خبر وتحليل

في الخروج من الذاكرة الاستعمارية

سمعي
العلمان الفرنسي والجزائري
العلمان الفرنسي والجزائري © أ ف ب

قدم المؤرخ بنجامان ستورا مؤخرا تقريره حول الحقبة الاستعمارية الفرنسية في الجزائر وكيفية الوصول إلى مصالحة بين الذاكرتين الوطنيتين. وقد وجد التقرير ردود فعل متفاوتة لدى الطبقة السياسية الفرنسية. في المقابل صرح الطرف الجزائري بأنه لم يساهم في صياغته. وبغض النظر عن هذا التباين، فإن محاولة إرساء نوع من المصالحة بين الذاكرتين يعد خطوة مهمة وتجربة لمصالحات أخرى.

إعلان

وربما أحسن الرئيس الفرنسي ماكرون الاختيار عندما كلف المؤرخ بنجامان ستورا بإعداد تقرير حول المصالحة بين السرديتين الجزائرية والفرنسية. فليس أفضل من مؤرخ متعالي عن العاطفة الوطنية كي يتناول قضايا الذاكرة موضوعيا وهو ما يسمح بتقريب وجهات النظر بين البلدين خاصة في ملفات ربما تمس من الهوية الوطنية.

حاول المؤرخ الوصول إلى نوع من المصالحة بين الذاكرتين عبر تقديم مقترحات عملية لتجاوز صدمة حرب التحرير الوطني. وقد اقترح لذلك تشكيل لجنة "ذاكرة وحقيقة" تعمل على الخروج من ذاكرة المواجهة إلى المصالحة التاريخية. فيبدو أن الخلافات الدبلوماسية بين البلدين مازالت تحت ضغط قضايا التاريخ والذاكرة المعلقة. كما اقترح صاحب التقرير البت في قضايا الذاكرة من خلال مقترحات رمزية مثل إرجاع سيف الأمير عبد القادر إلى الجزائر وإجراء أبحاث حول التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية. هذا بالإضافة إلى نقل أرشيف تلك الحقبة نحو الجزائر وتشكيل لجان للبحث في قضايا تاريخية مختلف حولها.

تعد الخطوات التي اقترحها المؤرخ الفرنسي مهمة لأنها لأول مرة تحاول تقريب وجهات النظر في قضايا تحتل مكانة بارزة في الذاكرتين الوطنيتين وذلك بعد ستة عقود من التباعد والنفور المتبادل. وليس أصعب عبر التاريخ من المصالحة بين ذاكرتين وطنيتين متعارضتين تستمدان من نفس التاريخ المشترك سرديات متعارضة. هي طبعا معركة تحركها نرجسية الذاكرة ويمكن للمعرفة التاريخية الموضوعية كحل للخروج من هذا التنافر.

مشكلة الذاكرة الاستعمارية مطروحة بين الجزائر وفرنسا كما هي مطروحة أيضا في عديد المستعمرات السابقة. ويمكن أن نفهم صعوبة التعامل معها في إطار التناقضات التي تأسست عليها السردية الوطنية في هذا البلد أو ذاك. ولعل الجانب الأصعب في هذا الأمر هو مطلب الاعتذار عن جرائم الاستعمار. هو حسب اعتقادنا مطلب معقد لأنه يتطلب مراجعة الذاكرة الوطنية في كلتا الحالتين. وتعد المعرفة التاريخية هنا وسيلة لخلق وعي موضوعي بالماضي وتجاوز المكامن السوداء في الذاكرة المشتركة للحقبة الاستعمارية. هنا تكمن أهمية تقرير المؤرخ ستورا للخروج من معركة الماضي وفتح باب التعاون المشترك نحو المستقبل.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم