رفقاً بأرضنا

هل أعادت قمة " كوكب واحد" الحياة إلى الحزام الإفريقي الأخضر الكبير؟

سمعي
صحراء النيجير سيشقّها الجدار الأخضر الكبير
صحراء النيجير سيشقّها الجدار الأخضر الكبير © إذاعة فرنسا الدولية
12 دقائق

أُطلق مشروع الحزام الأخضر الإفريقي الكبير في عام 2005 تحت مسمى " المبادرة الإفريقية للجدار الأخضر الكبير".  وأُقر بشكل رسمي من قبل الاتحاد الإفريقي في عام 2007وبدا تنفيذه في عام 2008. وهو يهدف إلى إقامة حزام أخضر طوله قرابة سبعة آلاف و5 مائة كلم وعرضه 15 كيلومترا. أما البلدان الإفريقية المعنية بالمشروع فيبلغ عددها أحد عشر بلدا. وتقع غالبيتها في منطقة الساحل أو على تُخومها ومنطقة القرن الإفريقي. وهذه البلدان هي السنغال، وموريتانيا، ومالي، وبوركينا فاسو، والنيجر، ونيجيريا، وتشاد، والسودان، وإثيوبيا، وإريتريا، وجيبوتي.

إعلان

 وتعزى الرغبة في بعث المشروع إلى اتساع رقعة التصحر في بلدان منطقة الساحل الإفريقي باتجاه الجنوب لعدة أسباب أهمها فترات الجفاف التي تطول أكثر من اللزوم وتزايد الضغوط على الأراضي الزراعية والمراعي في هذه البلدان مما جعل أتربها لا تصلح بالتدريج للرعي والزراعة. وكثيرا ما تتعرض هذه الأراضي إلى ظاهرتي الانجراف وانجراد أتربتها بسبب الرياح العاتية أو السيول الغزيرة التي تتحول بسرعة إلى فيضانات.

وبعد مرور خمسة عشر عاما على إطلاق المبادرة، يبدو السنغال البلد الوحيد الذي قطع خطوات مهمة لإقامة هذا الحزام والاستفادة منه في مجال التنمية المستدامة. فقد التزم السنغاليون منذ البدء في تنفيذ المشروع بغرس أشجار من أهمها شجرة الطلح في أماكن كانت مهددة بالتصحر إلى حد كبير بمعدل مليوني شجرة كل عام.  وأصبحت هذه الأشجار تشكل بعد نموها بيئات مصغرة في مواضع كثيرة تصلح لزرع الخضروات والأشجار المثمرة ولنمو كائنات نباتية وحيوانية كانت قد اختفت منها أو كادت أن تختفي.

واتضح أن الأوضاع الأمنية في عدة بلدان كان يفترض أن تتمنطَق بالحزام الإفريقي الأخضر لم تتمكن من ذلك بسبب النزاعات والحروب. وهو مثلا حال مالي.

السينغاليون تلاميذ الجدار الأخضر النجباء
السينغاليون تلاميذ الجدار الأخضر النجباء © إذاعة فرنسا الدولية

 

التزامات مالية لم تُنفّذ

ومن أهم العقبات الأخرى التي حالت دون المضي قدما في إنجاز الحزام الأخضر الإفريقي للحد من التصحر عدم ضخ أموال كافية لإنجازه والتعامل مع الحزام بمعزل عن أهدافه الأساسية أي غرس أشجار وشجيرات لديها علاقة وطيدة بالعميلة التنموية المحلية والمبادرات الرامية إلى مكافحة الفقر. هذا ما جعل الرئيسالموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني أحد المشاركين في ندوة عن الجدار الأخضر أقيمت خلال قمة " كوكب واحد" الرابعة يوم الحادي عشر من شهر يناير 2021 يدعو البلدان المتقدمة لإلغاء جزء من ديون البلدان الإفريقية التي يشقها الجدار حتى يتسنى لهذه البلدان ضخه في مشاريع تنموية تعزز الجدار الأخضر الكبير.

وقد اهتدى الخبراء والسياسيون الذين تابعوا عن كثب  منذ عام 2007 مبادرة الحزام أو الجدار الأخضر الإفريقي الكبير إلى أن اختيار عينات من أشجار تتلاءم مع طبيعة المناطق التي تغرس فيها ومع التغيرات المناخية القصوى والعمل على تنشيط الدورة الاقتصادية من حول هذا الحزام بواسطة مزروعات غير مسرفة في استهلاك المياه ومراع تستخدم بشكل غير مكثف وعلى نحو يأخذ بعين الاعتبار واقع المناطق التي يشقها الحزام عوامل لم تُـؤخذ في الحسبان من قبلُ وأنه من الضروري أخذها بعين الاعتبار اليوم حتى يكون هذا الحزام وسيلة ناجعة من وسائل التنمية المستدامة.

