ما تم ضبطه وتقديره من حالات، بينما تبقى الأعداد الحقيقية أكبر من ذلك بالنظر إلى طبيعة الظاهرة، والتي تتسم بالسرية. أضف إلى ذلك أن عددا من المهاجرين غير النظاميين يلقون حتفهم في البحار ويظل مصيرهم مجهولا حتى لدى ذويهم. وقدر المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية عدد التونسيين المهاجرين ممن غرقوا خلال رحلة العبور ب 507 شخصا.

وحسب المنظمة الدولية للهجرة، فإن التونسيين يُعدون أكبر مجموعة من المهاجرين غير الشرعيين الذين وصلوا إلى إيطاليا، عام 2021. إذ شكّلوا 15 بالمائة من إجمالي الوافدين، في الفترة الممتدة ما بين شهري يناير/كانون الثاني ومارس آذار.

وقد باتت الهجرة السرية تُطرح كظاهرة تثير الكثير من المخاوف في تونس. فنسبة التونسيين بالخارج تصل إلى 11 في المائة من مجموع السكان، وهي نسبة مرشحة للارتفاع بشكل كبير في السنوات المقبلة، وتحمل معها إشكاليات بنيوية، لا تتعلق فقط بالنمو الديمغرافي، وإنما أيضا بهجرة الأدمغة.

وحمّل الناطق الرسمي باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية رمضان بنعمر خلال تقديمه، مؤخرا، لمعطيات المنتدى حول الهجرة، رئاسة الجمهورية التونسية المسؤولية عن تفاقم أزمة الهجرة، في ظل ما وصفه بن عمر ب"صمت المؤسسات والوزارات التونسية"، في حين يستمر " المناخ السياسي المتوتر"، ما يتسبب في "الإحساس بالإحباط وانعدام الأمن في البلاد"، حسب تعبيره. بينما كان الرئيس التونسي قيس سعيّد صرح في وقت سابق، بأن بعض الشباب اليائسين يتقاضون أموالاً مقابل محاولة الهجرة من تونس بطرق غير مشروعة إلى أوروبا، واعتبر سعيّد أن الهدف من ذلك هو الإضرار بالبلاد من الداخل وبعلاقاتها مع أوروبا.

وأضاف سعيّد أن بعض أصحاب الأهداف السياسية يدفعون أموالاً لشباب يائسين للقيام بتلك الرحلة الخطرة، مؤكداً أن خطتهم تقوم على ​​تكرار الهجرة الجماعية غير الشرعية التي حدثت بعد الثورة التونسية قبل عقد من الزمن. وقال سعيّد في تسجيل مصور عممه مكتبه منذ أشهر: "هناك أشخاص يتسببون في أذى لتونس. أتساءل: كيف يمكن أن يقنعوا 1500 شاب بالهجرة"؟ وأضاف "يمنحونهم أموالاً حتى يغادروا. إنهم يستغلون بؤس هؤلاء ويرغبون في تكرار ما حدث في عام 2011. إنهم يضرون بعلاقات تونس مع إيطاليا وأوروبا ودول أخرى".

هجرات بالجملة

تؤكد التقارير أن هجرة التونسيين بطريقة غير نظامية باتت تشمل مختلف الفئات والأعمار ومن الجنسين، ولم تعد تستثن من ذلك النساء الحوامل ولا القاصرين الذين يغادرون بدعم وتشجيع من آبائهم، خاصة وأن قانونا إيطاليا يحظر إعادة الأطفال القصر غير المصحوبين بذويهم ممن وصلوا إلى الشواطئ الإيطالية. ويؤكد خبراء أن مؤشرات الهجرة ارتفعت في أوساط الشباب ومتوسطي الأعمار، من واحد من ضمن أربعة، إلى واحد من كل إثنين.

كما لم تعد الهجرة غير النظامية تستثني الحاصلين على شهادات عليا، وحتى من لديهم مهن ووظائف يُفترض أن تمكنهم من العيش بيسر في بلدهم، كالتعليم والهندسة والطب وغيرها من المهن. بينما كانت الهجرة السرية في السنوات السابقة، تشمل العاطلين عن العمل ومن لا يملكون شهادات.

وحسب تقارير حول الهجرة، فقدت تونس خلال السنوات الخمس الماضية أكثر من 100 ألف من كفاءاتها في قطاعات مهمة كالهندسة والصحة والتعليم والتكنولوجيات الحديثة. وقد بات إشكال هجرة الأدمغة يطرح نفسه بحدة في تونس.

وبينما كانت مشاريع من ينشدون الهجرة غير النظامية تتم في سرية كبرى، بات الكثيرون لا يخفون عزمهم على الهجرة، بل ويلجؤون إلى أقاربهم ومعارفهم كي يساعدوهم في توفير تكاليف الرحلة، على أمل أن يرد المهاجر الجميل بعد استقراره في أوربا ويساعد في هجرة فرد أو أكثر من أفراد الأسرة أو المعارف.

كما لم تعد الهجرة غير النظامية في تونس تتم كبحث فردي عن الخلاص، بل باتت تتخذ طابعا جماعيا، إذ تستيقظ الكثير من القرى والمدن على خبر سفر العشرات من أبنائها دفعة واحدة في رحلة قد توصلهم إلى المراد، كما قد تودي بحياتهم.

وكان خبر هجرة محمد علي شلبي (18 عاما) حارس مرمى فريق الشباب بفريق كرة القدم الصفاقسي أثارت ردود أفعال واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ هاجر شلبي على متن قارب الشهر المنصرم، رغم أنه من الطبقة الوسطى، ولديه مسيرة مهنية واعدة. وحذر المدير الفني لنادي الصفاقسي لكرة القدم، ميز الطريفي، من أن يدفع رحيل شاب كشلبي بالكثير من الشباب التونسي إلى السير في نفس الطريق.

وعلى مواقع التواصل الاجتماعي لم يعد من النادر العثور على صور لمهاجرين غير نظاميين حتى وهم في أعالي البحار. فالعديد من المهاجرين يصحبون معهم هواتفهم النقالة خلال رحلة العبور، فيصورون جزءا من رحلتهم ويرسلون رسائل إلى أسرهم كما ينشرون مقاطع فيديو من الرحلة التي توصل الكثير منهم إلى جزيرتي لامبيدوزا وصقلية الإيطاليتين، وتُغرق آخرين في مياه البحر الأبيض المتوسط.

وتختلف سُبل الهجرة عبر البحر بين التونسيين، فبينما يلجأ العديد منهم إلى السماسرة والوسطاء كي يتمكنوا من ركوب قارب يفترض أن يوصلهم إلى الشواطئ الإيطالية، بات آخرون يتجهون نحو الاعتماد على أنفسهم وتدبر أمرهم عبر خلق مجموعة متشكلة من أبناء الحي أو الأصدقاء أو غير ذلك، حيث يقومون بتحضيرات للرحلة، تشمل شراء قارب. وهم يهدفون من ذلك، تجنب دفع مبلغ مالي للوسطاء، خاصة وأن أثمنة العبور عبر وسيط شهدت ارتفاعا ملحوظا بينما الكثير من الراغبين في الهجرة لا يملكون مالا. كما أن العديد من التجارب أظهرت أن وسطاء يقومون بالتحايل على مهاجرين، فيركبونهم البحر على أمل الوصول إلى الشواطئ الإيطالية، لكن قواربهم ترسو في شواطئ تونسية أو يهجرها الوسطاء وهي في أعالي البحار تاركين المهاجرين عرضة للغرق.

أوضاع صعبة في الوطن

تؤكد شهادات الكثير من المهاجرين غير النظاميين التونسيين أن الأوضاع التي تعيشها تونس، والتي تزداد سوءا، هي التي كانت وراء اختيارهم الهرب في اتجاه آخر حتى لو كلفهم ذلك حياتهم، إذ لا تخفى عليهم المخاطر التي تكتنف عملية عبور عبر قارب مطاطي أو غيره.

ويحكي كمال، لمونت كارلو الدولية، كيف أنه قرر الهجرة عبر قارب رفقة بعض من معارفه، بعدما ضاق بهم الحال في بلادهم. فكمال الحاصل على شهادة الماستر، لم يجد عملا في مجال تخصصه، ولا من معيل لأسرته بعد أن فقد الأب بدوره عمله، وبات يتدبر أموره في مهن بسيطة يحصل عليها بشكل متقطع.

فتونس تعيش وضعا اقتصاديا صعبا، وباتت البلاد على حافة الانهيار، بينما تزداد أعداد العاطلين عن العمل، وتقل فرص الشغل حتى بالنسبة لخريجي الجامعات وأصحاب الشواهد العليا، وشهدت الأجور ركودا كبيرا مقابل ارتفاع مضطرد في أسعار الكثير من المواد، بما فيها المواد الأساسية.

وقد جعل هذا الوضع الكثير من التونسيين وخاصة الشباب منهم، يفقدون الثقة في مستقبل أفضل داخل بلادهم، خاصة وأن الوضع السياسي محتقن، فالرئيس التونسي قيس سعيّد جمد منذ العام الماضي، عمل جل المؤسسات الدستورية ويلاقي المسار السياسي الذي فرضه معارضة شديدة من قبل العديد من الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والحقوقية وغيرها.

ويؤكد خبراء أن الهجرة كظاهرة غزت المجتمع التونسي بشكل كبير لا تحمل في طياتها المساوئ فقط، بل تذر على البلاد أمولا وعملة صعبة، وارتفعت مساهمتها في الاقتصاد التونسي بما بين 7 إلى 8 بالمائة من الناتج الإجمالي الخام، متجاوزة بذلك السياحة. لكن هذا الجانب الإيجابي في الهجرة ليس سوى الشجرة التي تخفي غابة من الإشكاليات، ليس أولها تعريض الآلاف من التونسيين حياتهم للخطر من أجل الوصول إلى أوربا، ولا آخرها إفراغ البلاد من طاقاتها وهجرة أدمغتها نحو الخارج بينما تونس محتاجة لطاقتها كي تبني لأبنائها مستقبلا أفضل.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

ابق على اطلاع دائم بالأخبار الدولية أينما كنت. حمل تطبيق مونت كارلو الدولية