أربع سنوات شعبوية تمحي خمسين سنة من التقدم

سمعي 02:51
مظاهرات ضد الإجهاض في الولايات المتحدة
مظاهرات ضد الإجهاض في الولايات المتحدة REUTERS - ALYSSA POINTER

مثل إعلان المحكمة العليا الأمريكية  بلا دستورية حق الإجهاض صدمة كبيرة للأمريكيات والأمريكيين وكذلك للملاحظين في العالم. فقد ألغت المحكمة قانون سنة 1973 الذي أقر حق المرأة الأمريكية في الإجهاض.

إعلان

نتائج هذا "الانقلاب على الحقوق" لم تتأخر على أرض الواقع. فقد سارعت بعض الولايات التي يقودها الجمهوريون إلى إعلان منع الإجهاض على أراضيها ومن المنتظر أن تلتحق بها عديد الولايات الأخرى. وإن علق الرئيس السابق دونالد ترامب على ذلك بأنها "إرادة الله" فقد اعتبرها الرئيس الحالي جو بايدن بمثابة النكسة.

الحقيقة أنه لم يكن للمحكمة العليا أن تصدر مثل هذه "الفتوى" لولا السياسة الشعبوية للرئيس السابق ترامب. ففي خطوة غير معهودة وغير مبنية على مبدأ الحياد وضرورة مراعات التوازنات المجتمعية، قام هذا الأخير بتعيين ثلاث قضاة محافظين في المحكمة العليا معروفين بمعارضتهم لحق الإجهاض. وبذلك أصبحت هذه المحكمة تحت هيمنة مطلقة لستّ قضاة محافظين مقابل ثلاثة.

مثل هذه التركيبة المحافظة، لا تتلائم مع جزء كبير من الواقع المجتمعي الأمريكي حيث تثبت أغلب استطلاعات الراي أن ما يزيد عن الستين بالمئة من الأمريكيين يساندون حق الإجهاض. فنحن إزاء ردّة سياسية حقيقية متعارضة مع التوجهات المجتمعية وحتى العالمية. فإن تطلب التقدم المجتمعي تراكم نضالات نسوية لعقود سواء لفرض حق الإجهاض في كل التراب الأمريكي أو لفرض تطبيقه، فإن محوه تطلب فقط مرور شخص شعبوي لأربع سنوات في الرئاسة.

يتأكد منحى التراجع الدستوري في تعارض مع الواقع المجتمعي أيضا من خلال "فتوى" أخرى أصدرتها المحكمة العليا منذ أيام تعتبر فيها أن حمل السلاح في الفضاء العمومي هو حق دستوري. وقد أتى هذا القرار بالرغم من الصدمة التي مازال يعيش على وقعها المجتمع الأمريكي والمتمثلة في حادثة إطلاق نار داخل مدرسة سقط خلالها العديد من الضحايا من تلاميذ وأساتذة. إنه عين التناقض. محافظو الولايات المتحدة يناضلون من أجل حق الحياة في شكلها المنوي ليشجعوا على اختطافها بعد الولادة.

نعم لقد انهزم دونالد ترامب وشعبويته انتخابيا، غير أن فاعلية سياسته وخياراته إلى اليوم تكشف أن المكاسب المجتمعية تبقى هشة في سياق عودة المحافظات على الصعيد العالمي مرتكزة على الشعبويات اليمينية. وقد كان استعمال مفردات من نوع ردة وفتوى وانقلاب في هذا النص مقصودا، لنبين أن الفوارق التاريخية بين الفضاءات الثقافية ليست على تلك الدرجة من التماسك.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم