الكاتبة كوثر عظيمي تُسائل أخلاقيات الأدب في تأثيره على حياة أشخاص تحوّلوا إلى شخصيات روائية

كوثر عظيمي، كاتبة جزائرية
كوثر عظيمي، كاتبة جزائرية AFP - JOEL SAGET

في كتابها الخامس باللغة الفرنسية "نذير شؤم" Au vent mauvais الصادر عن دار "سوي" Seuil للنشر، تعالج كوثر عظيمي إشكالية الكتابة الخيالية المستوحاة من أشخاص حقيقيين ومسؤولية الروائي في حفظ خصوصية الأفراد الذين ألهمته قصصهم. كما ترسم الكاتبة الجزائرية بهذه المناسبة لوحة بمختلف مراحل تاريخ الجزائر في القرن العشرين.

إعلان

تدور وقائع الرواية حول ثلاث شخصيات: ليلى وطارق وسعيد الذين يكبرون في قرية بشرق الجزائر في بداية العشرينيات من القرن الماضي.

ليلى المتمردة الطبع يتم تزويجها في سن مبكرة ولكنها سرعان ما تنفصل وتعود إلى أهلها مع ابنها متحدية كلام الناس ونظرتهم الدونية للمرأة المُطلّقة.

طارق، راعي غنم، صَموت ورصين، تذهب به الحياة إلى أوروبا قبل أن تنقلب عليه رأسا على عقب. أما سعيد فابن عائلة ميسورة مما يُمكّنه من متواصلة دراسته في الخارج. الرجلان يكتمان حبهما لليلى.

الحرب العالمية الثانية فرّقت بين الصديقين وتمُرُّ الأيام ويصبح سعيد أديبا. طارق من جهته، يعود إلى قريته ويتزوج من ليلى ويتبنى ابنها كما يُنجب منها ثلاث بنات.

ثم ينخرط طارق في حرب استقلال الجزائر ويشارك بعدها في تصوير فيلم "معركة الجزائر" قبل أن يسافر إلى فرنسا للعمل في إحدى المصانع بضواحي باريس.

سلسلة من الأحداث تقود طارق إلى روما حيث سيعمل حارسا لقصر مليء بالتحف الفنية التي لا تُعرض على الجمهور، فكان له الشرف ألا يشاركه أحد في رؤيتها وعاش حينها فترة ابتعاد تام عن العالم الخارجي وكأن الوقت عُلِّق لوهلة في مسار حياته المضطربة.

ليلى تعيش حياةً تشهدها جل نساء القرى في ذلك الزمن، تقتصر على تربية الأطفال والقيام بالأعمال المنزلية. ولكنها تتمكن من تعلّم القراءة والكتابة بمفردها.

صدور أول رواية لسعيد سيقلب حياة ليلى وزوجها طارق إلى وضع لم يكن الزوجان قادريْن على تخيّله يوما. ما يضطر طارق للعودة إلى البلاد في عجالة.

فكتاب سعيد الذي لاقى نجاحا كبيرا هو في الحقيقة كتاب يروي قصة طارق وليلى الحقيقية بالتفصيل الممل لدرجة أن سعيد يحتفظ بالأسماء الحقيقية لشخصيات الرواية مبقيا حتى على اسم القرية التي نشأوا فيها.

يتحدث سعيد عن ذكرياته بطريقة مفعمة بالشهوة عن سنوات شبابه ويذكر فيها ليلى بشكل طاغ واصفا ملامحها وحتى جسدها.

مضمون الرواية ينتشر بسرعة من الجزائر العاصمة إلى القرية الصغيرة بشرق البلاد فيتحوّل الكتاب إلى "نذير شؤم" بالنسبة لزوجين لم تكن لهما أي علاقة بالكتب والأدب.

تقول الروائية كوثر عظيمي، الحائزة على جائزة رونودو لتلامذة الثانويات، لوكالة فرانس برس "أردت أن أروي كيف يمكن للأدب أحيانا أن يكون نذير شؤم، لأن ما يقلب حياة زوجين ويدمرها في هذه القصة هو كتاب". وتصف عظيمي القصة ب"قصة امّحاء" تجعل الزوجين يضطران للإمّحاء والاختفاء من أنظار أهل القرية والهرب إلى العاصمة حتى لا يتعرّف عليهما أحد.

فكرة القصة تعود إلى تجربة شخصية عاشتها الكاتبة كوثر عظيمي عندما كانت طالبة في جامعة الجزائر حيث وقع "بالصدفة" بين يديها كتاب تبيّن أنه يروي قصة جدّها وجدّتها دون علم منهما وكان الكاتب قد احتفظ باسميهما واسم قريتهما.

وتقول كوثر عظيمي عن تلك الحادثة "هذه القصة أحرجتني كثيرا في البداية. ثم شيئا فشيئا أصبحَت أشبه بطرفة أرويها في نهاية سهرة على الأصدقاء الذين يبقون لمساعدتنا على التوضيب".

وتصرّ الكاتبة على أن قصة جدّيْها ليست سيرة ذاتية تخييلية وإنما نقطة انطلاق لرواية أطلقت فيها العنان لمخيلتها كما أنها تحيي ذكرى جدّيها من خلال هذه الرواية التي غيّرت فيها أسماء الشخصيات وابتكرت اسما آخر لقرية أهلها.

ومن خلال تقاطع مصير الشخصيات الثلاث للرواية تعطي الكاتبة الشابة، كوثر عظيمي، لمحة عن مختلف حقبات تاريخ الجزائر من الاستعمار والحرب العالمية الثانية ثم ثورة التحرير إلى السنوات الأولى من الجمهورية الجزائرية الديموقراطية الشعبية ووصولا إلى الحرب الأهلية وما يعرف بالعشرية السوداء بين 1991 و2002.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

ابق على اطلاع دائم بالأخبار الدولية أينما كنت. حمل تطبيق مونت كارلو الدولية