روسيا.. من الدولة إلى ما قبل الدولة

سمعي 02:53
روسيا تُجري التدريبات الأخيرة لجيشها قبل العرض العسكري ليوم النصر في موسكو، روسيا، الذي سيقام يوم 9 مايو 2022
روسيا تُجري التدريبات الأخيرة لجيشها قبل العرض العسكري ليوم النصر في موسكو، روسيا، الذي سيقام يوم 9 مايو 2022 © أ ف ب

قد يقول البعض بأن الحرب الروسية على أكرانيا تعد مؤشرا على قوة روسيا العسكرية التي تثير مخاوف الدول الغربية خاصة بعد تواتر التهديدات المباشرة وغير المباشرة باستعمال السلاح النووي. لكن المتعمق في كيفية هذه الحرب التي أرادها فلاديمير بوتين يكتشف بأن أساليب إدارتها لا تحيل على قوة دولة بالمعنى الحديث للكلمة بل أكثر على مظاهر ما قبل الدولة في صيغتها الإمبراطورية. ويعد ذلك تراجعا سواء مقارنة مع الحقبة السوفييتية أو مع تقاليد الدولية الروسية بعد ذلك.

إعلان

فقد تواترت في الأيام الأخيرة مؤشرات عديدة تكشف التقارب الكبير بين الرئيس الروسي وقائد مليشيا فاغنر يفغيني بريغوجين. فكأن الأخير أصبح المرجع والملجأ في معالجة التورط في الحرب على أكرانيا.

والحديث هنا ليس عن تقارب شخصي بين الرجلين بل عن تعويض العلاقات المؤسساتية للدولة بمثل هذه العلاقات الشخصية. إذ يتم ذلك على حساب المؤسسة العسكرية الروسية التي توالت إهانتتها في المدة الأخيرة من خلال انتقاد بريغوجين للقيادات العليا للجيش الروسي أو من خلال تعويض الجنود الروس ميدانيا بعناصر مرتزقة فاغنر في بعض المعارك.

مثل هذه المؤشرات تحيل في الواقع على نموذج الدولة التقليدية التي لم يتشكل لديها بعد جيش نظامي ضمن الدولة وتعتمد على المليشيات مثل الجيش الانكشاري زمن الإمبراطورية العثمانية. كل الخطر اليوم هو في أن تأخذ هذه المليشيات مكان مؤسسات الدولة الرسمية لتتصرف في ترسانة عسكرية مهولة بما يعني ذلك من تهديد للأمن الروسي والدولي على حد السواء.

تمويل الحرب الروسية على أوكرانيا يحيل بدوره على مؤشرات وضع ما قبل الدولة. إذ تسعى مليشيا فاغنر إلى السيطرة على بعض المناجم الأكرانية بهدف استغلال منتوجاتها للتصدير وتمويل مهمتها الحربية دون رقابة من المالية العمومية الروسية على ذلك. فكأن التمويلات الموازية لحرب تأخذ مكان الميزانية العمومية. اي في كلمة، هي الحرب خارج الدولة.

مكانة الحرب في النظام السياسي الروسي مع فلاديمير بوتين هي بدورها استعادة لما قبل الدولة في صيغتها الإمبراطورية. حيث ساد التقليد الإمبراطوري القديم الذي يعتمد على القائد الحربي على مستوى القيادة وحيث يمثل التوسع الترابي الصيغة المثلى لزيادة موارد الدولة كما كان حال الإمبراطورية الرومانية والروسية والعثمانية.

على المستوى الميداني تذكر طرق الحرب الروسية على أكرانيا بحرب الإمبراطوريات. أي حرب التوسع المجالي التي تعتمد على ترويع المدنيين وتحطيم المدن. وما حديث المسؤولين الروس مؤخرا عن الحرب الشاملة إلا تأكيد على ذلك. أي حرب تشمل الجميع.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

ابق على اطلاع دائم بالأخبار الدولية أينما كنت. حمل تطبيق مونت كارلو الدولية