هذا ما أجمع عليه المشاركون في إحدى فعاليات قمة " كوكب واحد " في دورتها الرابعة التي نظمت يوم الحادي عشر من شهر يناير –كانون الثاني عام 2021 والتي خصصت لسبل تعزيز منظومة التنوع الحيوي. والملاحظ أن هذه القمة كانت دورتها الأولى قد أطلقت في ديسمبر عام 2017 بمبادرة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ومنظمة الأمم المتحدة والبنك العالمي. بل إن المشاركين في قمة " كوكب واحد" الرابعة توصلوا إلى إقناع عدة شركاء تابعين للقطاعين العام والخاص بالالتزام بتخصيص أحد عشر مليار و8 مائة مليون يورو لتمويل مشاريع إنمائية لديها علاقة بتعزيز الجدار الأخضر العظيم خلال الفترة الفاصلة بين عام 2021 و2025.

 

شراكة بين الصندوق الأخضر من أجل المناخ والصندوق العالمي للتنمية الزراعية

وهذا المبلغ مهم في حال ضخه فعلا في المشاريع الرامية لتعزيز الجدار الأخضر لأن الأطراف التي التزمت في قمة المناخ العالمية التي نظمت في باريس في أواخر عام 2015 بتقديم مساعدات مالية إلى البلدان التي يشقها الجدار الأخضر الكبير لم توف بالتزاماتها. وإذا كانت هذه الأطراف قد تعهدت آنذاك بتخصيص قدره أربعة مليارات من الدولارات لفائدة المبادرة، فإن المبالغ التي جُمعت فعلا في إطار هذه الالتزامات كانت أقل من نصف مليار دولار.

والحقيقة أن ما يدعو للتفاؤل اليوم بشأن إمكانية تعزيز الحزام الأخضر الإفريقي الكبير هو الشراكة التي تقرر إرساؤها بين عدد من المؤسسات التي تُعنى بالتنمية المستدامة لاسيما في الأوساط الريفية وهو أساسا حال الصندوق الدولي للتنمية الزراعية والصندوق الأخضر من أجل المناخ. وتسمح الشراكة الجديدة التي أطلقت بين الصندوقين وشركاء آخرين بحشد ما يصل مجموعه إلى 1 مليار دولار أمريكي من الموارد المالية لصالح مبادرة الجدار الأخضر الكبير خلال عامي 2021 و2022. وهي تهدف إلى تنفيذ مشاريع ترمي إلى استعادة النظم الإيكولوجية في الأماكن التي يشقها الجدار الأخضر الإفريقي والتصدي للقضايا المترابطة والمتمثلة في تغيّر المناخ، وتهيئة فرص العمل، والتخفيف من وطأة الفقر، وتعزيز الأمن الغذائي وإحلال السلام.

وخلال الندوة التي أقيمت في إطار فعاليات الدورة الرابعة من دورات قمة " كوكب واحد قال السيد يانيك غليماريك المدير التنفيذي للصندوق الأخضر للمناخ إن "الصندوق الأخضر للمناخ ملتزم بتوسيع نطاق جهود بلدان منطقة الساحل الرامية إلى بناء الجدار الأخضر العظيم وتطويره، ومكافحة آثار الجفاف وقطع الغابات وتغيّر المناخ. وسيدفع هذا البرنامج الابتكاري، مع تركيزه الموسع على تعزيز سلاسل القيمة الزراعية المستدامة في جميع أنحاء المنطقة وزيادة استثمار القطاع الخاص في أشكال الطاقة المتجددة اللامركزية، عجلة التكيف مع تغيّر المناخ وقدرة ملايين الأشخاص على الصمود، فضلا عن دعمه للنظم الإيكولوجية المحلية والتنوع البيولوجي".

وحرصا على التزام الشفافية في مجال استخدام الموارد المالية المخصصة لتمويل مبادرة الجدار الأخضر الكبير، تقرر خلال قمة " كوكب واحد " في دورتها الرابعة أن تكون الأمانة العامة لاتفاقية مكافحة التصحر الدولية الطرف الذي سيتولى في المستقبل ضمان هذه الشفافية لاسيما في ما يخص المساعدات الدولية التي تقدم إلى البلدان التي يشقها الجدار بهدف تعزيزه.

 وقد سعى المدير التنفيذي للصندوق الأخضر من أجل المناخ إلى إعطاء فكرة عن المشاريع التي أُطلقت بشأنها شراكة جديدة بين هذا الصندوق والصندوق الدولي للتنمية الزراعية والأمانة العامة لاتفاقية مكافحة التصحر الدولية فقال:" يعمل الصندوق الأخضر من أجل المُناخ في إطار شراكة مع الصندوق الدولي للتنمية الزراعية والأمانة العامة لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر على بلورة برنامج إطار من أجل تسريع التطور الذي حققته بلدان الساحل الإفريقي في ما يتعلق بالسور الأخضر الكبير منذ عام 2007. وهذا البرنامج الإطار يهدف إلى إنجاز مشاريع تنموية مركزة على خمسة محاور هي الاستثمار في المؤسسات المتوسطة والصغرى وتأهيل الأراضي المتضررة والقابلة للزراعة وإدارةُ الأنظمة البيئية المصغرة بشكل مستدام وإقامة بنى تحتية قادرة على التكيف مع مناخ المنطقة. أضف إلى ذلك السماح للمستفيدين من هذه المشاريع بالحصول على مصادر الطاقة المتجددة وتعزيز قدراتهم وتعزيز الحكم الرشيد." 

أما بخصوص أجندة تفعيل هذه الشراكة، فقد قال  المدير التنفيذي للصندوق الأخضر من أجل المناخ : "   وسيعمد الصندوق الدولي للتنمية الزراعية والأمانة العامة لاتفاقية الأمم المتحدة التي تعنى بمكافحة التصحر والصندوق الأخضر إلى إجراء سلسلة من المشاورات المكثفة مع كل الطراف المعنية بالسور الأخضر الكبير لبلورة برنامج مفصل عن البرنامج الإطار الذي نعده طوال عام 2021 بهدف عرضه على مجلس إدارة الصندوق الأخضر في أكتوبر عام 2021 وعرضه لاحقا أيضا على مؤتمر المناخ الدولي السنوي المقبل الذي سيعقد في نوفمبر عام 2021".

خلال قمة " كوكب واحد " في دورتها الرابعة التي عقدت يوم الحادي عشر من شهر يناير –كانون الثاني عام 2021 ، ألح جميع المشاركين على ضرورة تضافر جهود  القطاعين العام والخاص لتمويل المشاريع الإنمائية المندرجة أساسا في إطار التكيف مع انعكاسات التغير المناخي السلبية والتصدي لها بشكل فاعل. ولكن هذه القمة أثبتت مرة أخرى أن هناك مشاكل عدة لاتزال قائمة في سياق الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتمويل الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة. هذا ما أكد عليه مثلا السيد   فيليب الزواتي  مدير مؤسسة " مينورا "المتخصصة في إدارة أموال الاستثمارات التي تضخ في التنمية المستدامة. فقد قال في كلمته أمام المشاركين في الندوة المخصصة لسبل إعادة الحياة إلى الجدار الأخضر الإفريقي الكبير: "إن التعاون بين مؤسسات التمويل العامة والخاصة موجود اليوم ولكنه بعيد حتى الآن عن التوصل إلى حشد الأموال الضرورية. فآجال الحصول على الأموال العامة تظل طويلة. بل إن مطالب المستثمرين التابعين للقطاع العام في ما يخص مردودها المالي وتحمل مخاطر الاستثمار في العملية التنموية تجاوزت أحيانا مطالب المستثمرين التابعين للقطاع الخاص. وفي المقابل، على أطراف الاستثمار الخاص في المشاريع المتعلقة بالتنمية المستدامة أن تكون في مستوى المقاييس المعتمدة التي لا تلحق ضررا بالاعتبارات البيئية والاجتماعية. وعلى القطاع الخاص ألا تشوبه شائبة في هذا الشأن. ويتطلب تنفيذ مثل هذه المشاريع أيضا اعتماد نموذج من التعاون يقوم على الثقة وسرعة الإنجاز وقابلية استنساخها".

الحروب وعدم الاستقرار حالت دون تعزيز الجدار الأخضر في مالي
الحروب وعدم الاستقرار حالت دون تعزيز الجدار الأخضر في مالي © إذاعة فرنسا الدولية

بارقة أمل في استكمال بناء الجدار الأخضر

عندما أطلقت مبادرة الجدار أو السور الأخضر الإفريقي الكبير بشكل رسمي عام 2007، كانت رغبة مطلقيه ملحة في أن يتم التوصل في حدود ألفين وثلاثين إلى تأهيل قرابة مائة مليون هكتار من الأرضي التي يشقها الجدار وجعلها قادرة على تثبيت التربة وتثبيت سكان المناطق التي يقطعها الجدار أيضا ويقدر عددهم بمائة وثلاثين مليون شخص. ولكن المساحة التي أعيد تأهيلها للعمل الزراعي وتربية الماشية المستدامين أقل من 18 مليون هكتار لأسباب كثيرة أهمها قلة المساعدات المخصصة لتعزيز هذه الجدار لاسيما وأن غالبية البلدان التي يشقها الجدار ليست ثرية. وثمة اليوم أمل في أن يتم جمع الأموال التي تضمن نجاح المبادرة في غضون السنوات العشر المقبلة إذا تضافرت الجهود المحلية والإقليمية والدولية العامة والخاصة وإذا حولت الالتزامات المالية من قبل مؤسسات التمويل العامة في البلدان الغربية والصناديق الدولية المخصصة للتنمية المستدامة إلى أفعال.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم